الإنذار الأخير الي حكام هذا العالم الظالم
مطاع صفدي
أما وقد أمست الحرب أم الحقائق الواقعة فان مرحلة كاملة من
الكلام والاحداث والتحليلات حول العدوان الاحتمالي والامبراطورية
القادمة قد انتهت ما ان تسلمت الصواريخ والمدافع مهمة كتابة
الوقائع علي الأرض، وبذلك تحقق الحرب قطيعتها الكارثية مع كل
اسبابها ومسوغاتها السابقة، المفترضة او المزورة، لتصبح هي وحدها
مرجعية ذاتها، كما انها تضع المقدمة الكلية لكل ما سوف يتبعها
علي الصعيدين الجيوسياسي والمفهومي النظري معا. حتي صانعو هذا
العدوان انفسهم لن يلبثوا حتي يتحولوا الي مجرد اسري لوقائعه
وعقابيله. وبالتالي لم تعد تنفع كل خطابات السلام مع الذين آلوا
علي انفسهم ارتكاب المعاصي الكبري، والمجازر الجماعية، وكأنها
بطولات خارقة، وانتصارات لتقنيات التدمير العالية. كأنما الحرب
هي استعراض وقح لعبقرية القوة الالكترونية وادواتها عالية
الكفاءة والمهارة في احداث الجرائم الجماعية، القادرة علي محو
آثامها الهائلة تحت حجة امتلاك اسباب التفوق العصري في الوسيلة
التدميرية شبه المطلقة. ما تمارسه امريكا تحت سمع وبصر البشرية
كلها هو ذروة تحدي الصلف والعنجهية ضد عجز مدنية الانسان حتي
اليوم عن دعم النظام الاخلاقي الرادع والقاطع لسلالة الطواغيت
المتناسلة رموزها من عصر الي آخر.
بعد الاسئلة حول وقوع الحرب وتوقيتها يفرض سؤال آخر نفسه عن
كيفية التعامل مع جريمة الحرب المستفحلة بأشكال تدميرها من ساعة
الي اخري ومنذ ايامها الاولي. ولا شك تتوجه الانظار مبدئياً الي
معارضي الحرب الكبار الذين يشكلون قيادة معسكر السلام كأمر واقع.
انه السؤال المحرج الذي يتناول اوروبا الغرب التقليدي من فرنسا
والمانيا، الي الكبيرين الآخرين روسيا والصين. هنالك اختلافات
لونية في مواقف هذه الدول العظمي. لكنها اجمعت حتي الآن علي نزع
اية شرعية عن الحرب والمحاربين. وهو موقف هام وخطير جداً ان
استطاع اصحابه ترجمته الي اجراءات علي صعيد هيئة الامم اساسا. اذ
ان نزع الشرعية عن فعل العدوان، يحمل مرتكبيه آليا المسؤولية
الجزائية حكماً وواقعاً، المترتبة عليه. وقد بادرت القيادة
الروسية بالدعوة الي اتخاذ الاجراءات، وسمعنا ان فرنسا والمانيا
تدعمان هذا التوجه. غير ان القرار الاجماعي الذي اتخذه زعماء
الاتحاد الاوروبي في اجتماعهم الأخير قام بنقلة من موقف الادانة
والتجريم للمعتدي الي ما يجعل من الاتحاد والهيئة الدولية معا
اشبه بهيئة للرعاية الانسانية وغوث اللاجئين والمحتاجين من ضحايا
العدوان. هذا الي جانب ان الدول الرافضة اضحت تخشي من استبعادها
عن ولائم الاعمار ما بعد الجريمة التدميرية الكبري لمعالم العراق
وحضارته. وان كانت غلفت ذلك بنوع آخر من الرفض لاستفراد امريكا
بالبلد الغني واحتكارها لاعادة بنائه سياسيا واجتماعيا. ما يعني
ان انقسام الغرب ازاء المسألة العراقية لن تقوده المثل والقيم
بقدر ما تحكمه نسب المصالح وحصص التوزيع ما بين اعضائه. قريبا
سوف يلتقي الجميع علي المائدة الواحدة التي يتصدرها الامريكي
المنتصر وحده. واما الباقون فسوف يكافح كل منهم بطريقته الخاصة
لاستعادة بعض مساوماته التقليدية مع الشريك الامريكي الاكبر.
لذلك فالاهتمام ينصرف الي المردود الاقتصادي والسياسي لما بعد
الحرب، اكثر من الحرب ذاتها، ومنذ الآن.
أما التوجه المنشود نحو التدخل الفعال في مسيرة التدمير
المتفاقمة، والمتعاظمة في حجوم أنواع الهول الذي تتلقاه المدن
العراقية الصامدة من ساعة الي اخري، فلا يبدو انه سيفوز قريبا
باجتماع هيئة الأمم أو مجلس الأمن للنظر في اصدار ادانة دولية
شاملة للمعتدين والانذار بالتوقف الفوري، والتهديد بالعقوبات
المنصوص عليها في الشرعة الدولية، كما طبقت زورا وبهتانا في حصار
العراق منذ عقد ونيف وتجويع شعبه وقتل أطفاله. فأمريكا الخارجة
أصلا علي هذه الشرعة، فانها ماضية في عدوانها بكل التحدي والصلف
الذي لا تتمتع بمثله الا ديكتاتوريات العصر النازي والفاشي عندما
كان هتلر يجتاح الدول الاوروبية الصغيرة واحدة بعد أخري بدباباته
وطائراته المتفوقة في حينها. وها هو الديكتاتور الامريكي الجديد
يكرر عقيدة القوة المطلقة التي يكفي نجاحها علي الارض ان يحمي لا
أخلاقيتها الصارخة وخطيئتها الأصلية. غير ان الامريكي الوقح
يتوهم أكثر ان استعراض أقصي مظاهر العنف التدميري المطلق انما
يعوض عن افتقار العدوان الي أبسط المبررات، اللهم الا من دوافع
الجشع البدائي، وأهداف الاستبداد بارادات الشعوب المستضعفة، حتي
وصلت وقاحة مخططي العدوان الي تسميته بحرب تحرير، والحرية
للعراق. مثل هذه الصفاقة الموصوفة تبرهن الي أي حد يمكن ان يصل
اليه هذا النوع من الاستهتار بالرأي العام عند شعبه قبل ان يهزأ
به الرأي العام الدولي محتقرا مخططيه والرافعين لأمثال شعاراته
السخيفة تلك. لكن التلعيب الإعلامي الكاذب هو المعادل القيمي
الوحيد المتبقي لأبطال هذه الجريمة الكلية غير عابئين الا بوقائع
النجاح المادي علي الأرض. وأي نجاح ذاك الذي سيشتري نتائجه
الحقيرة بأرواح الألوف المؤلفة، وعلي حطام حضارة آبدة متواصلة من
أجيال الماضي العريق الي أجيال الحاضر المستنير.
هذه الحرب العدوانية بكل أسبابها الحقيقية وأفعالها البربرية
ونتائجها التدميرية لضحاياها، واللصوصية السافرة لمخططيها
ومنفذيها، انما تطرح عبر كل هذه الممارسات والارتكابات البالغة
الاستفزاز والتحدي لجماهير العالم قبل حكوماتهم، وغير المعروفة
حتي اليوم تحت عنوان أممية الغضب الشعبي وادانة ديكتاتورية
التفوق المالي والسلاحي، تطرح الارهاصات الأولي ليس لاعادة صياغة
المنطقة العربية وجوارها الاسلامي حسب المؤامرة الامريكية
الصهيونية السافرة، بل قد ترسم المقدمات الموضوعية لاعادة صياغة
الخارطة الجيوسياسية، والجيوفلسفية لمختلف معادلات التوازن بين
القوي الرئيسية والفرعية لعالم الغد، ومنذ هذه الايام العصيبة
الفاصلة. فالزلزال الامريكي في المساحة العربية يولد الزلزال
الكوني غير القابل للضبط والسيطرة من قبل أية قوة دولية كبري،
حتي ولو كانت قوة الامبراطورية الامريكية المشؤومة، الا باستعادة
هيئة الأمم المتحدة لزمام المبادرة، ولكن بشروط وممارسات مختلفة
كليا عن تاريخها الالتباسي، المتعارض غالبا مع مبادئها الأولي
المؤسسة.
ينبغي ألا يستهان ابدا بهذا الجدل الخصب والشامل حول الشرعية
وقضاياها، الذي اصبح يشكل محور الاهتمام الأممي وليس الحكومي فقط
مثلما كان محاصرا أو محتكرا من قبلها في الماضي وحتي اليوم الذي
أخذ فيه الشارع العالمي يمسك بناصية الأمر اليومي المسلّط علي
حكوماته، سواء منها حكومات العالم الأول أو الثاني أو الثالث.
فقد انهارت السدود المصطنعة بين هذه التصنيفات، وأمست الفروع
الثانوية تجدد اندفاع التيار الأصلي الأهم المجتاح لمعالم
المعمورة وسياساتها الاقليمية والمحلية المتعارضة دائما فيما
بينها. فالتضامن يتصاعد في وجه ديكتاتورية المال والسلاح
الشمولي، وهو من نوع ذلك التداعي العقلي والانساني الذي لا ينتظر
حزبا قائدا ولا ايديولوجيا موجهة، لكنه يجهز قياداته، ويبدع
أفكاره من تنامي تمارينه اليومية ضد عقبات حكوماته المحلية، كيما
يتعاضد ويتآلف فيما بينه حتي يواجه جميعا الديكتاتورية العالمية
القادمة.
ان العدوان الامريكي الهمجي الذي يضرب العراق، انما يمسرح ويكشف
ويضخم جميع خطايا وآثام المشروع الامبراطوري الذي تحلم به عصبة
النفط والسلاح الخاطفة لاكبر سلطة عرفها التاريخ، والممتطية عنوة
لظهر أضخم فيل في هذه الغابة الانسانية المظلمة. ولذلك عندما
تتقاعس حكومات ما يسمي بالمجتمع الدولي عن ردع النبل المخطوف،
فليس قانون الغاب هو الذي ستكون الكلمة الفصل له في تحديد مصير
العالم، بل هي الفوضي الممتنعة علي كل انضباط ولو كان من جنس
قانون الغاب نفسه. اذا كان لهذه الحرب ثمة من فضيلة افتراضية،
وهي المضادة اصلا لاية اخلاق سواء للسلم او الحرب، فهي انها لا
تقدم فقط مجرد عينة حية، او نموذج صاخب مريع عن شكل العلاقة
المستقبلية لديكتاتورية امريكا مع وضد اقرب حلفائها وابعد
اعدائها علي نفس المستوي من قهر ابسط قواعد العيش المشترك
لعائلات الانسانية، لكنها تقرع جرس الانذار عما سيؤول اليه مصير
الحلفاء انفسهم قبل الاعداء، ان هم تراخوا في الدفاع عن مؤسسات
الحق العام المتمثلة في الامم المتحدة، وقبلوا بالانزلاق من موقع
الشهود العدل علي جرائم الاخ الاكبر الجانح، الي موقع المتسامح
بل المتغاضي والمنافق الباحث مجددا عن مقعده الذليل من مائدة
اللئام وكبيرهم المتجبر.
في حين ان جماهير الشارع العالمي تقبض علي الجناة متلبسين
بجرائمهم المشهودة علي اطلال البصرة وبغداد والموصل.
لا شيء يعدل هذه الواقعة اليومية او يغطي وجهها البشع.
والمتظاهرون في انحاء الدنيا العربية والكوكبية تعاين كل ساعة
وجوه القتلة الكبار علي شاشات التلفزة في كل بيت، وتصغي الي
اكاذيبهم المتهافتة، المتضاربة حتي بين السنتهم المتلعثمة، ومن
دون ان يتبقي لهم سوي هذه الافتخارات الصفيقة بنجاح آلات الموت
الجماعي في هدم البيوت الآمنة علي رؤوس اصحابها النيام.
ان احدا في عالمنا البربري لن يصدق ان كل هذا الكم والنوع الهائل
من الاجرام الجنوني المتحدي يمكنه ان يقع ويحدث ملء وسمع وبصر
الدنيا، وقد يذهب بدون عقاب او جزاء. بل ربما سيفوز بمكافآته
المجزية علي انتصاراته غير المسبوقة، فيحتل البلد من بابه الي
محرابه ويسرق حاضر ومستقبل اجياله، وان يمتد الي البلد الاخر
المجاور، وكل مجاور آخر في صحاري العرب، المتحولة الي المساحة
القفراء من البشر والحجــــر امـــــام الزحف الانغلو امريكي
الصهيوني، بحيث لن يتخلي امامهم الرعاة عن قطعانهم السائبة
الخانعة، بل يلتحقون هم والسبايا من نسائهم بذيول مواكب الغزاة
الفاتحين. هذه الصفحات من الذل ليست هي المكتوبة والمقروءة وحدها
في سجل الايام السبع العجاف لعرب الالفية الثالثة، بل ان هناك
سجلا اخر يكتبه شرفاء العالم المجهولون من شوارع سان فرنسيسكو
الي اندونيسيا وحتي طوكيو. وهؤلاء هم الذين يستبقون سلاطين
بلادنا وعبيدهم الي الامساك بمفاتيح التحولات الكونية العظمي
الاتية، ويشاركون، من دون زبانية وسادة اسلحة الدمار الشامل
ومحتكريها، ولصوص الحضارات وثروات اممها المقموعة المستضعفة، في
صناعة شروط المدنية العادلة لجميع عائلات الانسانية المقهورة.
اذ لم تستطع اية شرعة اخلاقية او عالمية ان توقف قتلة العراق عن
ارتكاب كبائر الجرائم ضد الانسانية في اوضح مسارحها الدامية علي
ارض الرافدين الخالدين، وان تعيد سلطة الامم المتحدة من مدخل
التصدي لاخطر مؤامرة عدوانية ضد بقائها واستمراريتها الفعالة،
فيمكن الانتظار حينئذ لذلك الوقت القريب الذي لن تستولي فيه
ديكتاتورية النفط والسلاح علي العراق وجيرانه فحسب، بل ان مساحة
العالم كله لن تتسع الامبراطورية النهاية المزدوجة المستحيلة
لتاريخ الانسانية من قبلها ومن بعدها، انها الكارثة المطلقة
المجهولة الاسم والعنوان حتي الان.
الصفحة الرئيسية |
|