تقديرات الأستاذ رينه شيرر

 

ينطلق السيد النقري من التأكيد لوجود الأزمة العميقة التي يعاني منها الفكر العربي المعاصر عامة ، والسوري خاصة ، حيث يكابد الفكر السوري على صعيد التعليم الفلسفي ، من غرس بذور الماركسية السوفياتية والدغمائية ، وتترجم هذه الأزمة بتوتر بين أيديولوجيات مختلفة ، قومية ، ماركسية ، دينية تقليدية . تتنافر هذه  الأيدولوجيات أو تسعى إلى الاتحاد ، ، وبلا شك أسهمت كل واحدة منها على حدة في بعث ونهضة فكر عربي ،، لكنها ، وهي متأثرة بما تلهمها أرثوذكيتها ، وصلابتها ، اتخذت لذاتها " نماذج " غير قابلة للتوفيق ، وأصبحت سبباً في توليد سوء الفهم والنزاع ، الأمر الذي يعبر عن الواقع السياسي .

   وتؤكد الأطروحة على العودة إلى الارتقاء إلى مبدأ عام موجه وموحد يسمح بفهم الحركة الاجتماعية في العالم كله وحركة العالم العربي والاسلامي ضمناً .

   وتحت اسم الحيوية يعرفنا المؤلف بالقدرة والخبرة المبدعة في كل شئ ، ويجعل من المبدأ الحيوي تصوراً حقيقياً قابلاً للتطبيق على نحو شامل ، وبدون فهمه يظل كل فكر غير فعال ، أو يصبح لا قيمة له ويرتبط هذا الضوء ( المفهوم الحيوي ) وكذلك نتائجه المنطقية أو ما يلزم عنه بالغة العربية وفكرها ، ويبنى هذا الفهوم عليهما ، وذلك في خصوصية وشمولية بآن واحد وفي شرحه وتعميمه الكاملين ، يعمل السيد النقري على تحديد تعريف قانون حقيقي واقعي للكون ، يتصل على نحو فلسفي ، بتحديد الكينونة وفق مقولات خمس أو معالم أساسية . وذلك بمقدار ما تستطيعه الكلمات من تحديده وهي ( الشكل ) ( الحركة  ) ( الصيرورة ) ( الاحتمالية ) ( النسبية ) . وهذا المفهوم قبل أي شئ آخر ، ليس جوهرياً بل ومضاداً للجوهر ، ومضاداً للحتمية ، ويستقي صفاته ومزاياه من ديناميكية وحيوية مبدعين

   ويعارض هذا المفهوم بشكل خاص ، تامظهر الجامد للمادية الديالكتيكية ، كما تعمل في البلدان الخاضعة للإتحاد السوفياتي ، وفق وجهة النظر هذه ، ،، يشتمل القسم الأكبر من أطروحة السيد النقري ، على إظهار الماركسية لا تتلازم مع الفكر العربي ، ومع مستقبل العالم العربي ومع مستقبل العالم الاسلامي .

   والحيوية تعارض أيضاً التعصب الديني والقومي الذي يخون بحسب رأي المؤلف الدافع الأساسي للإسلام والهامه عبر التاريخ .

   أما الاتجاهات التي يبدو أن السيد النقري يقترب منه فهي الصوفية ، والفكر الشيعي دون أن يكون قد تأثر بمدرسة أو مذهب محدد وقائم .

وصف الطروحة :

   تتألف من مقدمة نظرية تعارض مفهومات العالم والتاريخ ، وعلم الإجتماع ذات التوجهات والالهام الغربي والماركسي بشكل خاص (( وفق ما قدمت الماركسية عقب الثورات السياسية في بعض البلدان الاسلامية )) .

هذه المفهومات التي تتعارض بشكل خاص مع المبدأ الحيوي ومع القوى المبدعة التي يمثلها هذا المبدأ والقوى الفاعلة التي يقاومها . وثمة إشارة تعطي المعنى وتحدد المجال للإستعمال الخاص لتطبيق المفاهيم الحيوية

 

والمصطلحات التي تبقى في شكلها العربي (Hayawi)( لعدم إمكان أو جواز ترجمتها بدقة لما يماثلها في اللغة الفرنسية ) وتستعمل خلال النص كله

ونعرض هذه المقدمة القانون الحيوي بمبادئه الخمسة قبل ادخالها في صلب الموضوع كعملية إجرائية للمعالجة .

   أو كما يقول المؤلف كبنيان " للمنهج " الشامل للفهم والتفهم . هذا المنهج الحيوي يتضمن بشكل أساسي تقديرات ( المنسوب الحيوي ) لظواهر تتعلق بمكونات الظواهر الاجتماعية أو الفكرية .

   يشتمل التطبيق المكرس للفكر العربي المعاصر على سلسة من دراسات السير الذاتية المسهبة والوافية والممنهجة لمفكرين متنوعين ، أو رجال سياسية ظهر تأثيرهم من بداية القرن العشرين حتى الوقت الحاضر هم :

الأرسوزي ، الذي ظهر كمفتتح " كمدشن " حقيقي للنهضة الفلسفية لغوية أسهمت في بلورة فكرة المة العربية ، والمؤلف لا يخفي إعجابه بالأرسوزي ، ومع  ذلك ينتقده من وجهة النظر الحيوية ، حيث يظهر مفاهيم الأرسوزي لأمة عربية محدودة الحيوية ، بسبب تصورها كأمة وحيدة لا تنازعها أمة في صفاتها الحيوية .

وفي غضون مناقشة مفصلة ، يبدو أن الفكر الحيوي يختلف كلية عن المفاهيم القومية الضيقة ويبدو الفكر الحيوي منفتحاً لحركة العلوم والفنون العالمية . وتتبدى معالمهما في الدراسة الفردية الوافية التالية المكرسة لصدقي اسماعيل حيث موضوعها يدور بشكل نقاش حول " الأوهام القومية " أما النقد الموجه إلى الماركسية الحالية والمعارضة بشكل خاص لظروف ظهور وغرس الماركسية في أوربا بالمقارنة مع الظروف المختلفة جداً والخاصة بالمجتمع العربي الاسلامي . هذه الفكرة التي يدعمها المؤلف من خلال دراسته الماركسية السياسية العربية ممثلة على نحو رئيسي بياسين الحافظ حيث نرى أن مشكلة تعريب الماركسية تطرح أيضاً . ويتضح لنا أن هذا التعريب كما تم يقودنا إلى نتيجة منقوضة ، حيث أن التعريب لا يأخذ صفة طبع الماركسية بصفات وخصائص الواقع العربي ، بل تأخذ صفة تجميد التراث والواقع العربي ضمن الماركسية .وذلك لأنه بحسب وجهة النظر الحيوية فإن التراث العربي لغة وفكراً تتضمن فيها نفسها ، كل العناصر النقدية الضرورية من أجل الفهم النقدي الذاتي ، ويتضمن اتجاه الحياة في العام المعاصر .

    ولذلك فإن هذه الاتجاهات النقدية مشروطة بالاسلام الذي يتضمن في أسسه وأصوله طرق التقدم وبشكل النموذج الايديولوجي الحقيقي للتقدم والمفهوم الحيوي الذي يقدمه السيد النقري ، يظهر  بما لا يقبل الشك أنه تمحيص مدقق يتلاءم مع شرح محدد للإسلام الذي عاشه النبي وخلفاؤه وشكل لديهم تجربة حياة بالغة الحيوية .

وتتمثل الحيوية بامتياز بين مفكري الاسلام الكبار ، حيث يتجلى ابن خلدون كواحد من أكبر ممثلي هذا الاتجاه الحيوي ، وتسمح تحليلاته ( وبشكل خاص الفصل الرابع ) : التصور الحيوي للإسلام بتحديد ما هو حيوي في التجربة الاخلاقية . وفي الحياة التاريخية وفي الوقت ذاته بما له في التجربة الجمالية التي فيها أيضاً جمال الحياة من خلال المحرضات الاجتماعية وهكذا لا تعني الحيوية مجرد أيديولوجية بل تعني وبنفس الوقت قيمة للحياة وقدرة إبداعية خلاقة لا تتحد بإطار أمة محددة ، ولا يمكنها كذلك أن تتحد بإطار دين محدد مغلق ، ويكرس المؤلف فصلاً هاماً لحركة الاخوان المسلمين من خلال ( سعيد حوى ) الذي يقدم لنا من خلال مواجهة نقدية مطولة لهذه الحركة يقدمها لنا المؤلف بشكل يدين هذه الحركة " الاخوان المسلمين " لما تتضمن تزويرات وشروحات مضللة للإسلام ، محولة إياه من دين للحياة إلى دين للطقوس المطبوعة بطابع التعصب الأعمى والعنصرية كما يدين المؤلف هذه الحركة من خلال نتائجها العنفية السلبية على المجتمع

وتخلص هذه الدراسات من ( السير الذاتية ) بدراسة مدحية لأعمال وأفكار باقر الصدر الذي أعدم في العراق عام 1980 والذي يعد في في رأي  النقري الممثل الأفضل للتعبير عن الاتجاه الحيوي الاسلامي المعاصر ويكفي استشهاد واحد من أقوال باقر الصدر لتوضيح هذه الفكرة : (( وما هو جدير بالتقدير في الاسلام الحديث ليست هي نصوص القرآن والحديث ، وإنما بسيكولوجيا الجماهير التي تقدر الاسلام وتعتبره مجتمع العدالة والحرية ، مجتمع التصحيح المتحضر والكرامة الإنسانية )) .

التقدير الإجمالي :

   أطروحة السيد النقري تقدم وتقترح على القارئ الفرنسي اتخاذ موقف جديد من خلال مجمل الفكر العربي الذي هو بآن واحد شخصي ويعبر عن أفكار بعض المجموعة الشبابية العربية المثقفة . هذه الأطروحة تتصف بهذه الحركة المعطاءة الخصبة التي تحييها ، ولذلك فإن هذه الاطروحة مما  تعبر عنه من حركة فكرية خصبة يتوجب أن تعطى المجال للتبلور والتكون والانتشار لما تتسمه من تقدير كبير ذو أهمية كبرى .

   وفي كل الأحوال يتوجب التوضيح أن هذا العمل لا يزعم بأنه يندرج في تاريخ الفلسفة بل يندرج في فلسفة فعالة في طريقها إلى التحقق وهنا أيضاً يكمن أحد فوائد هذه الأطروحة . إنها تقدم لنا وتقترح نقله وتغيراً في المرجعية الموجهة بل وفي صيغة التفكير نفسها (( قوية بكل ما في الكلمة القوة من معنى )) بالمقارنة مع التقاليد والتوجهات الغربية حتى ولو كان القارئ الفرنسي يمكن أن يكون بالنسبة لبعض وجهات النظر مبلبلاً أو غير مقتنع . والمؤلف النقري هو فاعل وصاحب موقف مسؤول من الصراع الأيديولوجي الذي يعالجه ، ولذلك فإن هذه الأطروحة تستحق أن تدعم ، فالمشكلات التي تعالجها هي في الواقع تلك التي يكمن في مناقشتها وحلها فائدة كبرى للعالم الإسلامي الحالي ومصيره .

 

 

 

 

حافظ الجمالي محمود استانبولي محمد الراشد جلال فاروق الشريف جودت سعيد روجيه غارودي
بيير تييه رنيه شيرر اوليفييه كاريه مفيد ابو مراد عادل العوا وهيب الغانم
اتصل بنا من نحن جميع الحقوق محفوظة لمدرسة دمشق المنطق الحيوي 1967 - 2004