المنطق الحيوي :هندسة وادارة معرفيه

 

 ملاحظه  الى زوار الموقع  الكرام

قد اطلقنا صيغه جديد للموقع في شهر ايار-  2004

وابقينا على الصيغه القديمه كما هي ماعد الصفحه الاولى

المعلومات الموجدة في هذه الصفحه جرى تجديدها واضافة مواد جديده و توزيعها بشكل افضل في الصيغه الجديده على الرابط التالي

http://www.damascusschool.com/page/2.htm

 مصطلحات

http://www.damascusschool.com/page/2_1.htmزوار

 تقنيات 

http://www.damascusschool.com/page/2_2.htm

  مفاهيم 

http://www.damascusschool.com/page/2_3.htm

  مفردات  

http://www.damascusschool.com/page/2_4.htm

 

 فيرجى استخدامها واعلامنا عن ملاحظاتكم

وشكرا

 

 

هل نحتاج الي ايديولوجيات وعقائد واديان  جديدة وبالتالي حروب بلا طائل؟

ام نحتاج هندسة وادارة معرفية؟؟ بالاستناد الى البداهة  الكونيه للمصالح المشتركة بمايتناسب مع امكانات عصرنا

 

مفردات

مفاهيم

مصطلحات

تقنيات

 

التحوي

الحيوية الإسلامية

الخليفه الحيوي او الصديق الاول

وحدة مربع المصالح
الحيويه عولمة الاسلام السياسي الشكل الحيوي رموز مربع المصالح

 

الفئويه الفقيه الحيوي الجوهر مطياف (عام)للمعرفة
العولمه القرآن والهندسة المعرفية العولمة الحيوية مطياف (خاص)معرفه دين-منطق-لغه
قوى التفرد

الخليفه الحيوي ام الصديق الحيوي

المنطق الموحد مطياف التواصل والعلم
 التفرد والشخصنة الامام ام الرئيس الحيوي فقه المصالح الحيوية وحدة مربع المصالح
قوى الشخصنة مخطط مربع المصالح  والعلاقات الاجتماعية الامير الحيوي مخطط المنطق الحيوي

 

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

 

 روجيه غارودي |  |*اوليفييه كاريه| | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

  |محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد

2.1-فقه المصالح الحيوية:

 أشار ابن خلدون في مقدمته إلى الفقه  بقوله: "الفقه معرفة أحكام الله في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي مستقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها (فقه)".[ ابن خلدون: المقدمة ص445].

ولم تكن تسمية "الفقهاء" شائعة أيضاً، بل كان أهل الاستنباط من الصحابة يُعرفون باسم "القرَّاء" تمييزاً لهم عن الأميين الذين لم يكونوا يقرءون. وفي هذا يقول ابن خلدون: "… ثم عظمت أمصار الإسلام، وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط، ونما الفقه وأصبح صناعة وعلماً، فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء"[ المصدرالسابق نفسه ص446].

فهل هذا هو معنى الفقه الذي نقصده؟

الايجابه هي النفي

يعد تعبير المصلحة، والمصالح، من التعابير المستهجنة، عند عامة الناس، في ديار العرب والمسلمين، لما فيها من معانٍ مادية يترفع الناس عنها، ويزهدون بها لأسباب كثيرة.. ولكن، هذه المصالح، عندما تكون حيوية توحيدية، فإن الزهد فيها تخاذل، والمصالح ليست مادية فقط، بل متنوعة، والإسلام يحرض على الحيوي منها، بوصفه إرادة الله في خلق الإنسان ليكون خليفته في الأرض، يزرعها ويعمرها ويستحضر الطيبات ويتمتع بها ويزينها بالبنين ويزيد أموالها.. وخيراتها.

وإذا قرأنا تاريخ أسباب نزول الآيات القرآنية، ومواقف السنة النبوية، ومقاصدها!! فإننا نجدها- كلها- توضح أنها إنما أتت لتدعم مصالح حيوية.. بما فيها تلك الأعمال والتي يبدو فيها تناولاً عن إيمان ما.. ومن ذلك فإنه حين عقد صلح الحديبية عندما اقترح الرسول (ص) أن تكون صيغة العقد "بين محمد رسول الله و.." فإن الجانب المعادي رفض تعبير رسول الله.. وقال: لو آمنت بك لما قاتلناك.. فأقره الرسول على ذلك، وقال اكتب "بين محمد بن عبد الله و.." ولا نستهدف- هنا- استعراض المقاصد الحيوية في كل عمل وسلوك أقرته الشرائع والقوانين السائدة في أي مجتمع، ومنها الإسلامي.. ولكن نستهدف الإشارة والتحريض إلى ضرورة قراءة التراث والعصر بموجب تقدير المصالح المترتبة على أي عمل أو رأي. وبذلك، فإن فقه المصالح ليس مجرد قراءة نظرية بل تطبيق عملي، وسعي حثيث، لتحقيق المصلحة الأكثر حيوية، التي تتضمنها أية توجهات عملية أو نظرية.

فقه المصالح هو القياس المعياري الحاسم، بالنسبة للحيوية الإسلامية. وأية حيوية أخرى، تتعلق بقراءة حضارة أو مجتمع آخر.. ويمكن تحديد هذه المصالح ضمن تحويات أربع دارات متحولة هي العزلة، والتعاون، والصراع، والتوحيد، يجمعها معاً منطق وحدة مربع المصالح. وفي التراث الإسلامي يمكن ملاحظة فقه المصالح بوضوح.

فمصلح التوحيد تتقرر من خلال تأكيد وحدة الخليقة "كلكم لآدم وآدم من تراب"، {خلقكم من نفس واحدة} (النساء 1)، و"أصل الأشياء الإباحة" و"من قتل امرؤاً بغير حق فإنما قتل الناس جميعاً".

هذه المعاني تؤكد مصلحة التوحيد، وأولويته وأكثر من ذلك، فإن وصف الجهاد النفسي والسياسي بالتجارة المنجية {هل أدلكم على تجارة تنجيكم} (الصف 10).

لا يدل على أهميتها ومشروعيتها وحسب!! بل يدل - أيضاً- على كون الريح بمعنى النجاة، والخير يعني المصلحة الأكثر حيوية.. والمصلحة الأفضل، هو في الجهاد التوحيدي النفسي والسياسي.

والمتأمل في المعاني الرمزية لسمات الجنة، المعدة للذين اتقوا الله، في اختيار مصالحهم الموجهة، لتكون رابحة.. يجد أنها توضح هذا المعنى. فرموز الجنة، أتت كلها بمعنى الخير المحسوس دنيوياً "طعام، وشراب، وأنهار لبن، وخمر، وأرائك، ونساء كواعب، بل وغلمان مخلدون!!". كل ما تشتهي النفس وبإطلاق أبدى {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} (العنكبوت 64).

هذه الرموز الحسية، لا تجدها إلا عند الأغنياء، أو التجار الرابحين، الذين يكنزون الفضة والذهب والنمارق.. ويعترفون بأن ذلك من "فضل الله" من أجل تحقيق مصلحة أكبر، أغنى، أكثر {لئن شكرتم لأزيدنكم} (إبراهيم 7).

هذه المعاني يمكن أن نجدها - أيضاً- عند كل الشعوب في كل الثقافات، وفي كل الأديان ويؤكدها الإسلام، بوصفها المعيار الحاسم {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} (الرعد). وإذا كان التوحيد المصلحي، هو أحد دارات مربع منطق المصالح، فإن الدارات الأخرى هي الصراع والتعاون والعزلة، ويجب أن تفهم - فقط- من خلال كونها لتحصيل حق مهدد. وهذا في دارة المصلحة الصراعية { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} (البقرة 190). حيث الحض- هنا- على القتال، لتأكيد التوحيد المصلحي، وذلك من خلال دفع المكروه والعدوان. ولكن يجب أن ننتبه { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة 195). إذا كان الصراع خاسراً أو غير مجزٍ، فالأفضل أن نسعى إلى دفع المكروه والحفاظ على مصالح التوحيد من خلال دارة التعاون المصلحي {وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة 2). {تعالوا إلى كلمة سواء} (آل عمران 64). {إنما المؤمنون أخوة} (الحجرات10). {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} (المائدة5). وعندما يكون التعاون غير ممكن أو مغر لمصالح التوحيد.. فإنه يتم استحضار دارة العزلة {لكم دينكم ولي دين} (الكافرون6) {ولا تقف ما ليس لك به علم} (الإسراء 36).

فمربع منطق الدارات المصلحية- هذا- يمكن استخدامه كمفسر لأي رأي، وسلوك، وأي تصرف لأي كائن، ولأي مجتمع وتراث!؟ فالفرق فيما بينها هو فرق في تقدير المصلحة وتقدير منطق الدارة المصلحية الأفضل. والحيوية الإسلامية تحض على عدم اختيار الأقل، في حال وجود الأفضل "إذا حضر الماء بطل التيمم"، "والحي أفضل من والميت" ولكن إذا لم يكن هناك ماء.. ولم يكن هناك قدرة حتى على ذكر اسم الله علناً.. "فالتقية مطلوبة!!" وتعريض النفس للموت بسبب كلمة أو لفظ فهو أمر محرم!! ولكن إذا كانت الكلمة مفيدة، فإنها قد تكون "أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر" وهذا لا يعني شتمه، أو تعريض النفس للبطش بلا داع، ولكن إذا كان التعرض للبطش يؤدي إلى انتصار الخير وشيوعه، فإنه مفيد، فالذين قتلوا في سبيل الله هم {أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران 169). ولنلاحظ أن الحياة- هنا- وفي ل مكان، تعني مصلحة التوحيد.

كما أن الرزق- هنا- يعني مصالح الاستمرار والتجدد {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال 24). وبهذا تفسير واضح إلى أن الأداة الشرطية "إذا" تعني ضرورة التفقه بالمصلحة الحيوية لدعوة التوحيد وإلا فلا معنى لها؟! ولذلك مرة أخرى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة 195). و {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} (الأنفال 61).

ومعايير تعيين الدارة المنطقية المصلحية الأفضل ليست مجرد أمر شخصي، وبخاصة فيما يتعلق بالأمور العامة.. ولذلك تقتضي المصلحة أن يراجع المرء ويستشير {وشاورهم في الأمر} (آل عمران 159 ). ولاحظ المزاج العام "فما اجتمعت أمتي على باطل" وهذا لا يعني أن كل إجماع يقوم على الحق الحيوي!! بل يعني أن كل إجماع يقوم على تقدير مصلحة ما!! واضحة وعامة وحيوية للذين يقبلونها.. وإلا ما أجمع هؤلاء الناس عليها!؟ ولكن إذا كان إجماعاً يدعو لقتل النفس التي حرم الله. فاربأ بنفسك عن ذلك واعتزل عنهم، ولو اجتمعت الإنس والجن لإغرائك بعكس ذلك!! لأن المصالح الحيوية درجات.. ففيها الأدنى، وفيها الأعلى!! والتوحيد هو الأعلى!.. فلماذا نقبل بالأسفل؟.. ونرضاه.. دارة تتحوانا، ونسجن أنفسنا فيها، مع أن العالم رحب حولنا.

وبهذا المعنى، فإن علينا أن نفسر التاريخ الإسلامي وغيره من خلال وحدة مربع الدارات المنطقية للمصالح، ونسعى باستمرار لاختيار أفضل الدارات وأكثرها شمولاً وشيوعاً.. فأصل الأشياء الإباحة، والخير هو فطرة الكون!! وحتى الشرير يكره الشر في نفسه!!

وأكثر من ذلك فإن فقه المصالح يقوم على أن عامة البشر بحاجة إلى مفهوم الله أو القانون المطلق، والى تحديد قيم الحق والخير والجمال.. أما الله نفسه فهو ليس بحاجة إلى البشر.. وبالتالي ، يجب أن لا نسأل عن مصلحة الله.. بل عن مصلحة البشر.. وإذا كان لله مصلحة، فهي كما وصفتها كل الأديان، تتمثل بالخلق والحياة والعطاء وديمومة الوجود الحي.. وهي مصالح لا تتوقف على رأي البشر!! ولذلك، فإن قتل امرئ بحجة حماية الله.. أو نيابة عن السماء.. هو عمل لا معنى له إلا أن القاتل يعرف أنه يرتكب كبيرة!! ويقترف إثماً عظيماً!! يتطلب كذبة كبرى.. ليسكت صوت الحق!! ولكن أنى لأي كائن أن يطفئ {نور الله بأفواههم} (التوبة 32). فالكذب كذب.!! وبالطبع أسوأ الكذب هو الكذب بدون أي مصلحة.. فالأذى بدون أية مصلحة.. إلاَّ مصلحة التسلية.. هو الجريمة الموصوفة!! بل والمضاعفة.. وبهذا المعنى.. فإن الحيوية الإسلامية، وأية حيوية خاصة بفرد أو جماعة، يجب أن يكون ديدنها السؤال عن المصلحة واختيار الأكثر فاعلية والأكثر شمولاً. ولعل الفقيه "الأوزاعي" بدفاعه عن المصالح المرسلة من أوضح من أشار إلى أهمية البحث عن المصالح الموجهة. إذ أن وجود بعض الأعمال النافعة كبيع الطعام في منطقة يوجد فيها عمل ضار كالبغاء.. فإذا كان اللذين يمارسون البغاء يعتمدون ذلك المطعم أو السوق، فإن على الوالي، قبل إزالة البغاء، أن يعوض المصالح المرسلة لمن يعيشون على بيع الطعام.

ولهذا، فإن الحيوية الإسلامية ليست شعراً، وليست أحلاماً، وليست طقوساً، وليست غيباً، بل هي مصالح في الحياة {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} (النحل 97).. ولكن إذا كانت الطقوس يمكن أن تؤدي إلى استحضار مشاعر الخشوع والطهارة في مؤديها فهي حيوية.. وإذا كانت الغيبيات تؤدي إلى تقديس الحياة، والسلام، وتحريم الأذى والقتل، فإن أداء ومشاركة الناس في مثل هذه الطقوس والغيبيات لا بد أن تجعلهم يسمون في مشاعرهم إلى مستويات أكثر قدسية، يحتاج عامة الناس عيشها، لتزيد ثقتهم وقدرتهم على الحياة. نعم، إن مثل تلك الأشعار والأحلام والطقوس والغيبيات أمر حيوي، لأنه يقدم مصالح توحيدية، وتساعد في رفع المنسوب الحيوي لمؤديها، وتزيد في زرق الناس، وسعادتهم وحيويتهم، ولو نظرنا إليها بوصفها مجرد مشاركة وجدانية وغناء احتفالي للأمة التي ننتمي إليها فإننا يمكن أن ندرك مدى حيويتها ومبرراتها لتأكيد قيم الحياة..

ولا بأس- هنا- من التوقف عند هذه الإشارة: جملة ( صلى الله عليه وسلم ) والتي وردت في بداية هذه الفقرة، والتي لن نجد لها تكراراً في أي موضع آخر، في الكتاب.. وغيابها يعود لأسباب عديدة، الأول: هو أن فقه المصالح لا يتوجه إلى المسلمين دون غيرهم!! بل ولا يتجه أيضاً إلى المتدينين دون غيرهم؟!.

ونحن هنا، لا نضعها بوصفها إشارة طقوسية، نزين بها الكتاب، نطالب التسليم بها جدلاً، بل هي إشارة حيوية، إلى البعد الحيوي المتضمن، في كثير من تحويات الطقوس والغيبيات.

فهذه الصيغ، تجد ما يماثلها في جميع المجتمعات والمذاهب، حتى غير المتدين منها، وذلك لما فيها من حدسٍ متفائل، لرموزها المتجذرة في التراث الخاص بكل جماعة..

والتحويات الطقوسية، عامة، تتضمن احتفالية غنائية تطهيرية، تقوم بما يمكن تشبيهه، بوصلة رادارية (الأنتين) أو (الهوائي)، الذي ننصبه في أعلى العمارات، لاستقبال محطات الإرسال البعيدة، للتواصل الأفضل معها، وكلما بعدت المسافة وكثرت الحواجز، فإن علينا البحث عن صيغ رادارية أفضل.. ولذلك، نلجأ الآن، إلى وضع أقمار صناعية حول الأرض لتسهيل التواصل، وأداء المصالح بحيوية.. رغم المسافات.

وتحويات الطقوس هي أشبه ما تكون إلى التحويات الرادادية، حيث يصاحبها تحويات جسدية حسية (انثناء، انطواء، ركوع، سجود، رفع الرأس واليدين إلى أعلى، استلهاماً وابتهالاً، خفض الرأس، تواضعاً وخشوعاً، ربط الأيدي على الصدر، وضع اليد اليمنى على القلب، ربط الأيدي ببعضها، ضم الرأس بين الكفين، وضع اليد على الجبين، الانكفاء في زاوية، الصمت، وعدم مكالمة الناس، الصوم عن الطعام جزئياً أو كلياً، ترديد وتهجد أسماء مقدسة بتكرارية طنينية.. الخ).

وهذ التحويات الطقوسية، تمارس، على نحو أكثر احتفالية، وقدسية، في المواسم الجماعية، وفي أماكن العبادة المجهزة فنياً (لتضخيم الصوت، ونشر الأبخرة، والمآذن المعمارية السامقة.. الخ). وما إلى ذلك، من تحويات تسهل الشعور، بالخشوع والجلال، والقدسية، وفي بعض الأحيان الانبهار!!.

علماء النفس، يعرفون الأهمية الكبرى لهذه التحويات الطقوية الحسية، لما لها من قدرة على تطهير النفوس، وتخليصها من العقد الطارئة، وتجديد الانطلاق إلى الحياة. لذلك، فإن المجتمعات، والأديان، والمذاهب جميعاً، تخصص أوقاتاً في اليوم والأسبوع والسنة، لتكون ميقاتاً للتحوي الطقوسي!! لما فيها من إعادة الصياغة للإلفة والصداقة والفرح بين الناس.

كل هذه التحويات الطقوسية والغيبية، يمكن تفسيرها- بسهولة- من خلال فقه المصالح الحيوية، بما فيها، تلك، التي تتقلب إلى أعمال شغب، وهدم باسم الدين، والطقوس؟! لأن مثل تلك الأعمال السلبية، هي - أيضاً- تعبير عن مصالح؟! ولكن المصالح الحيوية التوحيدية ليست كذلك!! وتربأ، بنفسها، عن مثل هذه التحويات، إلا في حالة الدفاع عن النفس.

مرة أخرى، فإن فقه المصالح الحيوية، يقوم على أساس، أن مفهوم (الله) يدل على الخير، ويحرض عليه، وليس شراً، فالله محبة وليس كرهاً، الله كرماً، وليس بخلاً، الله رحمة وليس رعباً، ولا يصدر عن الخير إلا الخير {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء 79) ولا يصدر عن الحي القيوم، إلا الحياة والحيوية.. أما ما أصابنا، من شرور، وآلام، وإحباطات، فهو من قصورنا.. والقصور مرتبط بكوننا كائنات محدودة!! ومحدوديتنا هي مصدر دائم للقصور!! علينا أن نقاومه، بتشديد التواصل مع الفيض الإبداعي الخلاق للكائنات، والذي نختلف على تسميته، بين دين وآخر، وبين لغة وأخرى، بل ونختلف على تسميته، بحسب كوننا مؤمنين بالغيب، أو غير مؤمنين، ولكننا - وفي كل الحالات- نتفق جميعاً على مداليله. فحتى كلمة (الطبيعة) تأخذ صفات خالقة مطلقة عند غير المتدينين.

على هذ الأساس، يجب فهم المعنى الحيوي لتحويات الطقوس والغيبيات، فالصلاة والزكاة والصوم.. الخ، إنما هي وسائل بشرية، لشحذ الهمم، وتمتين التواصل مع الفيض الإلهي، ولاستيحاء قيم التوحد وسبله.

فالصلاة، في فقه المصالح الحيوية، على سبي المثال، ليست مطلوبة من أجل أن نقدم منفعة يحتاجها الله منا.. أو نقدم مصلحة تتوقف ألوهيته على إعطائنا له إياها..

بل الصلاة من اجل منفعة المصلى نفسه، فالله- وكما ذكرنا سابقاً- ليس بحاجة لنا، بل نحن بحاجة له، والنبي ليس بحاجة لنا، بل نحن بحاجة إليه والى خبرته التوحيدية!! وعندما نقول (ص) فهذا لا يعني أن النبي، بحاجة إلى شفاعتنا، وصلاتنا لكي يرضى الله عنه، بل إن تعبير (ص) يعني التواصل بمصدر الخلق، ولإحياء نموذج النبوة في أنفسنا وأعمالنا، ولنطمئن أنفسنا إلى رحمة الله وإحلال سلامه فينا، وفي علاقاتنا.. ولذلك عندما نقرأ { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} (الأحزاب 56)، علينا أن نفسرها بأن الله عندما يصلى على النبي، ويدعونا للصلاة عليه.. فإنما يدعونا لما "يحيينا" { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال 24)، ذلك للاستفادة من حيوية النموذج النبوي، لإيضاح حيوته، وليحرضنا على الانتفاع به.

وقد يسأل سائل، ولكن إذا كان الإنسان قادراً على الاتصال، مع ربه مباشرة بوصفه فيضا عنه، وخلقاً منه.. فلماذا نحتاج إلى نمذجة النبوة والقديسين، لتكون واسطة؟! أو أحجبة بيننا، وبين الفيض الإلهي؟.

للإجابة، عن هذا لسؤال، فإننا لا نريد التطرق إلى الأمور الغيبية، بل إلى الدلالات المنطقية البسيطة، والملزمة لبداهتها.. التي تمكننا من فهم التواصل الرحماني للكلية المطلقة، للذات الخالقة الإلهية، مع أي من مخلوقاتها الجزئية المحدودة، وهذا التواصل بين الكل والجزئيات لا يمكن- منطقياً- أن يتم بنفس  المستوى وبنفس الكيفية، وذلك لاختلاف التحويات المنطقية بين الجزء والكل.

والاختلاف في صيغ التواصل قائم بسبب اختلاف منطق الكل ومنطق الجزء، إذ، حتى لو أن جميع الأجزاء دفعة واحدة، أرادت التواصل مع الكل فإن منطقها يبقى مختلفاً عن منطق الكل، فالاختلاف، هنا، يعود إلى أن مجاميع الخليقة هي لحظات في صيرورة المصدر الخالق بوصفه قدرة على الخلق اللانهائي. ومن هنا، فإننا، وعلى الرغم من معرفتنا بالجوانب الحيوية في مذاهب وحدة الوجود، حيث تقول إن الخالق (هو) موجوداً في الخليقة (هي) وبالتالي (هو) = (هي) !! وهي = هو!! أما نحن فإذا أقررنا أنه (هو) = (هي)، فإننا لا نقر أنها (هي) = (هو)، لأن (هي) ليست (هو)، ولأنها (هي) أي الجزئيات المخلوقة مجرد لحظات محدودة في مقابل الكلية المصدرية الخالقة، ومن المعروف منطقياً، والمسلم به عامة أن الكلية أكبر من مجموع أجزائها (ومجموع الجزئيات المخلوقة لا تعادل الذات الكلية الخالقة، لأن الجزئيات، هي جزئيات محدودة، بينما الكلية الخالقة هي لا نهائية بالتعريف. ومن هنا يمكننا أن نفهم ضرورة وجود (وحي) نتعرف به طريق الخير، وضرورة وجود (حجاب) نبوي يساعدنا في إيجاد طريق الخير { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء الحجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} (الشورى 51). والحجاب، هنا، أو الوحي، أو النبوة، هي صيغ شفافة (بللورات) لاستشفاف الخير وتحوياته. ولو أننا، تمعنا في الآيات، التي وردت فيها كلمة الوحي، لرأينا أن وحي الله، لا يقتصر على البشر، بل يمتد إلى سائر الخلق.. فالله يوحي للنمل، أيضاً، بحيث يمكن أن نفسر تحويات تلك الكائنات جميعاً، بما فيها من أكل ونوم وإنتاج للخيرات، بوصفها تنفيذاً لوحي الله، وتسبيحاً له { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون* ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} (النحل 68-69).

وهكذا، فإن فقه المصالح الحيوية، يفسر التحويات الطقوسية والغيبية، التي يحتاجها ويمارسها عامة الناس، في مختلف المذاهب والأديان، والأزمان بوصفها استشفافاً، مطمئناً، مقوياً.. الخ، للاتساق مع إرادة الحياة.. الحرية.

والصلاة، بهذا المعنى، ليست وحيدة الاتجاه!! بل هي تواصل حيوي رحماني متعدد الاتجاهات: بين الخلق وخالقهم للاسترحام، وبين الخالق والخلق ليرحمهم، وبين الناس بعضهم بعضاً.. ليتراحموا، ويزكوا وحدتهم، ويتواصلوا مع رحمهم المشترك، بوصفهم من أبٍ واحد، وأمٍ واحدة، وهم جميعاً (عيال الله)، وكما أشار زكي الأرسوزي في كتابه "عبقرية الأمة العربية في لسانها"  أن (الرحمن": لفظة مشتقة من الرحم). ولذلك، يمكننا أن نجد آيات توضح أن الله- هو أيضاً- بدوره يقوم بالصلاة، ليس على أنبيائه فقط!، بل أيضاً على سائر خلقه الحيويين، الصادقين، الميامين، الصابرين على المكاره، والمقاومين للقنوط واليأس {ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} (البقرة 155-157). وهكذا، نرى أن الله، نفسه، يصلي على الصابرين على المكاره، غير القانطين!! يدعم صمودهم الحيوي، لإيجاد السبل الأكثر حيوية، لتحقيق الخير والفرح.. ولذلك - أيضاً- يمكننا القول، بل وتكرير القول، وبكل الوسائل الجميلة والسلمية.. (صوت مؤذن رخيم، طنين ناقوس حنون.. الخ). يمكننا، بل ويتوجب علينا، بالاستناد، إلى فقه المصالح الحيوية، أن نعلن بكل وضوح ومحبة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على الحياة!! وهذا، هو المعنى، لتحويات الطقوس، في فقه المصالح.. عند عامة الناس، في مختلف الأزمان والأديان، بل إن الصلاة، في فقه المصالح، ليست خاصة بالبشر، فلكل صلاته {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (النور 41). والجزاء الذي تنتظره الكائنات، هو الخير والحياة، في تحوياتها (تسبيحها، صلاتها، نبضها..؟).

وكما قالت رابعة العدوية، فإن صلاتها هي في محبة الله، في محبة الخير، محبة الحياة، (ليس خوفاً من عقاب وليس طمعاً في ثواب)، فمحبة الله تعني، ضمناً، محبة الخير للنفس، والآخرين، لأن الله، هو تواصل خلاق بلا حدود، وتحويات الطقوس الحيوية، تجعل عامة الناس، أقدر على رؤية الخير وآياته، في أنفسهم، وفيما حولهم {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..} (فصلت 53). هذا الحق، هو الذي علينا استلهامه، في أنفسنا، وفي الآفاق، لتشييد فقه المصالح الحيوية، لتحقيق إرادة الحياة.. الحرية.

وإذا كانت بعض الطقوس والغيبيات لا تدعم قيم الحياة.. فهي "سقط المتاع"!

فقه المصالح الحيوية يجعلنا نقرأ الكون والحياة لنتمتع ونفرح.. وليس لنغتنم ونحزن ونموت قبل الموت.. فالله جميل يحب الجمال.. عادل يحب العدل.. غني يحب الغنى.. الله ليس فقيراً وليس ظالماً، ليس موتاً.. بل حياة وديمومة وعطاء.. وهذا هو المصدر الملهم لفقه المصالح.. فقه الأمل.. فقه الرحمة. ولذلك فإن البشر بحاجة إلى مفهوم الله.. والإيمان اليقيني المطلق بالحي القيوم بوصفه الخير الدائم والأشمل. ومن المصلحة أن {لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر 53)، { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا} (النساء 97).

وإذا كنت- أنت- الوحيد الذي تقرأ التراث والعصر بمنطق الحياة، بمنطق مصالح التوحيد، بمنطق ضرورة تحطيم الأصنام الذي { لا يسمن ولا يغني من جوع} (الغاشية 7). وقالوا لك لماذا تخالفنا؟! قل لهم أروني: "كيف تفهمون معنى الإنسان على الأرض.. إذا لم يكن مستخلفاً عن الله في الأرض {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة 30)، إذا كان الإنسان هو خليفة الله على الأرض، فلماذا لا تكون حياته مقدسة، ورزقه مقدساً.. وفرحه مقدساً؟!. وإذا قالوا: لا بل عليه الدوران حول القبور والانشغال بتوافه الأمور.. قل لهم: يا.. يرحمنا الله، يوم تبتعثون أنفسكم وأولادكم لطلب الطعام فلا تجدونه!؟ وإلى الزواج فلا تستطيعونه!! إلى العلم فلا تحسنونه!! والى الصحة فتمرضون!! ألا.. فسلام عليكم إن كنتم ستستمرون في الحياة، ستخلفون حياة وراءكم.. أو.. وإلى اللقاء يوم تبعثون!! وإذا تذكرتم {وإذا الموءودة سئلت* بأي ذنب قتلت} (التكوير 8-9). اسألوا لماذا نهدر مصالحنا.. في الحياة.. ألا حي على الفلاح.. ألا حي على خير العمل.. فالله أكبر .. قيم الحياة أكبر.. وفقه الحياة أكبر.

وإذا قيل أن هناك حدوداً يجب عدم تجاوزها.. فإننا نقول نعم.. إنها حدود الحياة، فهذه هي حدود الله.. وإذا قبلنا تفسير صيغة التزاوج بين ذرية آدم وحواء.. من خلال زواج الأخوة.. من خلال تبادل الثنائي التوئمي. فإننا نعرف أن معيار الأخلاق هو مصلحة الحياة.. وإذا عرفنا أن إبراهيم أبو الأنبياء "عند اليهود والمسيحيين والمسلمين" عندما سئل عن صلته بزوجه الشابة الجميلة!! "سارة" قال إنها أخته!!؟ لكي لا يقتل وتؤخذ منه. فإننا نعرف أن الإبراهيمية تعني أن الحياة هي الأكثر قداسة.. وإذا!!؟ وإذا !!؟ وإذا عرفنا أن الإسلام تراث يسر لا عسر.. وأنه تراث الضرورات تبيح المحظورات، فإن المحظور الوحيد هو اليأس، هو الفقر، هو القنوط.. هو الأذى. وأكبر أشكال الأذى هو العجز عن قراءة منطق العصر المعيش، والعجز عن قراءة فقه المصالح الحيوية في التراث والعصر، سواء أكان إسلامياً أم غير إسلامي.. سواء أكان دينياً أم غير ديني.. لأن كل ما ينفع عامة الناس ويزيد حيويتهم فهو حيوي!!

الإسلام هو تراث يَعِدٌ المتمتع بزوجه أجراً.. ويَعِدُ ملقي التحية أجراً.. والأجر يعني الحسنة.. ترى ألا يحسن بنا أن ندفع فقه المصالح بفقه التهلكة ليمحوه!! فقه الضرر والإضرار.. لنتجاوزه؟!

 

 

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

 

 

2.2- الحيوية الإسلامية:

يحلو لبعضهم أن يفسر كلمة الإسلام بالاستسلام بمعنى الخضوع والعبودية أما نحن فنفسرها بالسلام بمعنى الطمأنينة.

والطمأنينة الإيمانية أو اليقينية- بهذا المعنى- ليست عملاً إرادياً وبالتالي فإن من لا يؤمن بالإسلام فهو ليس بكافر لأن الكفر في اللغة هو النفاق ويعني إنكار ما يعلمه المرء أنه حق.. وبهذا المعنى فإنه وكان يلاحظ حسن حنفي بذكاء، في كتابه "من العقيدة إلى الثورة" أن من لا يعرف الإسلام ومن لا يشعر بطمأنينة إلى معرفته الإسلامية.. فهو ليس بكافر. وقد سبق لمحمود شلتوت أن ذكر في فتاويه أن من عاش في بلد ما كالسويد مثلاً ومات ولم يسمع عن الإسلام فهو ليس بكافر.. وأساساً لا يجوز لبشري أن يحكم بالإيمان والكفر على أحد. والحيوية الإسلامية بهذا المعنى ليست نمطاً ايماناً بالضرورة أو شيئاً مخبوءاً في النوايا بل هي نمط عملي يظهر في السلوك اليومي بوصفه فعلاً مجدداً لمتطلبات وجوده، وبما أن متطلبات الوجود البشري تتضمن بداهة وحدة الخليقة وبالتالي وحدة الخالق فإن بداهة وحدة مصالح الخليقة في الحياة والحرية هي النمط الحيوي الفعّال المتجدد للسلوك البشري.

وبهذا المعنى، فإن الحيوية الإسلامية ليست وصفاً للطقوس الدينية، ولا تتطلب أية مرجعية غيبية، بل تتطلب الدلالات المنطقية الملزمة، لتكون نقدية قياسية وتجريبية.

وبهذه الصفة، فإن الحيوية الإسلامية ليست مذهباً جديداً، وليست موضوعاً للإيمان، بل هي للمشاركة والممارسة العملية لأصالة التراث الحضاري الإسلامي، بوصفه مماثلاً في أهدافه لكل التراث الحيوي الموجود في الأديان والحضارات الأخرى، الموجود عند غير المسلمين وغير المتدينين والمتدينين على السواء، يجمعهم في ذلك السعي المتجدد والفعّال لتحييد الأصنام الطائفية والعنصرية والسحرية.. ويجمعهم الآن تحويهم المشترك للاتساق مع منطق العولمة التقني، الذي دشنته أسلحة التدمير الشامل، وعصر الفضاء والاتصالات الإلكترونية. والذي يقرع- الآن- بقوة، أبواب العولمة الحيوية التوحيدية .

 

 

 

2.4- المنطق الموحد :

المنطق الموحد هو الصيغة التي يمكن أن نتتبع فيها صيرورة الكائن بأبسط صيغة تعبر فيها عن وحدة صيغ ظهوره وتنوعه وزواله ، بوصفه حركة ،و صيرورة احتمالية ، ونسبية. وهذه الصيرورة تختلف من كائن من كائن إلى آخر، باختلاف متطلبات وضرورات الظروف المشكلة. وبهذا المعنى، فإن الاختلاف بين الكائنات يعبر عن وحدة القانون العام للشكل الحيوي. وبهذا المعنى- أيضاً- فإن المنطق الموحد هو منطق التوحيد للمعرفة الكونية من خلال مقولة الشكل القادرة على فك تعقيدات أية كينونة مطروحة للمعرفة البشرية بواسطة تقنية "وحدة مربع المصالح" بوصفها بسيطة وشاملة وقابلة للفهم والدلالة بقوة البداهة والحس السليم، من خلال أية كينونة عملية أو نظرية.

والمنطق الموحد للشكل الحيوي- بهذا المعنى- يشمل جميع الصيغ المنطقية الممكنة والقادرة على تحقيق اتساق بين مقدماتها ونتائجها كالمنطق الأرسطي والرمزي والرياضي والتقني.. الخ. بوصفها لحظات منطقية تعبر باختلافها وتنوعها عن وحدة وحيوية الشكل المنطقي الموحد الذي تطلبته مصالحها وقدراتها في المقايسة والضبط.

 

 

 


 

(2.5) الهندسة المعرفية.. وتقنية وحدة مربع المصالح:

لكل عصر، كما أسلفنا، احتياجاته، ضروراته، تقنياته، التي تحدد آفاقه النظرية والعملية. والبعد المعرفي من أكثر الأبعاد تأثراً بالمتغيرات المعيشة، من فرد لآخر، من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر.

وتعبير الهندسة المعرفية يُعد- نسبياً- تعبيراً جديداً بمعنى أن المعرفة، مثلها مثل أي ظاهرة أخرى تصنع لتسد  حاجات تتطلبها ضرورات ما.

وبذلك، فإن الاختلاف في المعارف، والنظريات المعرفية، هو اختلاف في ضرورات منطق المصالح الحيوية الموجهة.

وبالتالي، فإن تصنيع أي فكر، بمعنى الفكرنة، يمكن أن يسد حاجة من يتطلبها أو لا يسد، بسبب قوة أو ضعف القوانين المستخدمة لهذه الهندسة، وهندس المنطق الحيوي تختلف عن هندسة الفكرنات، بوصفها هندسة فكرياء، بمعنى علم الفكر والسياسة. وفي هذه الهندسة، فإن تصنيع الفكر لا يتم لسد حاجات أحادية أو عابرة، بل ليسد حاجات شاملة وقابلة للتنوع بوصفها حدس فقه المصالح التوحيدية. ومثل هذا الحدس، ليس خاضعاً لأوامر إدارية رسمية، أو لمتطلبات نظام سياسي جزئي، بل هي خضوع لمنطق العصر، واتساق لضروراته الحيوية.

قبل الخوض في هذا المجال يلزمنا العودة الى أطوار هندسة المعرفة الإنسانية لتعرفها و مقايستها ، بحسب منطق وحدة مربع المصالح، لنجد أنها :

1-      في طور مصالح منطق العزلة، والتقنية البدائية، فإن الهندسات المعرفية كانت تتمحور في أفكار تعدها جواهر متميزة، لا تحول ولا تزول، معلقة في السماء كالنجوم، ومستمدة من الأعلى الأبدي، وغالباً ما ترتبط، تلك الهندسات المعرفية، برموز تحاكي الطبيعة تصويراً ولفظاً، ويغلب عليها المعاني الحسية الخام.

2-      في طور مصالح منطق التعاون الصوري الإمبراطوري، فإن الهندسة المعرفية كانت، تتمحور- أيضاً- في التمييز الجوهري، ولكن المعرفة تأخذ مكانة، جوهرية أخرى، لتميز نفسها عن المعرفة التطبيقية والعملية، بحيث، أن التنظير يكون عملاً يختص به سادة القوم، بينما التطبيق يترك للعبيد والحيوانات.

وفي هذه المرحلة، فإن سمو المعرفة يعني شمولها لأكثر من جماعة وإقليم، وكذلك يتطلب هندسات التأويل والتجريد، بحيث يمكن إيجاد أرضية مشتركة لغوية، وقومية، ودينية، ضمن سيطرة جوهر صوري عام.. "بوذي، مسيحي، إسلامي، الخ" لجماعات شتى، وفي هذه المرحلة أيضاً، فإن الهندسة المعرفية ترتفع بالمستوى الحسي الخام في تصوير الكون، إلى مستوى الترميز الاختزالي (إيقونات، قمر، شمس، هلال، صليب، الخ)، بحيث تجعل التجريد يجد جذراً واقعياً محسوساً، ولو بشكل رمزي.

3-      المعرفة في طور مصالح منطق الصراع والنفي بالبارود بتشييد هندسات معرفية، تفسد الحليب الاجتماعي البشري، برمته!! إلى أكثرية ماء عكر.. يصلح للاستعمار!! وزبدة ثمينة تخص فئة اجتماعية، دون غيرها من العالم، ويمكن الإشارة إلى هذه الفئات: قومية خالدة، دم أزرق، طائفة ناجية، طبقة إلهية الخ، لتكون عالمية الصراع وأحادية الاستقطاب، والهندسة المعرفية في هذا الطور، تنتج رؤى فكرية، تفسر تاريخ العالم، ليكون تحت سيطرتها، بوصفها مدنية ضد الهمجية، علمية ضد السحر!! وترسم قطيعة معرفية حدية، بين القديم بوصفه رجعية، وبين الحداثة بوصفها تقدماً.

4-      في طور مصالح المنطق الموحد للشكل الحيوي فإن الهندسة المعرفية تأخذ صيغة أكثر شمولاً، وقدرة على تفهم ذاتها، بوصفها معرفة إجرائية، يمكن التعبير عنها بأي لغة كانت: بشرية، كيميائية، فضائية، كمبيوترية، روائح، أزياء، الخ.. وهذه اللغات في تنوعها، تستمد قدرتها من قدرة المنظومة المنطقية التي تعبر عنها، وفي هذا الطور، يتم رفع قيم الخبرة العملية إلى ما تستحقه من قيمة استثنائية، في تصريف شئون الحياة، ضمن تعقيدات مضاعفة بإطراد الميكنة، الأتمتة، التواصل الإلكتروني، المعلوماتية، والهندسة المعرفية، في هذا الطور، تؤكد حقوق الإنسان، والشعوب، والمرأة والطفولة، والديمقراطية، والعولمة عبر التنوع.. والمبادرة السلمية الحرة.

ضمن هذه المرحلة، فإن المنطق الموحد للشكل الحيوي، يسمح بنقل الهندسة المعرفية، نقلة استثنائية في تاريخ البشر، بحيث يتم إنتاج وتطوير الآلات المفكرة، والقادرة على التعليم، واتخاذ القرارات في شتى ميادين الاقتصاد والإدارة والصناعة والعسكرية، بشكل تصبح المعرفة، عملية هندسية غير محصورة بالأداة الإنسانية، وتصبح أكثر دقة، وأكثر سرعة من قدرة أي بشري بمفرده، والأهم من ذلك، أن الذاكرة المعرفية القابلة للاستحضار الفوري، ومن أي نقطة في العالم، تصبح أكبر من أية ذاكرة بشرية.

هذه الهندسة المعرفية، ما كان يمكن تحقيقها، بدون الاكتشاف العملي للمنطق الموحد للشكل القائم على المقايسة الكمية.. الذي يجمع المعرفة البشرية، والمعرفة غير البشرية، ضمن تحويات تسمح بالتصنيع بكلفة أقل توازي 20 مليار مقارنة ببضعة ملايين من الدولارات، ومن ذلك على سبيل المثال، ما حدث عندما رفض الكونجرس الأمريكي الاستمرار في تمويل التجارب النووية، في الطبيعة الحية، وما يتطلب ذلك من شراء واستهلاك مواد نادرة جداً، ومخاطر كبيرة على البيئة، ولقد تم استبدال، كل ذلك، من خلال التمثيل المعلوماتي لعمليات التفجير النووي، بكلفة بضع ملايين فقط بحيث يستعاض عن الطبيعة والمواد المشعة ونتائج الانفجار، بمجرد معلومات مهندسة، وفق منطق معادل لمنطق وجودها في الطبيعة ظهوراً، وتنوعاً، وترابطاً، وتفككاً، وزوالاً.

هذه القفزة، في الهندسة المعرفية، تجعل معالجة المعلومات سواء أكانت متعلقة بالإنسان أو الطبيعة أمراً ممكناً من خلال كونها تعبيرات تستمد قيمتها من قيمة المنظومة المنطقية، التي تستند إليها، وتتحول بدلالتها.

والهندسة الحيوية ليست - فقط- نظرية.. بل هي عملية تغيرية، أيضاً، إذاً لتغيير أية ظاهرة، فإن علينا الكشف عن علاقاتها الضمنية القابلة للتحول إلى داراتها الأربع.. وبالتالي التوجه إلى جذور أبعادها المصلحية لإحلال الدارة المطلوبة.. على سبيل المثال.. إذا كان لدينا دارة عزلة، فهذا يعني أنها في أبعادها المصلحية.. تتضمن جذري الانغلاق والتهابط، ولتغييرها باتجاه "صراعي" مثلاً.. فإن المطلوب هو مجرد تحويل التهابط في إيقاعها المصلحي إلى الارتقاء لإيقاعات أعلى، وأكثر حركية.. أما إذا أردناها أن تصبح "تعاونية" فإن المطلوب هو مجرد تحويل جذر انغلاقها المصلحي إلى انفتاح.. وهكذا!! وهذه الطريقة الهندسية في التفسير، والتغيير أقل كلفة، وأكثر فعالية، وقابلة للتجريب في كل ظاهرة.

ومع أن تطبيقات هذه الهندسات المعرفية، شملت مجالات تمثيل الطبيعة كمبيوترياً!! والذكاء الاصطناعي، وشبكات المعلومات، فإنها ما تزال قاصرة في قضايا الفكر السياسي، والاجتماعي، لأسباب كثيرة، منها: تحويات الأنظمة السياسية، التي لم تتخلص- بعد- من منظومة مصالح منطق النفي، كما هو الحال بالنسبة للدول الغربية، وبالتالي لانعدام سوق يتطلبها.

وقد أتيحت للمنطق الحيوي فرصة الرد والمشاركة على التحديات المطروحة في ميدان المعلوماتية، والذكاء الصناعي، ووصل المنطق الحيوي إلى مستوى التدريس، والتطبيق في حلقات الدراسة العليا، في هذا الاختصاص في جامعات وشركات كمبيوتر متعددة ضمن منطقة واشنطن الكبرى منذ 1995.

وسبب استطاعة المنطق الموحد للشكل الحيوي، في المشاركة في هذه العمليات، يعود، إلى ما ذكرناه في أبريل عام 1995 في محاضرة في جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة، بعنوان "عصر الشكل أم عصر المعلومات" حيث أكدنا ما سبق ذكره، ونشره من قبل، وهو أن مقولة الشكل هي الأداة الهندسية الأشمل والأبسط لتصنيع المفتاح المفسر لأي تحول ولأية عملية طبيعية أم اصطناعية، عضوية أو غير عضوية، وكنا قد شرحنا ذلك في كتاب "الإنسان شكل" عام 1974 وكتاب "النظرية الحيوية في المعرفة" عام 1976 والجزء الثالث من المنطق الحيوي العقل فردياً ونفسياً) عام 1987 وفي تدريسنا للمنطق الحيوي كهندسة معرفية. (Hayawic Form UniLogic as Knowledge Engineering by using: Interst Square Unit Technique (ISU)

ولقد استطعنا بفضل تلك المقاربات، والخبرات، أن نشارك في بلورة منظومة منطقية للنمذجة الرياضية والمماثلة المنطقية في حقل التواصل الإنساني، وتحليل المعلومات المفكرة والصماء من خلال منطق مربع وحدة المصالح، بوصفها تقنية للنمذجة ومطياف للتفسير.. وقد استخدمت هذه التقنية وما تزال في تطوير برامج كومبيوترية لقراءة النصوص، ومنهجة الإدارة، وأتمتة عمليات التشفير للغات البرمجة.


 

 

2.6القرآن الكريم كنموذج للهندسة المعرفية

ونجاح المنطق الحيوي، في مثل هذه المجالات، لا تذكر هنا لتباهي، فما زلنا في أول الدرب، ولكن تذكر للدلالة على أن الهندسة المعرفية كعلم جديد، قديم، يمكننا به التعرف على الموروث الحضاري لكل المجتمعات والأديان والثقافات، بوصفها أدوات معرفية تعبر عن حدوس مصالح منطق عصرها.

ومع أن، مثل هذه الإشارات، يمكن العثور على ما يماثلها، هنا وهناك، فإن التعبير عنها، كان في حقل المجاز والاستخدام غير الملزم، والذي يتطلب قدرات استثنائية للفهم، بحيث تجعله بعيداً عن الجمهور، أما الآن، فإن مثل هذا التبسيط في إيضاح المنطق الحيوي المشترك، لمختلف المنظومات المعرفية، من خلال تقنية وحدة مربع المصالح!! فإنه أصبح بمتناول عامة الناس ومن ذلك على سبيل المثال يمكن أن نقدم القرآن الكريم كنموذج هائل للهندسة المعرفية مثله في ذلك مثل الكتب التي تحتل مكانة مقدسة عند أصحابها وتؤخذ معانيها لتفسر الكون بشكل رمزي!! حيث أن القرآن يشير في أكثر من مناسبة إلى أنه ليس جديداً وليس وحيداً بل هو موجود أصلاً بوصفه خالداً بخلود الحياة.. {بل هو قرآن مجيد* في لوح محفوظ} (البرج 21-22)، {الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابها} (آل عمران 7)، {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب* يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 38-39)، {حم* والكتاب المبين* إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} (الزخرف 1-4).

هذه الآيات الكريمة، توضح لنا، بجلاء، أن الله خالق الكون ومهندسه!! وقد هندس المعرفة التشريعية، بحيث تكون قابلة للقراءة، ومقروءة بوصفها تذكراً، وتذكيراً لفطرة الخير.. ولذلك، فإن من أهم الصفات التي وصف القرآن بها نفسه بأنه "الذكر": }إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر9)، والنبي هو "المُذكر": {فذكر إنما أنت مذكر} (الغاشية 21)، وبذلك فإن الهندسة المعرفية الحيوية هي تذكر، وتذكير (بأم الكتاب) وباللوح المحفوظ بوصفه منطق يحرض على الحياة والتوحيد والحرية، وبهذا المعنى فإن أي مستخدم للكمبيوتر، يمكن أن يعرف هذا المعنى من خلال سعيه لقراءة نص مُخزن وفق نظام يتطلب التحويل إلى نظام آخر ليكون قابلاً للقراءة، وأي قرأنه جديدة!! تتطلب تقنيات لغوية تتناسب ومنظومتها المنطقية التي تستند إليها مما يجعلها تبدو مختلفة بعض الشيء عن بعضها البعض ولكنها في حقيقة مدلولها الحيوي واحدة، وهذا هو جوهر الرسالات المختلفة، التي أتى الأنبياء، لتبليغها، بوصفها نابعة من الحي القيوم، وتعبر عن منطق التوحيد الحيوي لأعمار الأرض، والاتساق مع إرادة الحياة.. الحرية..

مثل هذا الفهم للهندسة المعرفية في استنباع وتطبيق المنطق الحيوي يجعلنا نفهم على نحو أفضل الفيض والخلق الإلهي للإنسان ليكون خليفته في الأرض، ويجعلنا نفهم أكثر، لماذا يستطيع كل إنسان أن يتصل بربه مباشرة، بدون أي حاجز، فهو أقرب إلى كل منا من حبل الوريد، وسميع يجيب الداعي إذا دعاه.. وبخاصة، إذا أخلص النية، وصدق العمل في استلهام فقه الحياة والتوحيد.. ويجعلنا نفهم السيرة النبوية ضمن أربع تحويات مصلحية حيوية:

-         المربع الأول، هو مربع العزلة والتحديد، حيث تحويات الحدس والنوايا التي كانت تدور في غار حراء.. وبإيقاع خفيف وبطيء وسرية.

-         أما المربع الثاني، أي التعاون والتكامل فكان تحويات المرحلة المكية والتي كانت تدور بصيغ قرآنية تبشيرية من خلال البلاغة القرآنية..

-    أما المربع الثالث، فإنه قام عندما قويت تحويات الصراع والتناقض لتحقيق مصلحة النبوة فهاجرت إلى المدينة وبدأت فكرنة التشريع والمذهبة والمحابات وما تضمنتها من متطلبات الصراع مع مكة ومع فرقاء المدينة.

-    المرحلة الرابعة، هي مربع التوحيد والاحتواء والفكرياء والتي تمثلت بالانتصار في تحطيم الأصنام وتحييد قوى الشخصنة واحتوائها من خلال تعبير الطلقاء.. وتعد خطبة الوداع أرقى أشكال القنونة التوحيدية العالمية.

هذه الهندسة المعرفية- إذاً- تتطلب معرفة معاصرة لمبادئ المنطق الحيوي، وبمستوى تقنيات، ومتطلبات عصرنا، واحتياجاته، وبعد ذلك، يمكننا البدء، باختيار القوانين والمواد اللازمة لتشييد فقه المصالح، بشكل قابل للفهم والاستعمال الجماهيري، وبالطبع، فإن الهندسة المعرفية، لا يجوز أن تكون أحادية، ولا أن تكون نهائية.. بل يجب أن تبقى موضع اجتهادات، يثاب، حتى- على الخاطئ منها، إذا صدقت النية والعمل.

 

 


 

2.7- العولمة:

هي الأفكار والأعمال التي تأخذ بالحسبان إمكانات وضرورة الامتداد العالمي. وهي بهذا المعنى، ليست جديدة.. فكل الأفكار والأعمال الإنسانية الكبرى تتضمن حدوساً بمصالح عالمية..

ومن ذلك، على سبيل المثال، فإذا قال أحدهم بوجود ديمقراطية عربية، إسلام عربي، أو اشتراكية عربية.. الخ، فإن ثمة ردود كثيرة تأتي لترد عليه، بأن الإسلام أو الاشتراكية فوق القوميات أو التعينات وتفضل استعمال الطريق العربي للإسلام أو الاشتراكية.. الخ.

وبهذا المعنى- أيضاً- ثمة من يعترض على تعبير الحيوية الإسلامية، ويقترح استعمال الطريق الحيوي إلى الإسلام.. أو المنهج الحيوي في الإسلام.

هذه الاعتراضات تتضمن حدوس العولمة.. بوصف الحق والحياة والحرية قضايا عالمية.

ومع ذلك، فإن تعبير العولمة.. غير مريح لكثير من القطاعات، ويبدو وكأنه جديد عليها..وبخاصة الفئات التي كانت تريد حدوداً إعلامية، قومية، دينية، لغوية، سياسية، عسكرية، أو اقتصادية. والسبب لا يعود- فقط- إلى أن هذه الحدود أخذت تنهار بسرعة، جارفة معها صيغ الاستقطاب إلى معسكرات شرقية وغربية.. بل أيضاً لكون أية حدود معاندة أصبحت مصيدة مفيدة لقوى الهيمنة العالمية.

وبما أن قدرة العولمة ترتبط عملياً بالقدرات التقنية الفضائية والمعلوماتية. وبما أن هذه القدرات مازالت متركزة في عواصم الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فإن توجساً بل وذعراً كبيراً أخذ يشل كثيراً من الأوساط المعادية، أو المستعداة من الغرب لشعورها بأنه لم يعد لديها مجال للاختيار، أو اللعب على المتناقضات الدولية.. وأنها إذا قالت نعم أو قالت لا، فهي في كلا الحالين، لم تعد قادرة على الاحتفاظ بالاستقلال، وأن حدودها مهما بعدت فلم تعد حدوداً غير قابلة للاختراق، ولشعورها أن إرسال صاروخ إلى بغداد أو صربياً أو السودان.. الخ. لا يكلف أكثر من إرسال رسالة في الانترنت..  وبهذا المعنى فإن العولمة تبدو تعبيراً للهيمنة الغربية الشاملة.

أما  بالنسبة لنا، فإنه يعد تعبيراً عن التحدي المطروح على جميع الحركات الحيوية صاحبة المصلحة في حقوق الإنسان والسلام والحرية من أجل التحدث بلغة العصر وتقنياته، وتستجيب لمتطلباته، في إزالة كل صور الاستعمار والهيمنة، وباتجاه تعميق التنوع في إطار الوحدة الإنسانية.

 

 

 

2.8- العولمة الحيوية:

تتميز العولمة الحيوية، عن العولمة التقنية، بأنها سعياً لاستثمارها وفق أولويات، توفر الحد الأدنى من التكافل الصحي، السكني، الغذائي، والتعليمي.. لكل إنسان على الأرض، (العولمة الحيوية) تعني عمومية وشمول المسؤولية الاجتماعية، والإنسانية، لتصبح  كلية ملزمة.. وليست مجرد هبات، يمكن التبرع بها، أو حجبها، من هذه الحكومة أو تلك.. أو من أجل الوصول، إلى هذه العولمة الحيوية فإن المر يتطلب تطويراً للعلم ونشراً للتقنيات بشكل يوفر هذه الإمكانات محلياً وعلى مستوى عالمي.

ولذلك، فإن احتكار العلم، وحجب التقنية، ضمن تحويات عنصرية مغلقة.. يعني عولمة الانفجار، عولمة الانتحار، آجلاً أم عاجلاً.. والصراع الآن هو بين العولمة الحيوية والعولمة الرأسمالية.

وإذا عرف القارئ أن صاحب العولمة الرأسمالية، كنهاية للتاريخ (فوكوياما) هو مجرد باحث من أصل (فيتنامي) لجأ مع أسرته إلى أمريكا أثناء حرب تحرير فيتنام.. فإنه يعلم أن الولايات المتحدة كانت تمثل له نهاية العالم..

وإذا علم القارئ- أيضاً- أن تمويل أفكاره عن نهاية التاريخ!! أتى من مصادر ذات صلة بالخارجية الأمريكية، يعلم أن حلمه بنهاية التاريخ هو حلم الخارجية الأمريكية!!؟ وقد علمت كل ذلك منه شخصياً، بوصفه زميلاً لي في جامعة جورج ميسون عام 1997، وعلمت كم هو ضروري، أيضاً، الإشارة إلى أن ذلك الفكر والسلوك هما النقيضان للعولمة الحيوية.

 

 

 

 

2.10- عولمة الإسلام السياسي:

وتعني السعي لجعل حركات ديار العرب والمسلمين قادرة على الفهم والاستجابة لمتطلبات العصر وتقنياته في كون قضية الحياة والحرية قضية عالمية.

ويمكن النظر إلى الخطاب الإسلامي التوحيدي بوصفه يتضمن حدوس العولمة الحيوية. فآيات القرآن، رغم كونها في بداية نشرها تتجه إلى معالجة ظروف مكة والمدينة وهي ظروف محلية بل وهامشية في ذلك العصر.. إلا أن الخطاب القرآني كان يميل إلى مخاطبة الإنسان بوصفه إنساناً، وليس بوصفه مكياً، أو مدنياً، أو حتى عربياً.. { يا أيها الناس} (وردت هذه العبارة 20 مرة). وعولمة الإسلام سياسياً وثقافياً، يغني التجاوز وتحييد وتحطيم الأصنام العنصرية والمذهبية والطائفية والسحرية المعاصرة التي تعيق وحدة الناس وتواصلهم للاغتناء بتنوعهم.

 


 

 2.11 العولمة الحيوية للإسلام السياسي:

 

عودة بسيطة إلى الوقائع المتفق عليها في الثورة الإسلامية تظهر أن الإسلام ركز على التوحيد بين الشعوب والأديان، ضمن منطق العصر الذي أتى به، وضمن معطيات إمكانات ذلك العصر.. من خلال تحويات التعاون والتكامل ضمن منطق الجوهر الصوري. وهنا حسبنا القول بأن التوحيد الذي دعى إليه الإسلام لم يتطلب الإيمان بالمفردات القرآنية وبالطقوس التي كان يطلبها من أتباعه.. بل كان الإسلام يسعى إلى نشر الطمأنينة إليها والى صلاحية تلك المفردات والطقوس على الخير العام، وكان يصف ذلك بالتجارة المنجية. فالإيمان بالله بوصفه واحداً أحد، والجهاد لتوحيد الخليقة، هو التجارة الرابحة.. لأن ذلك يجعل المشاركين في هذا التوحيد السياسي أمة كبرى أقدر على الحضور والحضارة.

وعندما نقول التوحيد السياسي فإننا نعني أن التوحيد النظري والطقوسي لم يكن مطلوباً أساساً بل المطلوب هو التوحيد السياسي ما استطاع المسلمون إليه سبيلاً.

وبهذا المعنى فإن العولمة هي صيغة لنشر التوحيد الحيوي ومتابعة حدوس الإسلام السياسي الذي يقوم على التنوع والتعدد الصوري ضمن معطيات ذلك العصر. أما العصر الحالي.. فإن إمكاناته مختلفة.. وأصنامه مختلفة. ويمكن التغلب عليها بنفس الحيوية التي تم التعبير عنها في عصر الثورة الإسلامية.. وذلك بالاستفادة من الدروس الحيوية التوحيدية التي تتضمنها. وإذا كان النبي محمد قال: "جئت لأتمم مكارم الأخلاق".. و"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام". فهذا يعني أن المكارم الحيوية موجودة في كل المجتمعات وفي كل الأديان والمذاهب.. والأكثر حيوية- منها- هي الأقدر على تجديد أصالتها لتنسق مع منطق العصر الذي تعيشه، وتحيد أصنام التفرقة التي تنمو كالطفيليات، إن لم نحاربها استنزفت حيويتنا وأرجعتنا إلى الوراء.

وبهذا المعنى.. فإن عولمة الإسلام السياسي هو الدعوة إلى تجاوز الأصنام المذهبية والطائفية والطقوسية والسحرية التي تعيق التوحيد.

وعولمة الإسلام السياسي بهذا المعنى الحيوي لا تتطلب برهاناً إيمانياً بل برهاناً منطقياً يستند إلى فقه المصالح الذي يؤكد على فائدة وخير التوحيد والعولمة، من خلال اكتشاف بداهة وتأكيد وحدة الخليقة وشمولها بكل خصوصياتها التراثية التي تؤكد وجود العام في الخاص. وبهذا المعنى أيضاً فإننا يجب أن ننبه إلى أن أصعب الأصنام التي يجب التغلب عليها، هي تراكم العادات الفكرية والسياسية الانحطاطية والعنصرية، التي ورثناها وفسرنا بها القرآن والسنة لنؤكد أن كل منا لوحده يشكل الفرقة الناجية التي تضمه مع السلطان الذي يحكمه.. ومرة أخرى فإننا لا نطلب الإيمان بالمنطق الحيوي ومقولاته.. بل نطلب الاطمئنان إلى فاعليته في استجلاء أعم المصالح الممكنة وأكثرها ضرورة للخروج من أزماتنا.

ولنلاحظ هنا- أيضاً- أن الطمأنينة المطلقة أمر عصى حتى على الأنبياء. {وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليظمئن قلبي} (البقرة 260).

ونحن هنا لا نطلب طمأنة مطلقة. بل طمأنة إجرائية تقنية، نشعر من خلالها أننا أقدر على الهندسة المعرفية في شتى مجالات الحياة وبخاصة بالنسبة لاستشراف طرق الاتساق مع إرادة الحياة.. الحرية. ومن يريد مزيداً من الطمأنينة، عليه أن يراجع تطبيقات المنطق الحيوي على المرحلة اليونانية، والإسلامية، ونظرية المعرفة والتيارات الفكرية المعاصرة بل وفي حقل الإدارة والمعلوماتية.. وقد سبق نشرها في كتب كثيرة منذ عام 1970 إلى الآن، نسعى لإعادة إصدارها في صيغة موسوعة مفتوحة لمختلف مجالات الحياة لتؤكد مصالح الجميع في الحياة.. والسلام والحرية.


 

  2.12- الجوهـر:

هو عكس العرض.. أي غير الأساس.. وهو المقولة الأرسطية الأولى، التي تعني أن الكائن ثابت الجوهر، فلا يتغير أبداً، ومستقل غير قابل للذوبان في الأعراض، أو ما يسمونها بـ "الأعراض المتغيرة والقابلة للامتداد والتواصل".. وتعبير الجوهر يعبر عن مصالح  واحتياجات تتطلب عدم الإقرار بالتغير أو التواصل الشامل.

2.13- الشكل الحيوي:

هو طريقة تشكل الكائن، بوصفه جزءاً من دوائر فعالة متجددة بتجدد متطلبات ظهوره وتنوعه وزواله.. وفي ذلك، فإن الفروق بين الكائنات، هي فروق في طريقة التشكل، وحيوية هذا التشكل لنفسه ولمحيطه.. وبالتالي فالشكل الحيوي، قد يكون مادة أو روحاً، ذاتاً أو موضوعاً، وجوداً أو عدماً، امرأة أو رجلاً.. جهلاً أو معرفة، نسياناً أو تذكر، شعراً أو رياضة.. كتلة أو طاقة.. الخ. ولكنه في كل الحالات يتضمن فعالية تجدد متطلباتها في الظهور والتنوع والترابط والتفكك والزوال.

ولذلك، فإن إمكانات التحول من شكل إلى شكل، جارية باستمرار بين العضوي واللاعضوي، بين المادي والطاقي.. الخ. بحسب حيوية متطلبات التحول.

الشكل الخارجي هو بدوره طريقة تشكل مثله مثل المضمون..

الشكل الحيوي بهذا المعنى أعم تعريف للكينونة.. وهو تعبير غير مسبوق على الإطلاق في تاريخ المعرفة الإنسانية، فالحيوية ليست العضوية ولا تترجم بـ “Vitalisem” أو “Biology” ولقد تم استخدام هذا التعبير في البحوث والفصول الدراسية الفرنسية والإنكليزية بأصله العربي.. وهذا السبق لا يعود إلى عبقرية خاصة لمدرسة دمشق. بل يعود إلى ظروف ومصالح احتياجه لم تكن موجودة سابقاً على هذا النحو الذي يفرضه عصرنا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.. كما أن الإصرار على وضع مصطلح "الحيوية" بأصله العربي “Hayawe” أو “Hayawic” لا يعود لعدم القدرة على ترميزه بكلمة أخرى ولتكن “Y” أو “Z” مثلاً.. بل يعود إلى أن هذه اللفظة غنية جداً وربما هي الأغنى في اللغات السامية. وكما سنرى لاحقاً.

وإذا كان هذا التعبير غير مسبوق.. فهذا لا يعني أنه لم يكن موجوداً في طرائق التشكل الكوني والعمل المعرفي.

ولذلك فحتى تعبير "الجوهر" وهو المضاد المقابل للشكل يعبر بدوره عن الشكل.. فمفهوم أرسطو وأفلاطون عن الجوهر الثابت الذي لا يتغير، هو أيضاً- شكل معرفي حيوي في التعبير عن متطلبات ظهوره.. وتنوعه.. وزواله عبر التاريخ..

وبهذا المعنى، فإن مفهوم الشكل كان موجوداً باستمرار منذ وجد الكون، وفي كل صيغ تشكله.. ولكن صيغ التعبير عنه أخذت أشكالاً مختلفة نظرياً وعملياً باختلاف حيوية متطلبات تشكله..

وتعبير الشكل الحيوي، الذي تقدمه مدرسة دمشق، هو تعبير يسمح بضبط الكون وفق هندسة توحيد وتبسيط حيوي، نظرية وعملية، يمكن التعبير بها عن أية كينونة سواء أكانت فكرية أم سياسية فنية أم- إدارية أم معلوماتية، ما دامت تصف دارات حيوية محددة، بين لحظتي الولادة والموت!! سواء أكانت مصلحة إلكترونية أو مصلحة قرآنية..

ولذلك، فإن مفهوم الشكل ليس مطروحاً للإيمان، بل مطروحاً لكي يكون إجراءاً تقنياً هندسياً نطمئن به على قدرتنا في ضبط أية كينونة تواجهنا. ومفهوم الشكل يعبر عن نفسه في كل العلوم الكمية والمعلوماتية.. بشكل يمكن القول فيه أننا لسنا في عصر المعلومات والنظريات الكمية، بل نحن في عصر الشكل الذي يسمح للإنسان أن يتعامل مع مختلف الموضوعات والتراثات والمجتمعات والعوالم، بوصفها أشكالاً تظهر وتتنوع وتزول تبعاً لمتطلبات ضرورتها الحيوية.

 

1- التحوى:

في حين تعد كلمة التحوى من الكلمات القليلة الاستعمال، فإنها بالغة الدلالة وشديدة الصلة بمفردات شائعة كالحياة والاحتواء.

فالتحوى مستمدة من الجذر (حوا) الذي يدل عليه أصغر قاموس مدرسي (مختار الصحاح) على النحو التالي: (الحوايا) الأمعاء جمع حوية، والحواء جماعة بيوت من الناس. والجمع. و (حواه) يحويه (حيا) واحتواه (مثله) واحتوى الشيء، استولى عليه وتحوت الحية تجمعت واستدارات. وفي الريف المصري تستخدم كلمة "حوايا" لتدل على (الكعكة) أو اللفافة القماشية التي تضعها المرأة على رأسها عندما تحمل عليه شيئاً كقرب الماء مثلاً. وتعبير (وحوى) يستعمله الأطفال في رمضان مع تدوير الفوانيس في أيديهم.. كناية عن الخير وطلبه. وهذه المعاني يمكن أن نجدها في كل اللغات السامية كالعبرية، السريانية والأثيوبية.

والتحوى استدارة كل شيء. ويمكن إطلاق تسمية (حوية) على أي كائن أو فرد أو فئة. والتحوى هو المنظومة المنطقية التي تلتف- بها- الحوية حول نفسها، وحول ما فيها، وما في محيطها. وصيغة الأمعاء بوصفها حوايا تحتوي على ما فيها من غذاء، تحول الغذاء إلى ما يجعله قابلاً للتحول إلى حواء { فجعله غثاء أحوى} (الأعلى 5). وتوضح انعدام وجود فرق جوهري بين الأمعاء (المحوى) والغذاء (المحتوى) فعملية تمثل الغذاء التي تتم من خلال عملية الاحتواء في المعدة والأمعاء، تجعل المحوى والمحتوى شيئاً واحداً يعطي الحياة ويكفل استمرار التحوى والدوران لتغذي نفسها بنفسها في الوقت نفسه الذي تتحوى فيه لتغذي الجسم عامة وفقاً لما يحتويه الغذاء. وبحسب قدرتها وقدرة الجسم عامة على الاحتواء والتمثل.

ولذلك فإن التحوى هو التعبير المناسب للدلالة على تغذية المنظومة المنطقية المعيشة بوصفها حوية تغذي نفسها بنفسها وتغذي غيرها.

 

2- الحيويـة:

في القاموس المدرسي لوزارة التربية السورية شرح مختصر لكلمة حي (فالحي من أسماء الله الحسنى والنسبة حيوي) والحيوية لدينا هي التحوى الفعّال والاحتواء الضروري والحواء المتجدد.

والحيوية بوصفها مفهوماً ليست مجرد معنى للفاعلية والتجدد والتي تختلط بالمعاني البيولوجية. بل هي صيغة أشمل للدلالة على التكون، التشكل عامة، سواء أكان بيولوجياً أم آلة صناعية. أم منظومة تجارية أو بيئية أو فنية أو فكرية أو دينية أو عائلية.. الخ.

وهذه الدلالات الحيوية تأتي هنا- من خلال طريقة الاحتواءات والالتواءات التي تصنع من ظاهرة ما دارة حية يمكن وصفها بـ "حواء" وبـ "حياة" وبذلك فالحيوية هي  تشكل حوائي- أحيائي وتتضح هذه المعاني من دمج اشتقا قات (حيا، وحوا) المتقاربين لفظاً والمتحدين معنى، ولا بأس من التوقف لحظة عند الترابط والتقارن اللغوي بين (حو وحي) حيث نرى معاني متطابقة. تحت باب حواء نجد الحواء بمعنى الحي، فالحواء مجموعة من الأحوية يداني بعضها من بعض فنقول هم أصل حواء واحد والعرب تقول لمجتمع بيوت الحي (محتوى) ومحوى وحواء[1].

والحواء بيوت مجتمعة من الناس على ماء[2].

وتحت باب (حي) نجد المعاني ذاتها ومترادفاتها حيث يمكن القول لا يعرف الحي من اللي، أي الحق من الباطل ويمكن قولها (لا يعرف الحو من اللو)[3].

والحي.. هو واحد من أحياء العرب، ويلاحظ ابن منظور أن الكلمتين تسببان التباساً في التعريف بسبب تقاربهما ويقول: إن (أبا علي) ذهب إلى أن (حيه) و(حواء) كـ (سبط وسبطر ولؤلؤ ولآل) وفي قول (أبي عثمان) أن هذه الألفاظ اقتربت أصولها واتفقت معانيها وكل واحد لفظه غير لفظ صاحبه كذلك (حية) مما عينه ولامه ياءان (وحواء) مما عينه (واو) ولامه (ياء) كما أن لؤلؤاً رباعي و (لآل) ثلاثي لفظاهما ومعناهما متفقان ونظير ذلك قولهم جبت القميص وإنما جعلوا (حواء مما عينه) (واو) ولامه (ياء) وإن كانت يمكن أن يكون لفظه مما عينه ولامه (واوان) من قبيل أن هذه الأكثر في كلامهم[4].

ويؤكد هذا السياق (تاج العروس) بشكل واف.

والحيوية لدينا تعبر عن صيغ التحوى الكوني والاجتماعي والفردي والمعرفي والسياسي.. والفئوي والعقائدي والاقتصادي والبيئي.. الخ.

3- الشخصنة:

مستمدة من كلمة (شخص) وهي دلالة للاتجاه نحو تعميم نموذج شخصي معين سواء أكان فردياً أم جماعياً.

4- التفرد:

مستمدة من (فرد) دلالة للاتجاه نحو تجاوز الشخصنة العامة باتجاه متجدد وأكثر انفتاحاً وإنسانية.

 

 

5- قوى الشخصنة:

هي القوى التي تمثل نموذج الشخصية الاجتماعية المعيشة في صيغتها الأكثر تمايزاً عن الشخصيات الأخرى، وقوى الشخصنة هي حارسة استمرار الشخصية الاجتماعية المتميزة وتعيش على حساب المجتمع بوصفها الأمينة على بقاء أنماطها.

6- قوى التفرد:

تعارض قوى الشخصنة وتسعى لتجديد أنماط الشخصية الاجتماعية المعيشة.

والشخصنة لا تعني السلبية بل الاندفاع السلبي للذات بطرد الآخر والابتعاد عنه، والتفرد لا يعني الإيجابية بل الاندفاع الإيجابي للذات لاحتواء الآخر والتناغم معه، ولذلك فالشخصنة هي الانغلاق، والتفرد هو الانفتاح. وقوى الشخصنة والتفرد لا يمكن الإشارة إليهما إلا بدلالة الكلية الاجتماعية المعيشة. ومع أن صفات التفرد والشخصنة عامة في كل المجتمعات ومستمرة عبر التاريخ إلا أنها مختلفة في المجتمع الواحد بحسب سمات التحوى الفؤي وحيويتها.

إذ أن الفئات الاجتماعية يمكن أن تتمايز بحسب طريقة تشخصيها وتحويها لأنساق التكون الاجتماعي وهي أنساق متعددة ومتباينة.

ولهذا فإن حيوية كل من سمات الشخصنة والتفرد ليست محددة سلفاً بل يتحدد ذلك بحسب حيويتها لإعادة تجديد الذات المعيشة فردياً وفئوياً وبحسب ضرورة هذا التجديد على المستوى الإنساني.

 

 

7- الفئويـة:

يشكل الفرد أو الجماعة من الناس دائرة تحوي فردي أو فئوي.. والحوية الفردية أو الجماعية على أنساق تكونها بمصالح تتضمن استمرارها وإعادة إنتاجها. وتتميز دارات التحوي الفئوي بحسب أنساق التشكل الإنساني بحيث تلاحظ في النسق الأرضي فئات جبلية وصحراوية وسهلية وساحلية وقارية وقطبية شمالية وجنوبية.. الخ.

في النسق السكاني نلاحظ فات شابة وهرمة وذكور وإناث وحمر وبيض وصفر وسود وسمر وملونين ومهاجرين ومقيمين.

في النسق الاقتصادي نلاحظ فئات عمالية وفلاحية وحرفيين وعاطلين عن العمل ومهنيين وأغنياء وفقراء ومتوسطي الدخل وطبقات.. الخ.

وفي النسق العلمي نلاحظ أميين واخصائيين وفئات لغوية تتكلم العربية أو الروسية أو البربرية أو الإنكليزية. وفي النسق العقائدي نلاحظ مذاهب وطوائف وأديان، وفي النسق الإداري نلاحظ جمهوريين وملكيين وأقاليم ودول وشعوب وأقوام وقبائل وتحالفات وجبهات وهيئات وأحزاب، وعصبيات تتحوى نظاماً للضبط والسيطرة الفئوية الداخلية والخارجية.

وفي النسق القيادي يمكن أن نلاحظ متفائلين ومهزومين طموحين وقانعين وجماعة هذا الزعيم أو ذلك ماركسيين، نازيين.

وهذه الأشكال الفئوية المتباينة لا تعاش كسمات مستقلة بل تعاش معاً وقد تكون إحدى هذه السمات أكثر بروزاً على صعيد فرد أو جماعة ضمن الكلية الاجتماعية كبروز السمة الدينية أو الاقتصادية أو العشائرية أو اللغوية أو السياسية أو النفسية.. الخ، نقول إن بروز إحدى السمات لا يعني عدم وجود السمات الأخرى ولا يعني أن لها صفة جوهرية دائمة، بل إن ذلك متغير بتغير طرائق التشكل الاجتماعي وأوليتها، والسمة الأهم تأخذ سمات اللحظة التاريخية.

وقوى الشخصنة والتفرد ليست صفات معزولة عن تلك السمات الفئوية بل هي السمة الأعم التي تحدد حيوية من يعيشها بوصفها طريقة حياة خاصة وعامة.

وصفة الحيوية تتوزع على قوى التفرد والشخصنة بشكل لا يجوز القول معه بقوى حيوية وأخرى غير حيوية بشكل دائم ولا نهائي بل بقوى أكثر حيوية بحسب حيويتها لاستمرار الكلية الاجتماعية ونموها الإنساني. وبحسب صيغة تحويها لقدرات مجتمعها وعصرها، وبحسب حيويتها في أضواء المنظومة المنطقية لعصرها.

 

 

 

 

8- الفقه الحيوي:

هو الفقه الذي يسعى إلى كشف حدوس منطق التوحيد وفقاً لاحتياجات منطق العصر المعيش، وبهذا المعنى فإن الفقه الحيوي هو الذي يستهلم منطق عصره ويبلوره في أعماله وأفكاره علنياً بحسب تقديره لمتطلبات المصلحة التوحيدية في ذلك الإعلان.

وفي هذا المعنى فإن الفقه الحيوي هو اجتهاد يقوم على الاجتهاد والمبادرة وقد حثت عليه ضرورات التلاؤم مع متطلبات استخلاف الأرض في البناء وزرع الخير وتعميمه، وأجار الإسلام حتى على الخاطئ منه.

9- الفقيه الحيوي:

هو الشخصية التي تؤكد سلوكاتها وأقوالها، الأكثر تواتر وعلانية، مرجعية ما الذي ينفع الناس، مصالحهم المشتركة، في شيوع الخير والأمن للجميع بوصفهم " نظراء في الخلق" على حد تعبير علي بن أبي طالب" في رسالة توليته الأشتر النخعي على مصر" وليس لكونهم- فق- مجرد أعضاء في دين أو طائفة. "عامل الناس بإحسان فإنهم إما أخ لك بالدين أو نظير في الخلق".

وبهذا المعنى فإن الفقيه الحيوي لا يرتهن لأوامر سلطان غير سلطان تحرى المصلحة العامة لكل الناس. في ظروف محددة، فيرضى لغيره ما يرضاه لنفسه، ويدافع عن حق المغايرة في تحري طرق، مصالح التوحيد {إن سعيكم لشتى} (الليل 4) والاختلاف في المذاهب رحمة.

ويمكن الإشارة إلى الفقهاء الحيويين بهذا المعنى في كل الثقافات والديانات والحضارات.. وفي الجانب العربي في العصر الحديث يمكن الإشارة إلى الأفغاني، الكوكبي، زكي الأرسوزي، ميشيل عفلق،انطون سعاده, باقر الصدر.. الخ.

 

 

10- الأمير الحيوي:

الأمير الحيوي هو الذي يأتمر بمصالح الناس في التوحيد والحرية، ضمن معطيات العصر الذي يعيش فيه. والإمارة الحيوية تتطلب قدرة سياسية وترابطاً منظماً مع الناس لتوجيه مصالحهم. ولكن هذه القدرة السياسية او الترابط المنظم ليس من الشرط أن تكون حاكمة رسمياً.. فقد تكون معارضة، وتعبر عن سلطة شعبية، وبذلك فإن كل من يقود جماعة سياسية توحيدية، أو يساهم في هذه القيادة، بشكل حيوي، يمكن أن يأخذ لقب الأمير الحيوي.

 

 

-----------------------------------------

 

 


 


 

[1] لسان العرب، ابن منظور، ص765.

[2] المصدر السابق، ص765.

[3] المصدر السابق، ص778.

[4] المصدر السابق، ص766.

 

 

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا