الهوية بين الذات ولآخر  

 ملاحظه  الى زوار الموقع  الكرام

قد اطلقنا صيغه جديد للموقع في شهر ايار-  2004

وابقينا على الصيغه القديمه كما هي ماعدا الصفحه الاولى

المعلومات الموجودة في هذه الصفحه جرى تجديدها واضافة مواد جديده و توزيعها بشكل افضل في الصيغه الجديده على الرابط التالي

تحت العنوان التالي

الميثاق الحيوي للاسلام السياسي  

http://www.damascusschool.com/page/4.htm

حيوية الذات والاخر

http://www.damascusschool.com/page/4_1.htm

 

 المبادرة الحيويه داخليا

http://www.damascusschool.com/page/4_2.htm

المبادرة الحيويه خارجيا 

http://www.damascusschool.com/page/4_3.htm

نحو المستقبل الحيوي

http://www.damascusschool.com/page/4_4.htm

 فيرجى استخدامها واعلامنا عن ملاحظاتكم

وشكرا

 

 

 

هل يمكننا تجميد هوياتنا الفردية او الجمعية مع المحافظة على مصالح تحوياتنا لمنطق عصرنا؟  

  أم ان تحويات مصالحنا ومصالح العالم من حولنا تتطلب اعادة بلورة هوياتنا للاتساق مع ارادة الحياة الحرية

 

 

التعددية االسياسية في الميثاق الحيوي الولايات الحيوية العربية الاسلامية المتحده المواطنة الحيوية في ديارالعرب والمسلمين الحيوية الاسلامية وحقوق لانسان
    مشكلة الاقلية والاغلبية

لامام الحيوي جمال عبد الناصر

  دبكة تكريت وسرت دبكة القرداحة

دبكة الصعيد

      الفقه الحيوي الناصري
الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |

الحيوية بين الذات والآخر

1- الحيوية الإسلامية وحقوق الإنسان:

إذا سألنا ما هو هذا الاتجاه الحيوي؟ وكيف يتجلى في ديار العرب والمسلمين؟ فإن الإجابة، لم تعد صعبة على الكثيرين، لأنها، وانطلاقاً من فقه المصالح الحيوية، واعتماداً على هندسة المنطق الحيوي فإنها- بالتأكيد- ستنطلق من ضرورة تجاوز المعايشات الأحادية والعنصرية، وتجوز السياسات والأفكار والتي تتحوى حول مصالح أحادية..

لذلك، فإن الحل- بداهة- هو في اتجاه حيوي عربي إسلامي يكون عندما نعيش العروبة من منطلق حيوي. لأنها ستتجاوز كل الصيغ العنصرية القومية التي يمكن أن تعاش بهذا الشكل، أو ذاك، وعيناً ذلك أم لا.. مثلنا في ذلك مثل سائر الفئات القومية في العالم الإسلامي، التي تنغلق على مصالح قومية ضيقة، لم يعد لها ما يبررها.

كما أن عيش الإسلام من منطلق حيوي، يعني تجاوز كل الصيغ العنصرية الطائفية، فهذه الصيغ الطائفية يمكن أن تعاش، بهذا الشكل، أو ذاك، وعيناً ذلك أم لا.. وفي ذلك تتساوى جميع الفئات الطائفية في العالم الإسلامي سواء أكانت من داخل الإسلام أم في خارجه.

والاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، هو اتجاه دخول العصر، وتجاوز مبدأ الجوهر، وهو اتجاه تجاوز سياق الأزمات والهزائم الناجمة عن العقلية الأحادية.. فدخول العصر، لا يمكن أن يتحقق- لنا- طالما تعشعش فينا اتجاهات عنصرية. قومية.. أو دينية، وهذه الاتجاهات لا تشكل خطراً حقيقياً على قوى الهيمنة الدولية، بل تشكل خطراً علينا، أولاً وأخراً، يتجلى بتثبيتها في قرون الانحطاط، وتكريس الأزمات، وتحريكها، باتجاه مزيد من الحروب الأهلية التفتيتية، والهزائم أمام قوى النفي الغربي والصهيوني.

وهذه الاتجاهات تشكل ذرائع سهلة لاستمرار سياسة العداء العالمي ضدنا، وخاصة من قوى الهيمنة الدولية، التي تعمل لإخضاعنا، إلى مزيد من الاحتلال لنهب ثرواتنا.

ولذلك، فإن أية مبادرة لتجاوز الأزمات، ومواجهة قوى الهيمنة الدولية والعدوان الصهيوني التوسعي، يتوجب أن تؤكد أولوية محاربة قصورنا الذاتي، المتمثل بسيادة النزعة العنصرية، والعقلية الأحادية المغلقة وفي معايشاتنا الطائفية والإقليمية على المستوى الداخلي، وأفكار الغزو والأسلمة والتعريب على المستوى الخارجي.. ومن أن هذه النزعات هي، في جزء منها، تمثل ردة فعل عاطفية، ضد الهزائم التي تقودها قوى الهيمنة الدولية، التي تستمد، هي الأخرى، لغة عنصرية قومية ودينية، تجد تمثيلها الأفضل في الصهيونية.

نقول: مع أن هذه النزعات، هي ردة فعل، على قوة الهيمنة، وعلى الأنظمة التي تأخذ صيغ أقليات قومية، أو دينية، أو طائفية أو قبلية أو جبهوية في معظم الأحيان ومفرطة في عقليتها الأحادية، ولكن، وبصرف النظر عن هذه المحرضات فإن هذه النزعات لها أساس، عميق جداً، في تاريخنا، ومعايشاتنا، ومعطيات المراحل الاجتماعية، التي ورثناها وما تزال تنيخ بكلكلها علينا.

ولا يجوز الكذب والمجاملة وتسطيح المشاكل.. لأن هذا سيؤدي إلى تكريسها والوقوع في شباكها.. لكل من يريد استسهال الصيد، لدواع سلطوية انتهازية وصولية، تستهدف السلطة، كسدرة للمنتهى، وهذه الأنماط العقلية الأحادية لن تكن معوقاً داخلياً عن النهوض فحسب، بل أيضاً، ستجعل العالم كله يقف ضدنا في أية خطوة نخطوها إلى الأمام، إلا إذا كانت باتجاه نطح الجدران، كالثيران العمياء أو العجول الهائجة، وضمن هذا الاتجاه الجوهري، لن يكتب- لنا- أية صيغة لامتلاك تقنية اقتصادية أو قدرة عسكرية إلا إذا كانت تؤدي إلى تخفيف الكساد في منتجات الغرب، وتؤدي إلى استهلاك فائض القدرات، التي يمكن مراكمتها في هذا القطر أو ذاك.

واستهلاك الفائض المتراكم يمكن أن يكون بفتح الخزائن الغربية من إعلام، وأسلحة تحرض هذه السلطة، أو تلك، لكي تعبر بصوت عال عن عواطف الجماهير المطالبة بتعريب العالم وأسلمته؛ والإجابة ستكون بسيطة وسهلة طالما أن الملاقط الإلكترونية تنظيف الغبار المثير للشغب جاهزة في الجيوش الغربية.. وبسرعة (عاصفة الصحراء)..

ترى متى نقطع الطريق أمام هذه المصائد؟ حتى ننزع من واقعنا الجانب الانحطاطي من مورثنا وواقعنا.. ونزيل مبررات سيادة العقلية الأحادية.. والممارسات الجوهرية العنصرية الديالكتيكية، لا بين العرب والبربر، أو العرب والأكراد، أو بين الشيعة والسنة، أو بين الإسلام والمسيحية.. بل بين العشيرة والأخرى ضمن الطائفة الواحدة، وبين العائلة والأخرى في العشيرة الواحدة والقرية الواحدة.. وبين القرية والأخرى، والمدينة والأخرى، والإقليم والآخر.. الخ.

هذه الممارسات موجودة عند غيرنا، طبعاً، وليست خاصة بنا، ولكنها في واقعنا تمثل رمزاً للتخلف، وأهم عوامل استمراره، والعجز عن اللحاق بالعصر، ودليلاً لأزماتنا السابقة واللاحقة، وتبريراً لكراهية العالم لنا.. ولكرهنا لأنفسنا.. وللتكدس كالذباب أو لنصب المصايد لأنفسنا بأنفسنا.. ولاجترار الهزيمة تلو الأخرى، بحيث لا يبقى لنا سوى كراهيتنا لأنفسنا وانعدام الثقة بقدرتنا، على الخروج من هذه الأجواء، وترسيخ أجواء الهيمنة والبحث عن سبل النفاق، والارتزاق للأنظمة التي ترعى مصالح قوى الهيمنة.

ولذلك، لا بد من مدخل آخر، نحو مواجهة قوى الهيمنة الدولية، ابتداء من مواجهة ركائزها فينا، وهذا يتطلب تجذير اتجاه حيوي، في ديار العرب والمسلمين، يسمح لغير العرب ولغير المسلمين المقيمين في ديارنا، أن يكون لهم الحقوق والواجبات الحيوية نفسها، التي ينالها أي مواطن يقيم في أمريكا ويحمل الجنسية الأمريكية بعد إقامة خمس سنوات فقط!! أو على الأقل أن تكون له حقوق أي مهاجر مقيم في السويد ولا يحمل الجنسية السويدية؟ ألا يجوز لا أن نتساءل لماذا يستطيع العربي والمسلم بمجرد حصوله على بطاقة جنسية أو إقامة في الدول الغربية أن يحصل على حصانة دستورية لا ينالها في بلده الأصلي حتى ولو كان من المقربين من السلطان.

ولماذا لا يكون ساكنو ديار العرب والإسلام ، قادرين على التعايش دون قهر، ودون عقلية الجزية، ودون وجود مواطن من الدرجة الأولى يضع الأقليات والإغلبيات في الدرك الأسفل؟..

وأية سلطة لا تحمل هدفاً عاماً يجعل الاتجاه الحيوي عاماً في الديار العربية والإسلامية، فإنها ستكون تكريساً للانحطاط والأزمات والهزائم.

هذا الاتجاه الحيوي يجب أن يتبلور بميثاق حيوي تقبله الغالبية العظمى.. إذاً، لا مجال لطلب موافقة الجماهير على تجاوز النزعات العنصرية، بشكل هوائي طائر، فهذا محال.. وحتى لو أن الجماهير صوت كلها على تجاوز العقلية الأحادية.. فإن مجرد التصويت بـ نعم على ورقة تعد بتجاوز العقلية الأحادية يبقى اسهل من التصويت بنعم في الممارسة اليومية وفي مجالات الحياة العملية، فالعقلية الأحادية ليست فقط بين الاتجاهات الفئوية القومية والعشائرية والعائلية.. والدينية والإقليمية المختلفة التي وصلت إلى كل قرية وإلى كل مدينة في ديارنا.. بل توجد حتى ضمن كل أسرة، بين الرجل والمرأة، بين الكبار والصغار، وبين الأخ وأخيه. إننا لا نطلب تحقيق إنسانية المرأة والطفل دفعة واحدة، ولا نطالب أن تكون معاملتنا تجاه بعضنا بعضاً تتسق كلياً مع صيغ حقوق الإنسان، التي يطبقها الغرب داخل مجتمعه.. بل على الأقل، أن نطبق على أنفسنا علاقات توفر لنا حقوق الحيوان التي يوفرها الغرب لكلابه.

هذا الاتجاه الحيوي.. عندما يصبح تياراً سائداً في ديار العرب والمسلمين فإن بقاء أقلية غير حيوية، لا يشكل عقبة كبيرة بل ربما يشكل حافزاً إضافياً لاستمرار صياغة المبادرة، وتقوية الاهتمام بها لتصبح اتجاهاً حيوياً عربياً إسلامياً شاملاً.

وبالطبع، فإن مثل هذا الاتجاه الحيوي ليس غائباً كلياً عن معايشاتنا، وعن قيمنا وعن تراثنا الحيوي، ولكنه مغيب، في جملة من صيغ النفاق الاجتماعي يجعل من هذه القيم مجرد رموز، بلا إسقاط واقعي عميق وقابلة للتحطم عند أول صعوبة.

والمشكلة ليست في الناس العاديين أو في القوى السياسية الفاعلة في السلطة أو المعارضة بل تكمن أولاً وأساساً في أن الأغلبية رهينة هذه العقلية.. الأمر الذي يجعلها وقوداً- احتياطياً- لا ينتهي- لحروبها المهزومة، والمصيبة أنها بصمتها تظن أنها بعيدة عن السياسة ومشكلاتها وألاعيبها.. بينما، هي في الحقيقة، اللعبة الأسهل إدارة والأرخص كلفة، إذ يكفي إيجاد وحماية محطة راديو وتلفزيون.. لإذاعة الأناشيد المحرضة وتوفير إمكانات معتقل صغير لسجن غير المقتنعين؛ إذا لم تنفع لعبة تمرير رجال النظارات السوداء أمامهم، لإرعابهم، ووضعهم في ساحة اللعب كما يشاء لهم.

ولذلك، فكلمة حيادي، وكلمة غير سياسي أو غير مهتم بالسياسة، هي، في الحقيقة لا تعني كلمة غير إعلان الاستسلام والخنوع، والاستعداد للانحراف حسب ما يريده الآخرون، أعجبنا ذلك أم لا. ولذلك فإن أول ما تقتضيه المبادرة الحيوية.. هو البحث عن الاتجاه الحيوي، وهو في ديارنا اتجاه حيوي عربي إسلامي.

 


الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |

 

 

ا هو الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي؟

ما هو الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي؟

ولكن ما المقصود بالاتجاه الحيوي العربي الإسلامي؟ بالتأكيد ليس حزباً أو فئة ذات صيغة وجود تنظيمي أحادي، وليس برنامجاً سياسياً لا بديل له.. وأكثر من ذلك، ليس مختبراً للتدقيق في السلالة العرقية والقومية والطائفية، وليس جهازاً لكشف الكذب أو الإيمان، أو جهازاً لتسجيل وفرز الناطقين بالضاد عن غيرهم.

إن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي. هو الذي ينطلق من أن العروبة كما وصفها النبي الحيوي الأعظم محمد (ليست بأب أحد منكم ولا أمه).. (بل هي اللسان) كما أن الإسلام هو التسليم بضرورة نشر وتحمل مسؤولية العدالة والتوحيد في المجتمع الإنساني. وغير ذلك من تفاصيل وطقوس فيها من الجوانب الإيجابية الحيوية، أكثر من السلبية، فما لو وضعت في إطار نظام سياسي حيوي. وبهذا الإطار فإن الهوية الحيوية للعروبة لا تؤخذ من الانتماء الولادي بل من التزام قضايا العرب الحيوية والدفاع عنها، وما أكثر المدافعين من غير العرب عن قضايا حيوية عربية، والشيء نفسه نقوله عن الهوية الحيوية الإسلامية، فهذه لا تؤخذ من الختان، وإعلان الإيمان بل من التزام قضايا المسلمين العادلة، قضايا الإنسان العادلة، حيثما كان، وكم أناس من غير المسلمين، هم أفضل، وأكثر تضامناً ودفاعاً، عن مصالح ديار العرب والمسلمين، من الذين ينامون ويستيقظون على قراءة القرآن، حتى صلاة الفجر.. حاضراً..

ومن أجل ذلك يتوجب إعادة النظر، بشكل نقدي، في مفاهيم المواطنة ضمن الهويات الفئوية القومية المعيشة سواء أكانت عربية، أم إسلامية، أم كردية، أم فارسية، أم تركية، أم بربرية، (لتصبح مواطنة حيوية عربية إسلامية) تتجاوز- دون نفي- المفاهيم الدينية للإسلام وغير الإسلام، وذلك باحتوائها في اتجاه سياسي جماهيري يوظف الدلالات الإيجابية لإقامة وطن مشترك يأخذ هويته من المصالح المرسلة للأغلبية العربية الإسلامية دون دخول في التفاصيل والحيثيات الدينية. ولكن بإحلال دلالاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية الأكثر حيوية وملائمة لمصالح العيش المشترك لغير العرب ولغير المسلمين في الداخل والخارج والتي ستبقى لنا أفضل ما ورثناه عن مرحلة منطق التعايش الصوري العربي- الإسلامي- ليحتفظ بالإسلام رابطة ثقافية تاريخية وطنية حيوية. (وبالعروبة رابطة لغوية) حاكمة للتواصل حتى بين المجموعات غير العربية التي تعيش في العالم العربي والإسلامي بسبب شيوعها من خلال القرآن.. ضمن هذه الاعتبارات الحيوية الضرورية الفعّالة على المستوى السياسي على الأقل فإن غير العرب وغير المسلمين يجب إعطاؤهم صفة المواطنة دون نفي لتراثهم

هذا هو الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، الذي ندعو لإحلاله رأياً عاماً موجهاً وميثاقاً ملزماً دستورياً.

 

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |

 

3- نحو المواطنة الحيوية في ديار العرب والمسلمين:

 

 

وهنا لا باس من التوقف مجدداً عند مفهوم الإسلام كجنسية سياسية حيوية أو صفة للمواطنة في الدولة، أو الرعايا، في الديار العربية الإسلامية.

ولنؤكد بوضوح لغير المسلمين وقبل ذلك للمسلمين أنفسهم بأننا لا ننفي البعد الديني أو الإيماني لمن يريده، والمواطنة الحيوية الإسلامية لا تتوقف على المؤمنين!! فالإيمان ليس هو الإسلام تحديداً وهذا واضح في القرآن بشدة { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} (الحجرات 14)، وفي إحياء علوم الدين لغزالي (إن الشرع لا يفرق بين المنافق والمؤمن من حيث الحقوق والواجبات، وإنما التفريق بينهما يكون يوم القيامة حيث يذهب المنافق إلى جهنم والمؤمن إلى الجنة) وقد وردت- أيضاً- فـي ص 46 من قاموس التراث (هادي العلوي) الأهالي 1988.

وهكذا، إن مسألة الإيمان، حتى في مرحلة منطق جوهر التعايش الصوري الذي شهد عظمة الإسلام وانتشاره الرائع! بقيت (صورية) المهم فيها  أن تسمح بقيام صيغ تحوي اجتماعي وسياسي توحيدي شامل، لذلك، فإن رمز التوحيد الرسمي كان النطق بالشهادتين، أي الاعتراف بوحدانية الله.. وهذه لم تكن إشكالاً حقيقياً لأحد.. أما الاعتراف بنبوة محمد فإنها كانت خلافية، على المستوى النظري بالنسبة لغير المسلمين، أما على المستوى السياسي فإنها لم تكن خلافية. طالما أن الاعتراف، بالنبوة المقصود به، علمياً هو إقامة النظام التوحيدي الأشمل من خلال الإسلام السياسي، للأراضي التي تستطيع فتحها جيوش الخليفة وبعض هذه الجيوش كان مسيحياً في بلاد الشام!! ومن هذه الجهة فإن المسيحي لو أعطى ولاءه لقيصر الإسلامي (الخليفة) فإن ذلك لم يكن يتعارض مع المسيحية على المستوى الديني والنظري، وطالما أن المسيح نفسه يقول [أعط ما لقيصر لقيصر] والحكم الإسلامي لم يكن يطلب أكثر من ذلك بالنسبة للمسيحيين فهي دولة القيصر العربي.. وهو أفضل من قيصر الروم! وإعطاء صفة المواطنية لديار المسلمين ليس أمر غريباً عن التاريخ الإسلامي ولا بأس من التوقف عند خبر مشهور في مصادر السيرة عن أمر (سرية) الذي بعثه النبي فقتل رجلاً من المشركين كان قد نطق بالشهادتين، ولما حاسبه النبي برر فعلته بأن القتيل لم ينطق بها رغبة في الإسلام، وإنما للتخلص من القتل، فغضب النبي ورد عليه: "هلا شققت عن قلبه".

وهكذا فإن الإقرار بالدخول إلى الإسلام ونيل صفة المواطنة فيه كان يعبر عن ضرورات منطق جوهر التعايش الصوري.. ويلاحظ (هادي العلوي) بحث، أن هذا الاتجاه يمكن أن يعبر عن خطة ما لتوسيع رقعة المجتمع الإسلامي بإعفاء الداخلين فيه من شرط الإيمان () ومن الواضح تماماً هنا أن النص على قبول صفة المسلم غير المؤمن قد أعطى فرصاً فسيحة للانضواء تحت لواء المجتمع الإسلامي، ويمكن أن نشهد دليلاً على ذلك إسلام الجزيرة العربية بعد فتح مكة.

(إذ يصعب الزعم بأن ذلك الانضمام الجماعي للقبائل والجماعات والأفراد الذي تلاحق في بحر عام كان نتيجة إيمان مفاجئ نبوة محمد بقدر ما كان يعبر عن اندفاعات مختلفة الأهداف وجدت في سعة أفق مؤسس الإسلام ومرونته العالية مفتاحاً للارتباط بالحدث الكبير الجديد).

وهذا الحدث لا يوضح الكاتب منظومته المنطقية الصورية، ولا يستطيع ذلك لكونه أسير خلفية ماركسية، ولكنه يتضمن حدساً نقدياً حيوياً يشير إلى قدرة العرب على الارتقاء من الجوهر النافي الديالكتيكي القبلي المتناحر إلى الجوهر الصوري، الذي يجمع العرب وغير العرب، بإطار يتجاوز الاختلاف القبلي والطائفي، واللغوي والعرقي، ويشكل إطاراً سياسياً يوظف إلى الحدود القصوى إمكانات، العصر آنذاك، لتحقيق ترابط يقوم على رمز جوهر التعايش الصوري، الذي كان يتجسد بهيبة الخليفة، (أمير المؤمنين) أو (الإمام العادل).. الخ.

للشيخ (أحمدكفتارو) متي سورية قراءة حيوية بتجاوزه لرابطة الإسلام الطقوسية والتركيز على رابطة الإيمان النفسية، وينطلق من آية { إنما المؤمنون أخوة} ليؤكد أن الأخوة لا تتطلب وحدة طقوس، أو تراثية، بل وحدة في الاعتقاد بوجود خالق الكون، أو بوجود مثل أعلى يجب الجهاد والنضال لبلوغه، أو نصرته، وهذه الرابطة تشمل كل المؤمنين في كل الأديان.. وحتى الملحدين!! الذين يعتقدون بوجود مثل عليا سامية وبوجود قوة خالقة حتى لو سموها طبيعية فهي قوة الخالق!! والاختلاف- هنا- لفظ فقط.. وكان الشيخ (نديم الجسر) أكد ذلك من قبل في (قصة الإيمان).

وبالطبع، فإن تلك الفترة كانت ستشهد، بالضرورة، إعطاء امتيازات مطلوبة للأكثر اتساقاً مع النموذج الإسلامي، الحاكم نظرياً وسياسياً، ولكن، قبل ذلك،؟؟؟ انتمائهم القبلي، وكان ذلك، سيستدعي، بالضرورة، تهميش محاولات التشويش النظري والديني، والدفاع عن الرمز السياسي (الخلافة). ومن هنا فإن مفاهيم الجزية، الذمية، كان لها ما يبررها اجتماعياً وسياسياً. قبل أن تكون لها مبررات نظرية دينية، وهذه المسألة يمكن فهمها ضمن منطق جوهر التعايش الصوري، الذي سمح (لأرسطو) اعتبار العبيد حالة مشروعة وطبيعية، فالعبيد والجواري لم يكن الإسلام يذهب عنهم هذه الصفة، إذا أسلموا، ولكن كان يعطيهم حظوة أكثر للانعتاق!! وفي الحقيقة فإن غير المسلمين بالمعنى الديني الصوري كانوا يمثلون الجهة الأضعف سياسياً ولكنها ليست المغلوبة اجتماعياً بالضرورة! فالمسيحيون واليهود كانوا يعيشون في المدن ويحتكرون مؤسسات ثقافية ومادية وحرفية لا تسمح للمسلمين، فتجارة الذهب والربا والخمر كانت مسموحة لغير المسلمين فقط وكانت مفاهيم الذمية والجزية، تهدف إلى تكريس الإضعاف، بحدود الإجراء الصوري، كالتسمية ودفع بعض المبالغ باسم الجزية، بينما كان المسلم يدفع أكثر منها- ربما- باسم الزكاة، وهذا الضغط الصوري يجب أن يفهم ضمن ضرورات أمن الهيمنة السياسية الإسلامية الموحدة، وليس من أجل الضرورات النظرية الإيمانية، أو الدينية البحتة..؟

ولتأكيد ذلك، حسبنا الوقوف لحظة، عند صيغ التعامل الجوهري الصوري الإسلامي مع قبائل المسيحيين العرب، في بلاد الشام.. الذين أبوا دفع الجزية، لما فيها من معنى الخضوع السياسي، بينما هم في واقع الأمر، قبلوا المشاركة في مد السلطان السياسي، لجوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي، وذلك لا يتنافي –أساساً- مع مسيحيتهم، بل أكثر من ذلك يساعد على الانتصار لنظريتهم الوحدانية للمسيح، والتي كان البيزنطيون يضطهدوهم لأجلها! منذ مؤتمر (خلقدونيا) ومن أجل احتوائهم الرحماني ضمن منطق جوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي، رفعت عنهم الجزية وأخذت باسم الصدقة أي الزكاة (وقد سوى أكثر الفقهاء جزية بني تغلب بالزكاة في أحكامها فيما بعد. وقد رأى فقهاء الحنابلة والشافعية أن الأمر فيما يتصل بالجزية يعود إلى تقدير الإمام نفسه، إذا كان قوم غير مسلمين لهم قوة وشوكة وامتنعوا عن أداء الجزية.. إذا صولحوا على ما صولح عليه بني تغلب.. إذا كان المأخوذ منهم ما يجب عليهم من الجزية وزيادة قياساً على ما فعله عمر مع نصارى بني تغلب).

(ونصارى العرب ويهودهم ومجوسهم من بني تغلب وغيرهم لا جزية عليهم ولا بذلوها، ويؤخذ عوضها زكاتان من أموالهم) المرجع السابق.

وهذه الحالة واضحة جداً، وتقطع دابر النقاش حول المنظومة المنطقية الجوهرية الصورية! التي تتحكم فيها وتحكم لها.. فالعرب نصارى ويهوداً ومجوساً يجب ألا يشعروا بالإهانة، والإضعاف ويجب أن يفتح لهم الباب- صورياً- لكي يتآلفوا مع الإسلام. الذي دشنه القرآن، والنبي أساساً (بالمؤلفة قلوبهم) وهكذا فإن الأموال المدفوعة، من الحكم الإسلامي تأليفاً للقلوب، أو المأخوذة جزية أو زكاة لها هدف واحد.. هو هيمنة منطق جوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي إلى أبعد مدى ممكن من الأرض، وبالطبع فإن ذلك لم يكن متروكاً دون ضوابط نظرية ودينية، بل كان يتطلب تحديداً يسمح للخليفة أو الوالي بالتصرف به ضمن معطيات المرحلة والمنطق المطلوب عيشه.

وبما أن المطلوب هو إيجاد كتلة سياسية، تضم أقصى إمكانات التوسع والتوحيد والتفاعل الحيوي، بين مختلف الشعوب والأقوام والأديان واللغات، لذلك فإن النظرة إلى الاختلاف، يجب أن تكون ضمن سياسات (الاحتواء الرحماني التوحيدي) وقد عبر عنها (أبو حنيفة) بشكل رائع في رسالته (العالم والمتعلم) حيث رأى (أن الله عز وجل إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الفرقة. وليزيد الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرف الناس بعضهم على بعض)،

(أن رسل الله لم يكونوا على أديان مختلفة ولم يكن كل رسول منهم يأمر قومه بترك دين الرسول الذي كان قبله لأن دينهم كان واحداً).

ولذلك قال الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة.

هذا الاتجاه السياسي الإسلامي يعبر بوضوح ودقة عن إمكانات الاختلاف النظري ضمن وحدة الصورية السياسية، ويقطع دابر السفسطات التناحرية سياسياً ونظرياً واجتماعياً..

ضمن هذا الإطار يمكن فهم الاختلاف بين المسلم والذمي، ضمن الديار العربية الإسلامية بوصفها معاً ينضمان إلى (أمة إجابة) لنداء التوحيد السياسي. (من آل دار الإسلام)، (لم مالنا وعليهم ما علينا).

مع استثناء يخص المسائل الدينية وما يتصل بها، يقول (السرخس) الفقيه الحنفي في تعليل ذلك إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم، ولأن الذمي كما يقول السكافي (من أهل دار الإسلام) فمن حق الذمي أن يتولى مناصب عامة في دار الإسلام كالمسلم مادام مؤهلاً، إلا ما اتصل بالإسلام نفسه، من مثل الخلافة، أي الإمام، أو الإمارة على الجهاد. والجهاد دعوة إلى الإسلام بمختلف الوسائل، فلا يتصور أن يترأس غير المسلم دعوة للإسلام (وما عدا ذلك فإن للذمي كل منصب آخر من مثل الوزارة أو قيادة الجند في قتال البغاة.

طبعاً، توجد سيول من الفتاوي التي توضح عقد الذمة وفقهه والاختلاف في ذلك أكبر من الاتفاق معه، بحسب المصلحة التي يعيشها المفتي.. وسلطانه. ولكن قبل ذلك بحسب منطق المرحلة.

ويمكن التوقيع بأن تكوص مستلزمات منطق جوهر التعايش الصوري، إلى منطق الجوهر العنصري التناحري السفسطائي طائفياً وقبلياً سيجعل الفتاوي بالحروب بين الطوائف الإسلامية نفسها عملاً مقدساً.. فكيف الحال مع غير المسلمين.

ولذلك، فإننا - هنا- لا نريد التوقف عند اللحظات المرنة السمحة التوحيدية في صيغ التحوي الإسلامي، لندلل على الأهمية التي أعطيت في هذا الظرف أو ذاك لغير المسلمين.. ولنسترجع هذا النص النظري المرن، أو ذاك، فهذا عمل سهل واستمراء مجاني.. للذات، وتجاوز طوباوي لقرون التقهقر العنصري والطائفي، ولكننا نريد أن نقول أن مفهوم (الآخر) كان يتميز بمستويين كبيرين.. الأول يتعلق بالآخر ضمن ديار الإسلام.. (والآخر) الذي يجب أن تمتد إليه دار الإسلام، وبالنسبة لـ (الآخر) الداخلي فإن الأساس فيه كان الولاء السياسي للخلافة ولم يكن الاختلاف مصدر رحمة فحسب، بل كان أيضاً مصدراً لجزية أكبر!! وارتياح أكثر!! ولذلك فإن الجزية كانت تؤخذ حتى من الذين دخلوا الإسلام بين بربر الغرب وأكراد المشرق في العهد الأموي وعندما رفعها (عمر بن عبد العزيز) قال له أعوانه: إن الخزينة ستنقص فقال: إن الله أرسل محمد هادياً وليس جابياً.

وبالطبع فإن لحظة عمر بن عبد العزيز لم تكن المهيمنة دائماً، ومع ذلك، بل ولأجل ذلك، لم يكن غريباً أن يبقى المسيحيون هم الأغلبية حتى القرن الخامس الهجري في بلاد الشام. ويعلل- رضوان السيد- ذلك لازدياد (الضغط والإكراه على المسيحيين بسبب الحروب الصليبية وفرض الإسلام عليهم والتضييق بالمزايا والحقوق على من رفض ذلك).

وهذه الحالة السلبية استمرت في الازدياد وأدت إلى انحطاط العالم الإسلامي من منطق جوهر التعايش الصوري إلى منطق جوهر التمييز العنصري! الذي ازداد حدة في المرحلة العثمانية.. والمفارقة- هنا- أن الترك أساساً كان مجيئهم بفضل المسيحيين العرب والسريان، الذين كانوا مسيطرين على الإدارة العباسية في بغداد، في أثناء مرحلة تألقها ثم أصبح الأتراك بعد أن أسلموا، قوة اجتماعية سياسية وحاشية للسلطان وبعد ذلك بدأ الضغط على المسيحيين في مسائل الزي ومسائل أخرى.

ومع بداية إمكانيات الصعود بالمنطق الجوهري العنصري إلى منطق النفي الديالكتيكي المسلح بالبارود.. فإننا يمكن أن نجد صيغاً أكثر انغلاقاً وعنفاً وإكراهاً للآخرين لفرض نموذج معين من الإسلام عليهم.. دينياً وسياسياً وفئوياً، كما هو حال أبو علي المودودي وسعيد حوا الذي اتخذ منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي للشخصنة السنية حيث يذكر مفصلاً في كيفية أخذ الجزية.. "لا تقبل من الكافر إلا أن يدفعها بيده دون جلوس من قبله، أو قيام من المسلم".. وتفصيلات سعيد حوا لم تكن مجرد آراء متزمت بل كانت تفصيلات قائد تنظيم عسكري.. مزوداً بالسلاح والإعلام الذي وفرته له الوكالات الكويتية والسعودية والمصرية والعراقية.. لكي يمعن في الانتحار.. وبالطبع يمكن لنا التخيل بسهولة لو أن (سعيد حوا) كان يعيش قبل خمسين عاماً من ولادته كيف كان سيكتب في موضوع الذميين.

فلنقرأ إذن هذه الوثيقة التي كانت تتكرر آلياً عند طلب دفن أحد المسيحيين: (من جانب الشرع الشريف إلى مطران كفرة السريان، أيها المكروه  بالمنظر.. بما أن المفقود يعقوب الكافر من طائفتكم اللعينة، ومن حيث أن الملعون فطس وهلك، ولأجل إدخال جثته ضمن الأرض، وقد صار الاسترحام من طرف مرشد محلية وجرى أخذ الخراج منه، فإنه وإن تكن الأرض لا تقبل جثته الجيفة، فلكي لا تكون سبباً لإفساد الأرض.. من أجل أن لا تنتن، فقد أعطيت الرخصة بعنوان الشرع الشريف بأن تدفن ضمن مزبلتكم المخصوصة، بموجب مذهبكم الباطل، إلى زمرة جهنم، اقتضى إعطاء هذه الرخصة كي لا يعد مانع من طرف أحد أو خلافه 17 جمادى الأول 1205 هـ هذه الوثيقة من جانب الشرع الشريف)‍‍‍‍!! وهو مدعوم من مهاجرين مسيحيين إلى أمريكا. وبالتأكيد فإنهم يرغبون بتخليص إخوانهم المسيحيين من مشقة العيش الذليل في دار الإسلام.. وهي حالة مفهومة ومبررة.. ولقد رفضها من استطاع رؤية إمكانات قيام وطن (سوري) أو (مصري) أو لبناني.. ورفضها من استطاع رؤية إمكانات (وطن عربي). إلا أن عبء المفاهيم الجوهرية العنصرية والجوهرية الديالكتيكية.. كان يحول دون إمكانات رؤية (الوطن الحيوي العربي الإسلامي) مرة واحدة. كما ندعو إليه نحن اليوم.. ولسنا وحيدين في هذا الاتجاه. فهو تيار حيوي، قابل للانتشار الجماهيري في سائر أنحاء العالم العربي والإسلامي، ولكن دون آلام ومخاضات عسيرة ووجود قابلة قادرة على توليد العقل النقدي الحيوي، فهل تستطيع (ومدرسة دمشق للعقل النقدي الحيوي) أن تكون رأس القاطرة إلى هذه المرحلة؟!

وحسبنا - هنا- أن نقف عند لحظة معبرة تؤكد هذا الاتجاه الحيوي (الوطن العربي الإسلامي) بالمعنى السياسي والاجتماعي وليس بالمعنى الديني، وقد ابصر هذه الإمكانية (طه حسين) حيث يقول في كتابه (تجديد ذكرى أبي العلاء) (الأمم الإسلامية هذا اللفظ أيضاً ضيق في نفسه إلى أن تتوسع فيه وتدل به على معنى  وضعي جديد فنفهم منه إذا أطلق على جميع الذين دانوا لحكم المسلمين أو سكنوا أرضهم، أو اشتدت بين المسلمين وبينهم صلة)[1].

ولفظ المسلمين هذا هو أحق الألفاظ، أن يدل على هذه الأجيال المختلفة، على أن نفهم منه أجيال الناس المثقفين في هذا اللون الذي شرحناه.. الحياة والثقافة الإسلاميين وإن اختلفوا في الجنس واللغة والدين[2].

ومع أن هذا المفهوم ستتضايق منه قوى الشخصنة العنصرية الإسلامية، لأنه يحرمها امتيازات والسلطة والتسلط باسم الله والإسلام، فإن قوى التفرد الحيوي العربي الإسلامي، سوف تجد معان حيوية رائعة للإسلام وللدولة الإسلامية، تتفق مع المنطق الحيوي، منطق العصر ومعطياته، التي تزيل كل ضرورات منطق الجوهر.. وكل صيغة العنصرية الديالكتيكية.


الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |

 

 (ب)

نحو الولايات الحيوية العربية الإسلامية المتحدة

إن السؤال الأساسي هو كيف يمكن (للمبادرة الحيوية) أن تتحول من مستوى فردي إلى رأي عام جماعي موجه؟ وبالتالي كيف تأخذ صيغة فئوية سياسية تنهض بمهمات تجعلها هدفاً للتحقق سياسياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً وسكانياً وبيئياً.

وهذه الحالة لا تتوقف على أشكال الوجود الفئوي السياسي فقط، التي يمكن أن تبرز بوصفها تيارات وأحزاب تمثل قوى الشخصنة والتفرد، على النحو الذي أشرنا إليه سابقاً، بل تتعدى ذلك، إلى أشكال الوجود الفئوي السياسي بوصفها كياناً سياسياً يشكل دولة ذات سيادة.

فالعالم العربي والإسلامي لا يشكل اليوم وحدة فئوية سياسية، ولكن بالتأكيد فإن هذه الوحدة مطلوبة لتتحقق في صيغة دولة واحدة ذات سيادة قادرة على إصدار القرار السياسي الشامل لديار العرب والمسلمين، في مجال الدفاع والسياسة الخارجية على الأقل، مع ترك المجال الواسع للحكم الذاتي والمتنوع بتنوع ظروف ومصالح ورغبات الولايات القابلة للمشاركة في هذا الإطار بوصفها من الولايات الحيوية العربية الإسلامية الفيدرالية ولتحقيق هذا الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي يمكن أن يبدأ (رأيا عاماً) يشمل هذه الديار، ويمكن بروز تيارات فئوية حيوية متنوعة لقوى الشخصنة والتفرد، في سائر ديار العرب والمسلمين.

ولكن كيف يمكن لهذا التيار أن يتجاوز الحدود أن يتجاوز الحدود الإقليمية المفروضة وقوانين الأنظمة الرسمية، التي تصنف رعايا أي قطر عربي إسلامي آخر بوصفهم رعايا أجانب؟! ومع أن بعض الأقطار العربية لا تشترط تأشيرة دخول مسبقة للعرب الراغبين في الدخول إليها إلا أن الواقع بشكل عام هو أسوأ من ذلك بكثير، فالأجنبي في أي قطر عربي حتى وإن اشترط على دخوله تأشيرة مسبقة ووضع في بوابة خاصة، فهو يعامل بوصفه رسولاً ملكياً بدءاً من السفارات في الخارج ومروراً بالمطارات والمرافئ وامتداداً إلى كل الأجهزة الرسمية في الدولة ويعامل برتبة مواطن شرف!! لا يتمتع بها غير القلة من المسؤولين من أبناء القطر نفسه!!

هذا الواقع يجعل امتداد الاتجاه الحيوي في ديار العربي والمسلمين- بالضرورة- محاضراً ومعوقاً عن الانتشار والقفز فوق الحدود.

كما أن ظروف الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ديار العرب والمسلمين، تجعل أعداد الراغبين في مغادرة أقطارهم لأسباب سياسية وثقافية قليلة جداً، ليس ذلك لأن الأنظمة العربية الرسمية في هذه الديار متشابهة بشكل عام فحسب، وليس لأن الهم السياسي والفكري لا يرقى عند أصحابه إلى مستوى التحريض على الهجرة، بل أيضاً لأنه لا يرقى حتى إلى السعي للقاء العاملين في هذا الميدان بين بعضهم بعضاً.. وأكبر مثال على ذلك نراه في المؤتمرات والندوات، التي تعقد على المستوى العربي للاختصاصيين، في هذا المجال أو ذاك يكون هم السياحة والتضبغ من  السوق لجلب الهدايا، أهم من المشاركة وتعميق اللقاء.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك النظرة العدائية والتشكيكية إلى السياسيين والمفكرين المستقلين عن تنافس الأنظمة، فإنه لا يبقى أي خبر يرتجى في الخارج، غير الوقوع ضمن دائرة الشبهة والشكوك.. وحتى الأفغاني لم ينج من تهمة الماسونية والعمالة.

إذاً، المشكلة صعبة الحل والأصعب منها، القدرة على الانتشار من خلال وسائل الإعلام التي تتحوى ضمن أهداف وغايات تجسد مصالح عقلية أحادية ضيقة، ليس على مستوى النظام السياسي الداعم لها فحسب بل في كثير من الأحيان على مستوى المسؤولين عن إدارة هذه الصحيفة أو تلك.. لأن فتح المجال لأقلام حيوية مبدعة جديدة، يخشى منه أن يكون مقدمة لشراء هذه الأقلام ذات الماضي الشريف ولتبدل- بهم- العاملين في وسائل الإعلام هذه!!

إذاً المحنة خانقة وتجعل المبادرة الحيوية تنكفئ للعمل على المستوى القطري المعزول!! وحتى- ذلك- هو أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.. وذلك لأنه ليس هنالك شرائح اجتماعية بكر، لا يكون لها تاريخ سياسي، ومصالح اجتماعية موجهة لاختياراتها الفكرية والسياسية، وبالتالي، فإن التقرب من هذه الشرائح يتطلب صيغة مختلفة ومقاربات تتطلب قدرة تكتيكية واستراتيجية كبرى، ليس من السهل معرفة سبلها والسيطرة على أدواتها وقد يؤدي انتشارها في أوساط (ما) إلى استعداء أوساط أخرى، بالضرورة.

كما أن المبادرة الحيوية لا بد أن تتلون بلون الوعاء الاجتماعي، الذي يبدي استعداداً أكبر لاحتضانها. وهو أمر يؤدي إلى مزيد من الحصار والعزلة على المستوى الشعبي.

لنأخذ مثالاً على ذلك.. لنفترض أن المبادرة الحيوية انتشرت في فئة دينية أو قومية، تشكل أقلية مكروهة، أو مضطهدة من محيطها!! ترى.. ألن يؤدي ذلك إلى خنقها في المهد؟ وفي حال استمرارها وتجذيرها في هذه الأقلية، ألن ترفع جدراناً عالية حولها تحول دون انتشارها إلى الآخرين؟!

ترى؟ ألم يشكل انتشار الماركسية- عن طريق الأرمن واليهود- عبئاً عليها في البلدان العربية، أو بشكل خاص بعد نشوء إسرائيل؟ وبالتأكيد، فإن العامل الداخلي الحاسم في ذلك، سيكون من خلال الأوساط الاجتماعية الحاضنة لها، سواء عن طريق اعتبارات تخدم قوى الشخصنة، أو التفرد، وهذه لن تكون خارج الأطر الفئوية التقليدية الموروثة من عهود الانحطاط، أو على الأقل ضمن أطر فئوية تعيش العقلية الأحادية، في صيغة تشكلها، واستقطابها الفئوي، فكيف يمكن- لهذه الشرائح- أن تتجاوز مصالح عقليتها الأحادية؟ وكيف يمكن للمبادرة الحيوية أن تستطيع- على المستوى النظري والتنظيمي- تجاوز الأسس الفئوية الاجتماعية الحاضنة عملياً لهذا الاتجاه الحيوي..

هذه المسألة ستبقى عقبة أمام قدرتنا على تجاوز حالة القبلية والعشائر والطائفية والإقليمية.. ويجب إيجاد مقاربة عملية، ليس لإلغاء هذه الفئويات!! بل لتفهمها ولتفكيكيها واحتوائها حيوياً وعدم السعي للقفز فوقها- نظرياً- والسقوط- علمياً- في شبكاتها ومصالحها الضيقة.

ما الحل إذاًَ؟ هل نعطي لكل قبيلة ولكل طائفة ولكل عشيرة ولكل عائلة ولكل شخص.. كياناً سياسياً مستقلاً.. وننشئ دولاً بعدد الأفراد والعائلات والعشائر والطوائف والأقاليم؟

كم ستكون الإجابة مدهشة، إذا قلنا نعم! وكم ستكون الإجابة بنعم معيناً لتبرير مزيد من التفتيت السياسي والاجتماعي.

بحيث لا يكون هناك غير الشراذم المنخورة المتنافرة وكم سيكون ذلك تدميراً لإمكانات نشوء تيار حيوي عربي إسلامي عام؟!

لإيضاح هذه النقطة لا بأس من التوقف- قليلاً- عند الدور السياسي الحيوي لهذه الفئويات الموروثة من عهود الانحطاط والتي تدور ضمن إطار مصالح العقلية الأحادية.

ماذا نقول؟ هل هناك دور حيوي للفئويات الموروثة من عهود الانحطاط؟.. للإجابة عن هذه المسألة نذكر بالدور الإيجابي للعقلية الأحادية، كما شرحناها في سياق الأزمات والهزائم محلياً وعالمياً ونذكر من جديد، أن العقلية الأحادية ومنطق جوهر التعايش الصوري والديالكتيكي، أو العنصري.. ليست مجرد اختيارات نظرية، يمكن تجاوزها إلى منطق الشكل، بل هي صيغ اجتماعية تفرضها مصالح سياسية واقتصادية ونفسية وتقنية وثقافية وعقائدية.. قادرة على الانتشار ضمن صيغ فئوية تمتد أو تضيق بحسب قدرتها على توفير احتياجات حيوية قادرة على الفيض وتوسيع دائرة المشاركين فيها..ولهذا السبب، فإن منطق جوهر التعايش الصوري ارتبط بظهور إمكانات حيوية تتجاوز منطق الجوهر العنصري المغلق.. وانفتاحه صورياً ليشمل الآخرين.. دون الدخول في تفاصيل هوية العناصر المشاركة، ودون محاولة تحطميها، بل قبولها كما هي!! ولم تظهر إمكانات منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي إلا بعد استعمال البارود والتقنيات الحزبية القادرة على تحطيم العناصر الجوهرية للعالم غير الأوروبي ومحوها وتحويلها ودمجها لتصبح تابعاً للجوهر الأوروبي.

وفي كل حالة لم يمكن فيها الصعود من منطق الجوهر العنصري اجتماعياً.. إلى منطق التعايش الصوري، فإن السبب كان يعود إلى انعدام الصيغة التي تجعل الاحتياجات الحيوية فائضة عن دوائر الجوهر العنصرية.

كما أن تعثر صيغ جوهر التعايش الصوري لاجتماعي وانهياره كان بسبب انعدام وفرة كافية لقدرات تسمح بإبقاء التجاور والتعايش الصوري، بين العنصريات الاجتماعي الأضيق.. ويسبب عدم ظهور إمكانات منطق وفرة إنتاجية، تزيد عن حاجة العنصر الاجتماعي المنتج لها!! وعند ظهور إمكانات فرضها كأنماط للاستهلاك، تهيج الأحوية الاجتماعية الأخرى، تحت طائلة استعمال البارود. فإن منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي، كان يفرض نفسه، حيث اقتضى الأمر، فيفرض تجنيد عمال لإدارة آلاته، وجنود يصبحون وقوداً لحروبه، وليأخذ ثروات ومواد خام تلزم لتطوير إنتاجه، وكل هذه العمليات، لا تتطلب تغييراً لأنماط الاستهلاك فقط، بل أيضاً تغييراً لأنماط الوجود الفئوي الاجتماعي.. دينياً وقومياً وقبلياً وثقافياً ونفسياً.

والعالم، بكل ما فيه، من مستويات معبرة عن منطق الجوهر بدا مع نهاية الحرب العالمية الثانية بالتحول نحو منطق الشكل.. الذي يجعل المصالح مشتركة وملزمة، على المستوى العالمي، أكثر فأكثر، تحت طائلة الدمار الشامل، ويجعل من التنوع والاختلاف ضرورة لتوسيع الآفاق!! وغنى للعلاقات الإنسانية، ويرى في (الآخر) نسخة عن الذات ضمن ظروف مختلفة!.

هذا الفهم الحيوي أصبح ممكناً. وبدأت تباشيره على كل المستويات، ونحن- هنا - لسنا لنعيد البحث في هذا الموضوع ولكن لنقول- فقط- إن الفئويات العنصرية الموروثة، بوصفها أحوية عائلية وعشائرية وقبلية وطائفية وقومية وإقليمية كان لها ما يبررها!! وكان لها قدرة على تأمين احتياجات حيوية للمشاركين فيها.. ومرحلة التحجر والتكلس ضمن قواقعها، تعود إلى الخط البياني المتهابط !! و من المعروف أن الحيوانات في القطب الشمالي تدخل  مرحلة سبات شتوي طويلة، تتبطأ فيها حركة الدم، ونبض القلب، وبالتالي تنقص الحاجة إلى الغذاء! كما أن النباتات الصحراوية تتخذ أشكالاً تقلل المساحات المعرضة للشمس، وتقاوم الجفاف بأوراق على شكل إبر.. وبألوان جافة وتداوي- نفسها- بالذي كان هو الداء!! فتتحدى الجفاف بمثله.

ومثل هذه الحالة معيشة اجتماعياً ومبررة في المعادلة المنطقية للمنظومة التي تقترن بدلالتها.. فالعائلة هي المنظمة الوحيدة القادرة في العالم العربي الإسلامي- حتى الآن- على تأمين رعاية وحماية نمو أفرادها وماتزال إطاراً للمصالح الاجتماعية في القرية أو في قطاع المهن الحرفية التي تزاول في المدن وما يزال الكثير من سكان المدن لا يحتاجون إلى أكثر من محيط العائلة لتأمين أمنها واستمرارها.. وإذا كانت هناك إمكانية للاتساع، فإن القفز من أهل العائلة إلى أهل الحي أو المدينة أو العشيرة أو إلى الطائفة أو إلى القبيلة أو إلى الإقليم كان يفرض نفسه بالضرورة المنطقية أيضاً!!. في كل قطر.. ففي سوريا على سبيل المثال. نرى ذلك في دمشق وحلب وحمص وحماه واللاذقية، كبرى مدن سوريا.. كما هو الحال في بغداد والبصرة والموصل في العراق.. فإن الأحياء موزعة طائفياً وعشائرياً وعائلياً.. وحال بيروت لا يحتاج إلى ذكر.

والعالم العربي الإسلامي الذي كان يعيش معظم سكانه حتى منتصف هذا القرن ضمن مصالح بدوية- قروية.. أو حرفية محددة. كان يعيش- فقط- ضمن صيغ فئوية ضيقة!!.

والأقاليم التي رسم حدودها الاستعمار الأوروبي كانت في معظم الأحيان تفيض عن حاجة السكان للتفاعل الحيوي، وعن قدراتهم في تحو أكثر اتساعاً في داراته، فإن الفئويات الإقليمية، بقيت في أكثر الأحيان مرتعاً لفئويات تمثل مصالح أحادية، أكثر ضيقاً من الحدود الإقليمية المفروضة.. وخاصة أنه لم يتوافر في هذه الأقاليم، قدرة على صياغة الدولة المعاصرة ومستلزماتها وتقنياتها، بحيث تحقق حداً أدنى من الاحتياجات الحيوية، لمختلف المواطنين.

وضمن هذه الأقاليم.. كانت الفئويات السياسية تستطيع استشراف منطق أشمل باتجاه مصالح قومية ودينية أكثر اتساعاً من الأقاليم، إلا أن هذا الاستشراف كان يتم بعقلية منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي بأحسن الأحوال، وذلك لفرض سيادة قومية معينة، أو دينية معينة، أو طائفية معينة، أو طبقة إقليمية معينة!!

وكان هذا الاستشراف، يتم من خلال التجاوز للمنطق الجوهري العنصري الفئوي الأضيق، بالاتجاه الأكثر شمولاً والأكثر عمقاً وذلك من خلال مستويين الأول: استلهامهم لماض أكثر حيوية من الحاضر.. كما هو الحال في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، ولكن دون فهم لمنطق جوهر تعايشها الصوري ودون قدرة تحقيق مستلزماتها والثاني محاكات للأنظمة الغربية المهيمنة باتساعها وعمقها وشمولها، السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والحضاري المعاصر، ولكن- أيضاً- ودون امتلاك لقدرات نفيها الديالكتيكي فالقوى القومية في العالم العربي والإسلامي تناوبت في تبرير وجودها وتمايزه القومي وبدلاً من عامل الإرادة أو اللغة أضافت عوامل كثيرة جداً لتأكيد وجودها ووحدتها القومية ولكنها عجزت عن تحقيق الوحدة حتى في حال وجودها في السلطة في أكثر من قطر.. كما أن القوى الماركسية في العالم العربي الإسلامي حفظت عن ظهر قلب نصوص البيان الشيوعي اعتقاداً منها أن ذلك سينهي الاستعمار والإقطاع والبرجوازية والفقر.. ومع أن هذا الاستلهام أو السعي للمحاكاة الديالكتيكية الماركسية النظرية، يمثل تحفزاً حيوياً بحد ذاته، إلا أنه شكل لأسف وثبة في الفراغ نرى آثاره- الآن- بشكل فجائعي.

فلماذا؟ أليس لنا حق الحلم؟ لاستعادة حضارة لها اتساع وشمول وعمق حضارتنا في الماضي؟ أليس لنا الحق في مجارات العالم في تكوين أمم كبرى؟ أليس إرادة ذلك يمثل بحد ذاته عملاً حيوياً؟

-         الإجابة هي: الإيجاب. إذاً أين المشكلة؟

المشكلة: هي أن إمكانات العصر ومنطقه.. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تجعل صيغة التشكل الأمم والإمبراطوريات الأوروبية المعاصرة، موضع تساؤل.. وهي في طريقها لإعادة تشكل جديد، يتجاوز منطق الجوهر، بكل مستوياته باتجاه منطق الشكل، وإذا كانت الإمبراطوريات والدول العظمى غير قادرة على الاستمرار في تجسيد منطق الجواهر، على المستوى الداخلي على الأقل، فكيف يمكن- لنا- استعادة إمكانات تحقيق أمة عربية، أو إسلامية تنتمي إلى منطق مراحل ومنظومات اجتماعية هي في طريقها للغياب عن الساحة العالمية.

ولنتذكر جيداً- هنا- أن منطق جوهر التعايش الصوري العربي- الإسلامي، لم يكن ممكناً إلا في ظل اضمحلال نفوذ كسرى الفرس، وقيصر الروم، ولكن، لماذا لا نستطيع الاستمرار في منطق مصالح أحادية طائفية وإقليمية، أضيق من منطق جوهر الأمة القومية أو الدينية ولا نستطيع أن نحقق ما هو أكثر حيوية؟.

وللإجابة عن ذلك نقول: إن العالم ليس فراغاً.. والبقاء في مستوى اجتماعي أضيق، يعني البقاء في حالة ضعف أكبر، وبالتالي يعني تحقيقاً لأمن العالم بشكل أكبر، أما النهوض باتجاه أمة جوهرية قومية أو دينية، ذات شمول يمتد إلى سائر أنحاء الأمة العربية والإسلامية، فإنه عمل يحمل في طياته إمكانات تفجير العالم.

حتى، لو لم نقصد ذلك، لأن تحركنا سيأخذ صيغة رد فعل ستعني خلخلة الميزان العالمي، ونحن -أساساً- لا نملك حتى هذه القوة، في الوضع الراهن.

ولذلك ليس أمامنا إلا تجاوز منطق الجوهر كلياً وملاقاة العالم في منتصف الطريق؟ عندئذ يمكن لنا أن ندخل العصر، ليس بمنطق الجوهر، الذي كان يتجسد في الماضي وما يزال في الحاضر إلى حد ما، ولكن بتجسيد منطق (الشكل) منطق العصر، ومنطق المستقبل الحيوي، الملزم للجميع، تحت طائلة الدمار الشامل.

مع التأكيد مرة أخرى أن الكيانات الاجتماعية والثقافية التي جسدت منطق التعايش الصوري في تاريخنا العربي الإسلامي لم تدم طويلاً ولم تكن قادرة على الانتشار من موقع القدرة التقنية للحصان العربي فحسب، بل أيضاً من قدرة السيف الإسلامي، لنشر عقيدة التوحيد وبالتالي قدسية الخلافة وضرورتها وحيويتها وبهيبة الخليفة، وقدرته على الأمر الحاسم الفعّال لتطويق العصيان.. كما أن محاولات العصيان والاستقلال المحلي عن إرادة الخليفة، لم تكن تنهار بسبب قدرة مركز الخليفة - فقط- بل أيضاً من خلال الفئات المحلية التي كانت تستطيع الوثوب على الحاكم المحلي لتنال رضي الخليفة كي يسلمها الولاية بعد القصاص من الولاة المارقين.

وهذه الحالة لم تبق بالفاعلية نفسها في القرون الأولى.. وفيما عدا ذلك فإن منطق جوهر التعايش الصوري الإسلامي، بقي على المستوى النفسي فقط.. وليس على المستوى السياسي.. وفي هذه المرحلة بدأ التهابط.. نحو منطق الجوهر العنصري.. وتدني إلى مستوى طائفي قبلي عشائري عائلي.. نتيجة ملازمة لتدني المنسوب الحيوي.. والمشكلة- الآن- أننا نريد النهوض من هذا المنسوب الحيوي الضئيل لتحقيق كيان أشمل وأكثر اتساعاً، يشمل- الآن- 200 مليون عربي أو مليار مسلم، يعيشون- بالفعل-حالة نفسية متشابهة، وتوقاً متناغماً للائتلاف والتوحيد بشكل كيان فعّال حيوي موحد.

ولكن ليس هناك قدرات حقيقية لتحقيق ذلك.. وغياب هذه القدرات لا يعود إلى العامل الذاتي، المتمثل في الفقر والتجزئة والتخلف، ولا إلى العامل الخارجي فقط، المتمثل بالسيطرة والهيمنة والإعاقة والاحتلال، بل يعود- أولاً وقبل كل شيء- إلى عامل المنظومة المنطقية الاجتماعية المعيشة التي تؤطر الذاتي والخارجي ضمن منطق العصر، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما ولدته المعطيات، التي سبق ذكرها، من قدرات لتجاوز منطق الجوهر بكل مستوياته وأطواره باتجاه الشكل الحيوي الذي لا يسمح بأي انغلاق عنصري قومي أو ديني، ولا يسمح بأية محاولة لنفي الآخرين قومياً أو دينياً أو تهميشهم وهذه هي الحيوية التي تؤدي إلى التعايش المتوازن الواضح المغتني بالاختلاف، ولذلك فإن الحيوية هي الشرط والإطار الوحيد الذي يسمح بنشوء ولايات عربية إسلامية متحدة ضمن منظومة حيوية عالمية شاملة.

ولذلك فإن الطريق الوحيد المفتوح أمامنا، هو الاندماج في صيغة اجتماعية ثقافية حضارية عالمية حيوية.. يكون فيها الاختلاف والتنوع والتفرد على مستوى العالم أجمع ويناضل لتحقيقها للجميع، ولذلك فإن هذا الاندماج لن يلغي هويتنا العربية الإسلامية بل سيعطيها بعداً حيوياً يتناغم مع منطق العصر.

من هنا يستطيع الاتجاه الحيوي في ديار العرب والمسلمين أن ينتصر على الفئويات العنصرية الضيقة، عندما يستطيع ملاقاة العالم في نظام حيوي شامل.

ولكن كيف يتحقق النظام الحيوي العالمي بشكل اشمل؟ هل ننتظر المهدي؟ أم ننتظر رحمة الإمبريالية أم بلوغ سن الرشد؟ أم ننتظر وصول العالم أجمع إلى سن اليأس من منطق الجوهر؟ الإجابة هي النفي لكل هذه الأحلام والأوهام، بل يجب الانطلاق من الآن ومباشرة من أوضاعنا الحالية لتشييد النظام الحيوي، بدءاً من الكيانات الإقليمية التي نعيشها، ونساهم بإيجاد الميثاق الحيوي القابل للتطبيق، بحيث لا تعود ثمة حاجة للفئويات العائلية والعشائرية والطائفية الأضيق، بحيث نشعر -فعلاً- بضيق التعبير الإقليمي، ونجد صيغة للوحدة متوازنة مع العالم، ولا تستعدي الآخرين؟.

وذلك من خلال السعي إلى نظام حيوي يتناسب مع منطق الشكل، الذي يجعل الجميع متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات، وهذا لا يعني، فقط، الدعوة إلى التساوي أمام القانون.. بل المهم، أولاً وأساساً، تحقيق قانون المساواة. قانون حقوق الإنسان، قانون (الخلق عيال الله، أحبهم إليه: أنفعهم لعياله) قانون (الناس نظراء في الخلق).. قانون (متى استعبدتم الناس وقد ولدتم أمهاتهم أحراراً).. قانون (إرادة الحياة.. الحرية).

هذا القانون الحيوي، عندما يمكن تحقيقه، في صيغة نظام سياسي يمكن - لنا- بعد ذلك، فقط، المطالبة بالتساوي أمامه.

أما المطالبة بالتساوي أمام القانون الغاب.. أمام قانون المستبد.. أمام قانون الجوهر العنصري أو الديالكتيكي.. فهذا يعني: قبولاً لشريعة الغاب والاستبداد والعنصرية من موقع الضعيف ولذلك فإن الفئوية السياسية سواء أكانت شخصنة أم تفرداً، نم الواجب عليها، في صيغة تنظيمها، وصيغة عملها، لتحقيق أهدافها، أن تحقق هذه الحالة في كيانها، أو تجعله هدفاً حقيقياً ومرجعاً نقدياً حيوياً نقيس، بموجبه، مدى حيويتها في تحقيق أهدافها.

وهنا، فإن بعض الاستثناءات، التي تقتضيها احتمالات التشكل الفئوي، في أوساط محددة، ومراحل محددة، يمكن قبولها، ولكن، بشرط عدم غض النظر عن وجودها، وعدم استخدامها سوقاً للمزايدات والمتاجرات والانشقاقات، ولكن من يضمن عدم النكوص عن ذلك؟

الضمان يمكن أن يتم، من خلال مجمل البناء الاجتماعي الحيوي الثقافي والاقتصادي والعسكري والبيئي والسكاني والنفسي، الذي يجعل الجميع قادرين على رؤية (أنفسهم) ومصالحهم في (الآخرين) ويجعلهم يرون اختلافات (الآخرين) مجرد ألوان لظروف وجودهم –هم- أنفسهم، ويكون – أيضاً- من خلال إعطاء السيادة والكرامة، بشكل عملي واقعي للجميع ضمن، ميثاق حيوي ملزم للجميع دستورياً بعد قبوله من الأغلبية.



 

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |

 

(ج)

مشكلة الأقلية والأغلبية

والاتجاه الحيوي العربي الإسلامي

 

الإسلام هو وطن المسيحيين العرب

فهم الذين عربوا دواوينه وهم الذين

بنوا مساجده وشاركوا في فتوحاته"

(فارس الخوري) رئيس وزراء سوري سابق

 

أنا مسلم وطناً.. ومسيحي ديناً"

(مكرم عبيد)

سكرتير حزب الوفد من العشرينات

وحتى الأربعينات.. ورئيس الكتلة السعدية

يجب علينا بادئ ذي بدء أن نؤكد أن مفهوم الأقلية والأغلبية هو مفهوم أوروبي حديث، ويرتبط بنشوء الدول الإقليمية التي جزأها الاستعمار بقصد إيجاد وتنشيط صيغ فئوية متنافرة متناقضة قومياً وطائفياً وإقليمياً ومثل هذه الحالة، لم تكن شائعة حتى إلى المرحلة العثمانية.. إذ كانت الخلافة الإسلامية تشكل مركزاً ورمزاً للوحدة والترابط لمجموعة من القبائل والطوائف والأقوام تعيش كل منها في بيئة مغلقة على مصالحها، وتتحوى ضمن صيغ تجعل محيطها النفسي، هو المحيط الذي يشكل دارات التحوي الفردي. أما ما زاد عن حاجة العشيرة أو الطائفية أو القبلية فإنه بالضرورة سيمر بمركز السلطة المركزية عن طريق الولاة الإقليميين، وكان لكل طائفة عالمها الخاص، والأمر نفسه ينطبق على المسيحيين واليهود الذين كان لهم عالمهم الداخلي المغلق المصان بحكم قوة وهيمنة السلطان وسلطة التوحيد السياسي الإسلامي.

وبالطبع، فإن حالات الشغب والمنازعات والاعتراضات كان يمكن توقعها باستمرار، ولكن بوصفها أعمالاً خارجة عن القانون، وتستوجب المعاقبة من خلال أعوان الولاة المحليين الذين لم يكونوا غير رؤساء العشائر والطوائف والقبائل- أنفسهم- إلا في حالة عصيان ظاهر يتجلى بعدم دفع رئيس عشيرة معينة، أو طائفة ما عليه من صدقة، أو الزكاة أو الجزية أو المكوس التي يطلبها السلطان مقابل موافقته على لقب الباشا أو الأغا. الخ

وضمن دولة متسعة الأرجاء بشكل يزيد عن مساحة العالم العربي، بقيت الإمبراطورية العربية الإسلامية، تشكل فئوية موحدة وتتبع التعايش السلمي المحلي والإقليمي نسبياً إلى أواخر العهد العثماني، حيث بدأت الحملات الأوروبية لاقتسام تركة (الرجل المريض) ولكنه على أية حال كان إلى بداية القرن رجلاً وإن كان واهن القوى خائرها.

ولذلك، فإن مفهوم الأقلية لم ينشأ إلا حديثاً.. وبه يمكننا أن نجد في دولة، أية دولة، حتى لو كان سكانها من العرب والمسلمين وعلى مذهب واحد، عدة معايير، لخلق تمايزات وحساسيات بين أقلية وأغلبية سواء بالمعيار الجهوي الجغرافي، أو بمعيار الثروة أو بمعيار النفوذ السياسي أو بمعيار الكثرة والخصوبة، الديموغرافية، وبحسب سمات البدوية والحضر أو بحسب المهن أو بحسب التابعية والموالاة السياسية، أو بحسب اللهجات والموروثات الخاصة.. الخ.

ولهذا يمكن رؤية أشكال كثيرة من التمايزات حتى في حال وجود مذهب واحد وقومية واحدة، فكيف الحال؟ إذا كانت التجزئة تستهدف إغناء التناقضات ووضع التناحرات وتغذيتها، بحيث يكون كل امرئ.. قابل للشعور بأنه أقلية من نوع ما.. وبالتالي، يكون لديه بذور النقمة والتمرد على وضعه الاجتماعي، والتركيز على العوامل الداخلية في الخصومات والتناقضات إلى درجة الحرب الأهلية.

هذه هي حال العرب اليوم!! الذين يمكن النظر إليهم وفي كل قطر على حدة بوصفهم خليطاً متنافراً من اللهجات والعادات المختلفة، بين قرية وأخرى، بل بين كل بيت وآخر، فكيف الحال؟ بين مدينة وأخرى ووسط جغرافية وآخر؟ وطائفة وأخرى، وقومية وأخرى، ودين وآخر.. عندئذ سيبدو علاماً من التنافر لا تسوده أية سمات تجعل منه كياناً قابلاً للوحدة ولو صورياً.

وهذه التمايزات موجودة ومحسوسة ومبالغ في تضخيمها لأسباب يعود بعضها إلى زيادة الحساسية والضعف والهزائم التي تجعل كل منا يلقي اللوم والمسؤولية على الآخر. (ولنقص الثروات واختلاف النفوذ السياسي). حيث ترى أن الكل ضد الكل.

ولكن بنظرة أكثر هدوءاً وابعد عن حساسيات اللحظة الراهنة، يتضح أن لدينا وضعاً عربياً وإسلامياً على قدر هائل من الاتساق والوحدة لا مثيل له في العالم، من حيث واقع التماثل والوحدة من اللغة إلى العادات، إلى التاريخ بدءاً من 14 قرن إلى الآن.. رغم التباعد والتجزئة وضعف التواصل المعنوي والمادي، إذ أن وحدة اللغات واللغة والطموح ووحدة المحيط المعادي، جعل هوية هذه الأمة تتبلور بشكل استثنائي في التاريخ من حيث العمق والسرعة والشمول، ونحن بالطبع، لا نريد أن ننكر تراثنا الحيوي من الفئويات السابقة للإسلام، ولا نريد أن ننكر وجود فئويات غير عربية واسلامية حتى في التاريخ العربي و الاسلامي و لكن التلميح إلى أن الاختلاف في هوية هذه الفئويات، هو أقل بكثير مما بين ألمانيا وفرنسا، واقل مما هو بين فرنسا وبريطانيا، هذا ما نسميه الحيوية العربية الإسلامية؟ بوصفها قدرة توحيدية هائلة قابلة لأن تجعل غير العرب وغير المسلمين المقيمين في ديار العرب والمسلمين يفتخرون بحمل هويتنا الحيوية الأكبر من أن تتحنط في مصالح قومية ضيقة أو تعصب طائفي أعمى.

ولكن ما لنا نقدم الاتجاه الحيوي وكأنه لمسة سحرية.. ونضعه قبل كل كلمة أو بعدها لنأخذ معنى يمسح عنا كل دواعي الاعتراض من الآخرين؟ فما سر الحيوية العربية التي ستزيل عنها سمة الانحطاط والعنصرية والتخلف؟ وما هو سر الحيوية الإسلامية الذي سيجعل المسلمين يتخلون عن منطق الجوهر النافي والديالكتيكي الطائفي والقومي؟

وما هو سر الحيوية الذي سيجعل اليهود والمسيحيين والغرب والعالم أجمعين يصبحون فجأة حيويين.. ويتخلون عن كل آثار منطق الجوهر بكل مراحله وموروثاته؟

ترى ما الذي نعنيه بالحيوية هذه؟ هل نريد أن نرفع شعار سلام المسيح، لمن يضربنا على خدنا لندير له الأيسر أيضاً!!! أم ستساعدنا على كسب أعدائنا بالمحبة، أم أنها ستضيف لوناً رمادياً على الجميع لتزول الخلافات؟ فلا يبقى أبيض، أو اسود، ولا أحمر، ولا أصفر، ولا أخيار، ولا أشرار، ولا حامض ولا حلو!! بحيث يصبح عالماً تختفي منه الاختلافات.. يبعث على التقيؤ أكثر مما يثير الشهية.

للإجابة عن ذلك لا بأس من التوضيح أن الحيوية لا تعني مهادنة قوى الشر، والقصور. وأن الحيوية لا تبشر بنصر آلي ونهائي وأكثر من ذلك فإنها لا تؤدي إلى نفي الاختلافات ولا تعمل على محوها.

والاتجاه الحيوي العربي- الإسلامي لا يعني طمس الاختلافات كما لا يعني جعل العالم أجمع عرباً ومسلمين، ولا يعني حصر الناس أجمعين في حزب واحد ووحيد، بل إن ذلك يمكن أن يكون ضمن اتجاهات فئوية سياسية مختلفة، حيث تصبح مجموعة فئوية ما.. تتصف بالأقلية، تبعاً لنفوذها السياسي الجماهيري فقط!؟ ولاعتبارات حيوية سياسية فقط! وكذا الحال بالنسبة للأغلبية التي لن تنهض إلا وفق اعتبارات سياسية حيوية جماهيرية فقط!

ولكن، لنفرض أن غير العرب وغير المسلمين، أرادوا تشكيل فئوية سياسية فهل هذا ممنوع؟!

الإجابة هي بالنفي، ويمكن لهم إيجاد أحزاب فئوية خاصة بهم، ويمكن لهم بواسطتها استقطاب شخصناتهم ولكن ستكون الشخصنة الأكبر العربية الإسلامية أقدر على احتوائهم، ولذلك فإن وجودهم لا يخيف، كما أن عدم وجودهم لا يزيل اشكالات الأمة ومن المفيد أن يتعرف الرأي العام توجهاتهم ودوافعهم البريئة والبعيدة عن عقلية التآمر.

إن العروبة كما ذكرنا ليست قيمة حيوية بذاتها ولذاتها، بل هي منطق ووطن وتيار، والإسلام ليس قيمة حيوية نظرية مجردة فقط، بل هو منطق مستلهم من (أم الكتاب) وموجودة أسسه الحيوية في (اللوح المحفوظ) بوصفه المنطق الحيوي للكون وقانونه.. أيضاً وأولاً فقه مصالح مرسلة عبر 14 قرن لأكثر من مليار مسلم حالياً، والمبادرة الحيوية يجب أن تنهض بمسؤولية هذا الاتجاه الحيوي في ديار العرب والمسلمين لتتحوي مختلف ديارهم ومصالحهم الأكثر حيوية.

وعلى هذه الأرضية يمكن إتاحة أكبر مجال للتنوع والتعددية في صيغ الوجود الفئوي: أحزاب، جمعيات، نقابات إنطلاقاً من وحدة الاتجاه العام الذي يؤكد الوحدة من خلال التعددية التي تعمقها وتغذيها.

ولكن، قد ترتفع أصوات داعية لتكوين دويلات فئوية، أقلية من بعضهم سينادي بدويلات علمانية ولا أثر للدين والإسلام فيها!! فما العمل؟! من المؤكد أن لا أحد يستطيع أن ينفرد لوحده بدوله خاصة به ولا أحد يحبذ الانفصال. كما أن أحداً لا يقبل أن يكون للقوى المعادية دور في التحريض والتفريط.. إلا أن رفض ذلك لا يحل المشكلة التي لا يمكن أن تظهر أصلاً إلا بسبب شعور (ما) بأن جماعة ما تعيش وضعاً مضطهداً من حيث المصالح الثقافية أو الاقتصادية أو النفسية أو السياسية، وفي هذه الحالة يجب أن تبذل الجهود لحل هذه الإشكالات أولاً، ففيها تحارب ركائز الخصم فينا، ونواجه مصدراً هاماً للنزاعات.

وبالطبع، فإن هذه القضية الحيوية، لا يمكن التقدم في تحقيقها، إلا ضمن صيغ تحوي عربي- إسلامي قادر على مواجهة المشكلات الناجمة عن الاختلاف في الانتماء الفئوي الموروث.. وخاصة ما يعرف بقضية الأقليات باتجاه تكوين أغلبية سياسية حيوية تتجاوز المنطق النافي الديالكتيكي النافي للآخرين.

ولذلك فإن هذه الحيوية تعني إعطاء الأغلبية والأقلية بعداً سياسياً حيوياً فقط.. وعلى هذا الأساس يمكن لنا من جديد فهم البعد السياسي في الموروث الفئوي للأغلبية والأقليات حتى في صيغها الدينية والقومية والطائفية.. وبالتالي فإننا نصبح أقدر على فهم أنفسنا، من خلال القدرة على قيادة أنفسنا وفق اتجاه حيوي يعيد ترتيب الصيغ الفئوية الموروثة، فيحولها من منطق الجوهر النافي الديالكتيكي إلى المنطق الحيوي، مع الاحتفاظ بكل السمات الإيجابية الحيوية لمرحلة منطق الجوهر النافي الديالكتيكي إلى المنطق الحيوي مع الاحتفاظ بكل السمات الإيجابية الحيوية لمرحلة منطق جوهر التعايش الصوري العربي الإسلامي للقرون الإسلامية الأولى.

ولكن المشكلة الأكبر، ليست الأقليات المضطهدة والمغلوبة والفقيرة والضعيفة، فهذه لا تختلف في واقعها اليوم عن واقع الأغلبية العظمى، ويمكن فهم دوافعها ويمكن ضمان تحقيق انفراج في أزماتها مع نهوض الأمة كلاً.

أما المشكلة، فهي في وجود وسيطرة الأقليات الغنية الظالمة المتسلطة.. المرتبطة ارتباطاً عضوياً بمصالح قوى الهيمنة، والتي ترفض أن تعيش كباقي الناس، بيننا، على السراء والضراء، وقد يظن القارئ أن الإجابة ستشير إلى وجود هؤلاء بين المسيحيين واليهود أو البهائيين أو بعض الأقليات القومية والإسلامية، وهذه الإجابة ليست خاطئة كلياً، لأن مثل هذه الاتجاهات الفئوية المنغلقة على مصالح أحادية ضيقة، موجودة، بالفعل، بين هؤلاء، إلا أن المشكلة الكبرى، تبقى في الإجابة، التي تشير إلى تلك الأقليات السياسية التي تحكم معظم الأنظمة العربية، وهؤلاء حتى لو كان لهم لون معظم الناس قومياً ودينياً وقبلياً وطائفياً، إلا أنهم، في الحقيقة، يعيشون كما لو كانوا (أمة خاصة) بين الناس، لا ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم؟! هذه الأقلية هي الخطر الأكبر على الأمة.

وهؤلاء هم الذين يدفعون بالأقليات للنفور والنشاز وذلك باعتمادهم في معظم الأحيان خطاباً غوغائياً لإثارة العصبيات التي تدغدغ عامة الناس.. إثارة مبالغاً فيها، لا يشعر بوطأتها وزيفها أبناء الأغلبية المخدرون بها، في كثير من الأحيان، بقدر شعور أبناء الأقليات، التي تشكل بؤراً لمعارضة النظام، وجماعة الحكم فيه، بوصفها أقلية تعيش وضعاً جوهرياً متسلطاً دون وجه حق أو مبررات غير تمرير المخططات الإمبريالية.

والمشكلات الناجمة عن التيارات الفئوية للأقليات.. سواء أكانت تصدر فعلاً عن أقليات دينية أم قومية، أم من أقليات سياسية، فإنها ترتبط أساساً بحدود التجزئة المفروضة! من قوى الهيمنة. وبمصالح هذه القوى في إثارة الإشكالات التي تسمح بإبقائنا ضمن حالة التفتيت والانحطاط.. والتبعية.. وإلا، فلماذا يساند الغرب قضايا الأقليات في العالم الثالث؟! ولماذا يقمعها عنده؟! لماذا تحارب بريطانيا الأردنيين؟ وتشجع الأكراد في العراق؟!، لماذا تشجع فرنسا الأقلية المارونية في لبنان؟ وتقمع التطلعات الاستقلالية في (الكورس) و(كالدونيا)؟ ولماذا لا تسعى أمريكا، حالياً إلى إيجاد منطقة حماية للفلسطينيين في الأراضي التي تعترف أمريكا رسمياً بأنها محتلة؟! إذاً مشكلة الأقليات لها بعد يتعلق بمصالح قوى الهيمنة الدولية، وذلك ليس محبة بالأقليات ولا تعاطفاً مع مصالحها المشروعة، بل لخدمة مصالح قوى الهيمنة.

والأقليات التي ترتبط في ظهورها واستمرارها بمصالح قوى الهيمنة الدولية سواء أكانت أقليات قومية أو دينية أو سياسية لا تلقى الدعم الخارجي محبة بل مصلحة!! وهذا يعني أنها سترمي في سلة المهملات، في اللحظة التي تصبح فيها غير مفيدة، لقوى الهيمنة الدولية أو الإقليمية.

أما الأوجه الأخرى لمشكلة الأقليات التي ترتبط بحدود التجزئة  المفروضة من قبل قوى الهيمنة لإيجاد كيانات مصطنعة متناقضة تحمل بذور الحرب الأهلية.

فعلى سبيل المثال، لنلاحظ ما يجري في العراق في الشرائح السنية، فالأغلبية السنية العراقية ليست كلها، عربية، بل تتضمن فئات كردية وتركمانية.. والسنة العراقية بعربهم وكردهم وتركمانهم، يشكلون أقلية إسلامية، بالنسبة للأغلبية الشيعية العراقية. والتي هي بدورها، أي الشيعة.. ليسوا عرباً بكليتهم!!

وأكثر من هذا وذاك.. فإن نظام الحكم القائم على الحزب الواحد هو في النهاية حكم الرجل الأقوى والمقربين منه، وهذا يعني أن السلطة بيد الأقلية، ليس بالنسبة للطوائف والقوميات الموجودة في العراق فقط، بل أيضاً بالنسبة لحزب البعث نفسه، وهذه الحالة أصبحت مفهومة لدينا، كما رأينا سابقاً، ولم نغفل عن ذكر السياق الاجتماعي الذي يساعد على ظهورها واستمرارها، بل لم ننس أن نذكر إيجابياتها في مراحل معينة وظروف محددة.

ولكن المغزى من السؤال- ليس هنا- بل هو في إطار العراق نفسه، فالعربي المسلم السني لا يشعر بأنه يمثل أقلية في العراق، لأن العراق جزء من الوطن العربي، حيث الغالبية هم من العرب، والإسلام السنة، والأوساط الاجتماعية العربية السنية تساعد على ظهور حركات قومية تتجاوز الإطار الإقليمي باتجاه الوطن العربي، ومثل هذه الحركات هي النزوع الطبيعي، والقدر المحتوم، لهذه الأوساط في الأحوال العادية، التي لا يوجد فيها ضغوط وظروف عاكسة، كما أن الشيعة العراقية- بسبب ضغوط قوى الشخصنة السنية التي تكفرها.. لاختلاف في الطقوس والتاريخ تجد نفسها أقرب إلى إيران من الناحية الدينية واقرب إلى العرب من الناحية القومية! لذلك فإنها تشهد حركات تتأرجح بين الاتجاه العربي والاتجاه الإسلامي.. ولنفترض أن هناك أقلية في العراق، فهي ليست أقلية على المستوى العربي الإسلامي.. لأن الثقافة العربية والإسلامية محور الشخصنة الشيعية والسنية سواء أكانت في العراق، أو في إيران أم في مصر أم في تركيا.

لذلك فإن مشكلة الأقليات يمكن أن نجد لها حلها الأسلم ضمن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، ليس لإعلاء العروبة، بشكل مصطنع، ولا لتمجيد الإسلام بشكل فارغ، بل لأن هذا المحور يشكل بالفعل- ضمن تلوينات مختلفة- الإطار العام في ديار العرب والمسلمين. والحالة نفسها نجدها في المغرب، حيث العرب يمكن أن يكونوا أقلية، ولكن العربي لا ينظر إلى حدود المغرب نفسه، بل إلى حدود الوطن العربي كلاً.. ومعه كل الحق في هذه الرؤية!! ليس لتجاوز الشخصية البربرية أو لطمس حقوقها الثقافية الإنسانية التي لا تتعارض مع الشخصية العربية، بأي شكل من الأشكال، بل لتأكيد هوية (الذات) الثقافية الأقرب إلى الإسلام تاريخياً واجتماعياً وسياسياً، وهذه الهوية (الذاتية) العربية لها مصلحة واضحة في التعايش مع البربر لإحباط مخططات قوى الهيمنة التي تستهدف العرب والبربر، على السواء، كما أنها تستهدف الشيعة والسنة على السواء، وتستهدف العرب والفرس والترك أيضاً، فالآخر الاستعماري لا يميز بين العرب من هو مسيحي أو مسلم؟ إلا بحدود مصالحه الضيقة الآنية الذرائعية.. وإلا فلماذا يدعم اليهود في فلسطين ضد الفلسطينيين (المسيحيين والمسلمين) على حد سواء.

ولذلك، فإن موضوع الأقليات بحاجة إلى مقاربة أخرى لاحتواء أزماته.. والفئوية الحيوية العربية الإسلامية، هي وحدها، التي يمكنها أن تحول هذه المشكلة إلى عامل غني ووحدة بدلاً من كونها عامل تفريق وتبغيض وتكريس للانحطاط والتبعية.

كما أن معالجة الأقليات من خلال الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، يسهل انتقال المشكلة، إلى مستوى سياسي بحيث لا تكون الأغلبية أو الأقلية قائمة على روابط عضوية، بل على رؤية سياسية.. قابلة للتحول من أغلبية إلى أقلية وبالعكس، وتحتوي شرائح اجتماعية متنوعة الانتماءات وموحدة الالتزام. وضمن هذا المفهوم السياسي للأغلبية والأقلية يمكن حل كل القضايا المتعلقة بالتنوع الفئوي.

فعلى المستوى السياسي الرسمي، لا يمكن أن يكون هناك رؤساء ووزراء ومدراء بقدر عدد السكان وهذا غير مطلوب. ولكن المطلوب جعل الجميع يشعرون بأن من في الحكم يعبرون عن مصالحهم العامة.

إذا كان لا بد في النهاية من وجود نسبة قليلة هي التي تقوم بتسيير دفة الحكم، فإن المشكلة ليست هنا، بل المشكلة في المصالح التي تدير وتوجه الحكم إلى تحقيقها داخلياً وخارجياً.

من هذا المنطلق.. فإن التنوع الفئوي مفيد وليس فيه ما يضر مهما كان شكله!! ما دام سيفضي في النهاية إلى اتفاق حول ما يمكن جعله محوراً لأغلبية سياسية حيوية وتقرر حكومة لإدارة الشؤون الحيوية للجميع، لمدة محددة وأهداف مقرة من الجماهير بانتخابات حرة!!

ولنأخذ قضية الأكراد في (العراق وتركيا وسوريا وإيران)، فهم يعانون بالفعل من تمايز عنصري، بشكل أو بآخر، هنا وهناك يحرمهم من (دولة قومية) كالتي يتمتع بها غيرهم، وبالتأكيد فإن الاتجاهات الانفصالية السائدة فيهم تحوي الكثير من المصالح الاستعمارية والتفتيتية.

ولكن ولو كان هؤلاء في سياق حيوي يوحد سياسياً هذه البلدان وبالتالي يزيل الخطاب القومي الشوفيني المتمايز عنصرياً عن الآخرين والنافي الديالكتيكياً لهم ترى: أفلن يكون ذلك عاملاً مساعداً لتخلصهم من عقدة الدونية والنقص؟ ألن يكون ذلك حافزاً على الاشتراك في الحياة السياسية للمنطقة، ومحرضاً على المساهمة في تكريس المصالح الحيوية العامة للعرب والمسلمين بوصفها- أيضاً- مصالح حيوية كردية أيضاً.

ولذلك فإن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، يصلح لتجاوز إشكالات خطيرة مؤذية ومؤلمة، نعيشها في شتى الأقطار العربية والإسلامية، ويمكننا من حلها بأفضل مما يتم في الغرب.

وبالطبع فإن ذلك يجب ألا يأتي فرضاً أو تعسفاً، بل يكون من خلال تكوين رأي عام حيوي موجه باتجاه مصالح واضحة مقبولة من الأغلبية العربية الإسلامية!!

إن افضل ما نتوخاه، في هذا المجال، من الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي هو القدرة على رؤية (الآخر) ومصالحه المشروعة بالوقت نفسه، الذي نستطيع فيه أن نرى (أنفسنا) رؤية لا تشوهها مفردات ومزايا العقلية الأحادية، التي تجعلنا نرى (أنفسنا) مضخمين وطاهرين، بينما نرى الآخرين مقعرين ومقزمين وأنجاساً ملعونين.

والمطلوب رؤية حيوية بديلة تجعلنا نرى (الآخرين) في أنفسنا، وأنفسنا في الآخرين، والآخرون المقصودون- هنا- ليسوا الغربيين، بل هم الذين يعيشون بيننا وينتمون إلى ديارنا، وفي صيغة التعايش الفئوي كأقليات، وهنا لن نتطرق بشكل مفصل لهذه المشكلة ويحسن بنا تحويل القارئ إلى كتابنا (المنطق الحيوي)، ليقرأ ما كتبناه في هذا الموضوع، وليجد أن الانتماء إلى أقلية أو أغلبية لا يمثل إدانة أو وساماً، كما أن ذلك لا يتم باختيار فردي، أو خارج عن القانون الحيوي، بل يتم ذلك ضمن اختيار جماعي، تلعب- فيه رموز الجماعة وتاريخها، والانحدار بالولادة منها، والعيش معها، ونفسيتها، والضغوط المحيطة بها، أدواراً مؤثرة في مصيرها بشكل قد يجعلها تتأرجح بين رأس القمة وقعر الوادي.

ولذلك يتوجب أن نخصص وقتاً وجهداً حيوياً، نظرياً وسياسياً لاستفادة مما تمثله الأقليات من دروس تاريخية على المستوى الثقافي والعقائدي والسياسي، كيف ظهرت؟ وكيف استطاعت الاستمرار؟ وكيف يمكن أن نستفيد من الجوانب الإيجابية في تجربتها؟! وذلك باستبعاد صيغ الاتهام المسبق باليهودية والصهيونية، إذ من المعروف أن الشخصنة الإسلامية، تصور أن الأقليات هي دسائس اليهود لهدم الإسلام من الداخل..

والملاحظ في هذه العقلية هو أنها وبكل بساطة عقلية كاريكاتورية فضائحية تبسط الأمر لأن عقليتها ومصالحها الاجتماعية تملي عليها اتباع الطريق الذي يجعل من هذه الأقليات مصدراً لاسترزاق والاستثمار المتعدد الأوجه، وذلك بالدعوة لمحاربتها، أو محاصرتها، أو تكليفها بالأعمال القذرة والتباري في إظهار غيرة الدين ضدها!! وهو أمر لا يكلف شيئاً غير تهييج الناس وهم الأكثرية على خوض معركة الانتصار فيها مضمون ضد هذه الأقلية اليائسة المقهورة الفقيرة المعزولة!! والتاريخ القديم والحديث مليء بهذه الأمثلة.

وهذه الحالة من الضغط والإرهاب هي، بذاتها، تجعل عوامل الانغلاق الداخلي أكبر لدى هذه الأقليات ويجعلها تشك في وجود إمكانية للخروج من هذه العزلة!! وبما أنها مفروضة فلتكن ولنسع إلى الانفصال!َ لتكون لنا دول نعيش فيها بكرامتنا ودون شعور بالخوف أو الذل، وإذا كان الاستعمار سيستفيد من الانفصال ليكن!! فالاستعمار أرحم!! وهذه الحالة من التبرير للانفصال يمكن أن تتم ضمن الطائفة الواحدة والقومية الواحدة كما جرى في الانفصال السوري عن مصر، حيث كانت التبريرات، أن المصريين أكلوا الأخضر واليابس، وأن المصريين يعاملون السوريين بفوقية وعقلية فرعونية أقسى ألف مرة من عقلية الاستعمار الغربي (وبما أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة) فإن تبرير الانفصال والانعزال بدويلات كرتونية يمكن أن يحدث باستمرار بوصفه ردود فعل متشجنة، فالإرهاب يولد الإرهاب، والنقمة تولد الحقد والانتقام!! وهذه الحالة من الصراع الانتحاري، كفيلة بإدامة نمط وجود الأقليات إلى قرون أخرى، وذلك لأن تراث جيل من الأجيال قد يبقى حياً، على الأقل، أي ما بعد أربعة أجيال!! ويحتفظ بقدرته على الانتقال في الذاكرة الجماعية، إلى عدة قرون، حتى دون وجود وثائق مكتوبة!! إلى عدة قرون، وهذا التراث المرير يجد مصداقيته باستمرار في أنماط رد فعل الأغلبية!!

ولا مجال لأي حوار على مستوى الدعاوى النظرية التي تبرر بها كل فئة وجودها ووجود الآخرين، لأن هذه الدعاوى بكل بساطة هي دعاوى متحيزة، فكرة تبريرة تمليها ضرورات الصراع!! وهذا لا يعني انعدام وجود وقائع موضوعية، يستند إليها الصراع! إنما يعني أن معالجة تلك الوقائع كان في أحد جوانبه، وعند أحد الطرفين، على الأقل، وفي وقت محدد، ابعد ما يكون عن النزاهة والموضوعية، ومثل هذه المواقف متبادلة باستمرار! لأن ضرورات الصراع سرعان ما تؤدي بالفعل إلى تحالفات جديدة، الأمر الذي يعزز المخاوف المسبقة لكل طرف.

ولحسن الحظ فإن التاريخ المعاصر يعطينا مثالاً واحداً يسفه مرة واحدة، كل المنطق الذي يقول إن اليهود هم وراء كل الأقليات والفرق الإسلامية أو المسيحية!! فاليهود استطاعوا إيجاد دولة علنية لهم في قلب الوطن العربي، وأعلنت هذه الدولة اليهودية الحرب العلنية على كل الطموحات المشروعة للجماهير العربية والإسلامية!! الأمر الذي جعل الظاهرة اليهودية تدخل من جديد في حلقة انتحارية ضد نفسها أولاً.

          واستطاعت هذه الدولة اليهودية العنصرية العدوانية المتعاونة- علناً- مع مخططات الاستعمار العالمي، أن تقهر إرادة عدة دول عربية وخلال أقل من ثلاثين عاماً يمكننا ملاحظة أن معظم الحكومات العربية المتعاقبة في العالم العربي الإسلامي كانت متواطئة بشكل أو بأخر مع المصالح الصهيونية!! وهؤلاء الحكام في معظمهم ينتمون إلى الأغلبية بحيث يجوز التساؤل هنا أيا كان يعمل لصالح الصهيونية، الأغلبية أم الأقلية؟ ثم لماذا نتهم الأقليات باليهودية المبطنة، مع أن اليهودية المعلنة كان معترفاً بها على مر التاريخ الإسلامي، حيث لم تحدث مجزرة واحدة ضد اليهود كيهود أو المسيحيين كمسيحيين!! والمجازر كانت كلها ضد الأقليات الإسلامية!! ترى؟ ألم يكن من المنطقي التوجه مباشرة إلى راس الأفعى! ما دامت هي راس الداء، والعقلية التآمرية التي تضع اليهود وراء كل فتنة على الأرض متفشية فقط في الأديان التي نقلت عن اليهودية كل شيء: من فكرة التوحيد، إلى طقوس الختان وتحريم لحم الخنزير والحجاب، وربط الدين بشؤون السياسة والاعتقاد بمشروعية احتكار حاكمية الله وبقصة آدم والأنبياء الإبراهيميين جمعياً، بحيث لا يوجد بيت مسيحي أو إسلامي إلا وفيه اسم من اصل يهودي، وفكرة من أصل يهودي، ومع ذلك فإن كل كتل المسيحية والإسلام تتهم غيرها بوصفها دسيسة يهودية، ترى هل حقاً اليهود هم بهذه العظمة والحيوية؟! ليؤثروا- وهم في العالم كله لا يزيدون عن (15) مليوناً فقط!!- بمصير المليارات، إنه إذن توفيق رب العالمين لهم، وخذلانه لأعدائهم لو تعلمون!!

 


الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |

 

 (د)

التعددية السياسية في الميثاق الحيوي

والمخرج الحيوي من مأزق العقلية الاتهامية التآمرية هو السعي إلى بلورة أغلبية باتجاه حيوي عربي إسلامي متعددة في صيغ تعبيرها الفئوي السياسي، بحيث يصبح مفهوم الأغلبية والأقلية مفهوماً سياسياً فقط، ترى أليست الطوائف الإسلامية- أساساً- هي أحزاب سياسية موروثة من قرون الانحطاط؟!

وعندما يصبح الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي معيشاً بصفته رأياً عاماً موجهاً على المستوى السياسي أو باعتباره ميثاقاً، ترضى به الأغلبية، عندئذ فإن وجود فئويات مختلفة لا يشكل تهديداً بمقدار ما يشكل تحريضاً على تجذيره ومراجعته بشكل قادر على تلبية المصالح المشروعة حتى للمختلفين معه لأسباب مشروعة وبريئة وقانونية.

وضمن هذا الاتجاه الفئوي يمكن أن نتوقع قيام اتجاهين عامين انطلاقاً من هوية حيوية عربية إسلامية:

الاتجاه الفئوي الأول: هو (اتجاه (قوى الشخصنة) التي تجسد الموروث الاجتماعي وتغلقه.

الاتجاه الفئوي الثاني: هو الذي يرفض الموروث الاجتماعي بوصفه انحطاطياً، ويسعى للتجديد وهؤلاء (قوى التفرد).

إن الاتجاه الفئوي الثاني الممكن، هو اتجاه قوى التفرد، فإنه على العكس من ذلك يضم النزعات التجديدية، ويتميز بالسعي لتجاوز الموروث السائد والزعامات التقليدية، وهذا الاتجاه سيغلب عليه طابع الشباب والمتحمسين لخروج سريع، وانعطافة فورية وكلية نحو التغيير النهوضي، وهذه الشرائح يمكن أن توجد بين المهاجرين من الريف إلى المدن، أو بين الذي يعيشون أوضاعاً مضغوطة من قبل قوى الشخصنة، وينضم إلى هؤلاء بشكل عام، شرائح من الفئات التي تجد حدود موروثها الاجتماعي والنفسي، يسبب الضيق والعزلة والحصر ضمن هويات لا تسهل المرور والتفاعل الاجتماعي.

وبالطبع فإن قطاع المبدعين يشكل مجالاً خصباً لاتجاه قوى التفرد، خاصة بين الفنانين والشعراء والكتاب والمثقفين، لأن التجديد هو هاجس الإبداع في كل العصور، وهو هاجس ثقافي يسعى عبر الثورة الثقافية، إنجاز ثورة في الواقع!! وإذا كانت هذه الفئة لا تشكل قطاعاً جماهيرياً كبيراً، فإن لها نفوذاً شعبياً يخترق التعينات والشرائح التقليدية ويمكن لها أن تشكل بشكل حاسم في تيارات الرأي العام بمختلف اتجاهاتها.

ولكن الشريحة الأهم والأكثر قابلية للانضواء ضمن اتجاه قوى التفرد هي فئة الطلبة الشباب، ففي هذه الشرائح نجد الاستعداد للتضحية والتجديد والانفتاح الذي يصل إلى ذروة خطه البياني، في عمر الإنسان.

ويمكن في حالة وجود أراض محتلة، وجيش وطني ينهض إلى حمل مسؤولية التحرير لهذه الأراضي، فإنه يمكننا- والحالة هذه- أن نضيف الجيش إلى هذه الفئات لأن نظامها المهني يجعلها قوى جاهزة للتضحية في سبيل تحرير الوطن ووضعها النفسي بوضعية الاستعداد للتضحية يجعلها- أيضاً- أكثر تهيؤاً لتجاوز الانغلاق والانطواء، ولكن بروح تكتيكية تضمن تقليل الخسائر وتحقيق النصر بأقصر الطرق!! ولم لا؟ فهذا عملها إن أجادته؟! وللأسف فإن جيوشنا التي تضم خيرة الباحثين عن التغيير امتلكت الخبرة اللازمة لعزل وتسريح وإبعاد وتهميش وطرد العناصر الأكثر حيوية فيها بدءاً بالرتب الصغيرة، ولذلك كلما ارتفعت الرتبة العسكرية أصبح ذلك يعني البعد أكثر عن هموم التغيير والغرق في هموم المنصب والجاه والراحة، ولذلك فإن كل الضباط الذين شاركوا بفاعلية في حركات انقلابية ثورية كانوا ضباطاً صغاراً وهؤلاء أنفسهم لو انتظروا فترة أطول لما غامروا وعرضوا أنفسهم للموت في سبيل أهدافهم.

ولقد توقفت لحظة عند العسكريين لا لنتحسر عليهم، ولا أملاً في مساعدتهم في إيجاد فئويات سياسية تعتمد الجيش والمليشيات العسكرية، بل لنقول إن مثل هذا الاحتمال، لا يمكن قبوله إلا في ظل أوضاع يشارك فيها الجيش بمعركة تحرير وطني، وفي هذه الحالة فإن المشاركة السياسية الممكنة من العناصر العسكرية المتطوعة للقتال والتضحية تكون حيوية بمقدار مساهمتها في جعل الساحة السياسية مفتوحة لصيغ التعبير الديمقراطي الذي يجعل الجيش ينفذ أهدافاً مقبولة من الأغلبية السياسية وليس أهدافاً حزبية ضيقة.

وفي حين يمكن إيجاد فكرة سهلة التحضير نسبياً لتضم قوى الشخصنة وترسم أهدافها ونظامها، فإن قوى التفرد لا تستطيع بسهولة، الاتفاق فيما بينها على فكرنة موجودة وفاعلة.

وفي مجال الشخصنة تكون الرموز التوفيقية المقدمة معيشة، وسهلة التذكير، والتعميم وسهلة الإقناع، فهو موروثها المعيش بشكل أو بآخر.

أما قوى التفرد فإن الصعوبات تنجم عن صورة المستقبل المنشود، وعن صورة الوسائل والصعوبة تكمن في أن الفكرنات المستقبلية التجديدية تحتاج إلى صورة، ورؤية براقة للمستقبل، وهذه إما أن تستعار من الماضي السحيق، وإما أن تنسج من الخيال.

وصور الماضي، هي التي بقي لنا منها المظاهر الإيجابية، ولكن هذه القيم يمكن أن تكون أرضاً مشتركة مع قوى الشخصنة، التي ترضى بتقديس هذه المراحل التي مرت في الماضي!! وبالتالي فإن الأمر قد يجرها إلى منزلقات الانضواء تحت قيادة قوى الشخصنة، أما صور المستقبل المنسوجة من الخيال، فهي تقوم على مستقبل يزول فيه الظلم والضعف والعقم والفاقة ويصبح كل شيء جميلاً على وجه الأرض.

وفكرنات قوى التفرد الباحثة عن استعادة نموذجها من الماضي الذهبي وتلك التي تبحث عن نموذج مستقبلي جديد كلياً وتحقيق الجنة على الأرض، كلاهما سيعاني من أزمة المصداقية!! التي تجعل الماضي الذهبي قابلاً للإعادة أو أن الجنة قابلة للإحلال على الأرض والمصاعب الممكنة في حالة هذه الفكرنات، هو أن تؤدي إلى مقاطعة فكرنات الشخصنة، وعدم الاستفادة من فاعليتها وإلا فإنها بكل بساطة ستصبح تقليدية وتكرس الواقع الذي ترفضه.

من هنا، تنبع صعوبة فكرنة قوى التفرد، ولذلك فإن عليها استخدام تقنيات جديدة تستند إلى معطيات العلم، ومتطلبات العصر لتثبت أن قوى الشخصنة تفهم الموروث فهماً محنطاً صنمياً، وأن الحقيقة هي شيء آخر!!؟ أو أنها تؤكد أن العلم والعصر يفتحان معطيات لتجاوز الماضي كلياً، وأن من لا يسير في هذا الاتجاه فإنه سيتحول إلى مستحاثة أثرية أو سيكون ضد الحياة!!

وصعوبة فكرة قوى التفرد لا تقف عند صيغ النفي والتشكيك الموجه إلى عملها. بل تتعدى ذلك إلى الأصول التنظيمية والسياسية التي تفرض الصيغ التقليدية وتحتاج إلى صيغ جديدة تتناسب وطموحاتها، وهذه الصعوبة لا تواجهها قوى الشخصنة، لأن قيمها التنظيمية تقوم على تقاليد معروفة، فالكبير يأمر الصغير والغني يأمر الفقير، وابن البكر يحمل الراية والأسرة المعروفة بزعامتها هي التي تهيمن؟! والطموح لا يتعدى إعادة ترتيب الواقع بحيث تشذب الأخطاء وتغلق الأبواب أمام (صعاليك) قوى التفرد؟! ولا تحتاج في صيغة عملها إلى السرية إلا في لحظات محددة، ومسائل محددة وهذا، على عكس، قوى التفرد التي تحتاج إلى صيغ تنظيمية غير تقليدية وتدعو إلى تغيير الواقع جذرياً.

وبالطبع فإن قوى متطرفة في اتجاهات الشخصنة والتفرد يمكن أن تظهر في حال تعرضهما لصعوبات لا تحل بالطرق العادية، عندئذ سنرى أن رموز العنف (كالقبضة) والشعلة والسيف والزوبعة والبلطة والكف الأسود أو الأحمر.. الخ تجد طريقها إلى فكرنات المتطرفين، في قوى الشخصنة والتفرد، على السواء، حيث يصبح الاقتتال بين فئات الاتجاه الواحد دموياً لأدنى اختلاف، وهذه الصيغة لقوى الشخصنة والتفرد هي التي تسود العالم العربي الإسلامي وتتجلى بعقلية أحادية عاجزة عن إيجاد أرضية مشتركة.

ونحن – هنا- لا نطالب بأرضية مشتركة تمحو الاختلافات، بل نريد تشجيع الاختلاف والتنوع والبحث عن تنوع وتعدد البدائل على أرضية المصالح المشتركة، وضمن الاتجاه الحيوي العربي الإسلامي، يمكن إيجاد قاعدة مشتركة لانطلاق تيارين فئويين كبيرين:

يمثل الأول: قوى الشخصنة، ويمثل الثاني: قوى التفرد.

وعندما نق