حوار مع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ( 1 / 2 )

 

انطون اسبر:صافيتا

النشرة :30/8/2003

طالعتنا مدرسة دمشق للمنطق الحيوي بمجموعة مقالات أشارت إليها في بدايتها بأنها "سلسلة مقالات مهمة " و جاء هذه المقالات تحت عناوين " فرضية العدو المفيد  و المواجهة " للمقالين الأول و الثاني و " الصهيونية لا تحكي عبري " للمقال الثالث . و " علاقات العالم في منتصف الطريق " للمقال الرابع .

و جاء في مقدمة المقالات : ( أية مبادرة فقهية حيوية للتخطيط و الإمامة تتطلب بالضرورة معرفة الإستراتيجيات المتبعة فيما حولها لتفيد من استخلاص الدروس وتحديد معالم الاشكالات التي يجب مواجهتها و صيغ النجاح في مواجهتها . وبخاصة تلك المتعلقة بأطماع وأهداف

الآخرين في مجتمعنا .

وقد صور الكاتب في نظريته عن " فرضية العدو الحيوي " و الأمثلة التي ذكرها لإثبات ما يقول عملية نشوء " الحضارات والدول الناهضة " وكأن كل حركة أو دولة ناهضة وخاصة تلك التي شكلت انطلاقات  " حضارية كبرى " وجدت مسبقا بصيغتها الجاهزة بعقل فرد أو مجموعة أفراد قاموا بتشكيل غرفة عمليات فيما بينهم و بدأوا بوضع الفرضيات والخطط ثم أوعزوا لجهازهم التنفيذي القيام بما يلزم وصولا إلى صيغة الإمبراطورية الإسلامية هنا و آخرما وصلت إليه الثورة الصناعية في أوروبة .ناسيا أو متجاهلا أو جاهلا فعلا بأن الانطلاقات و المنعطفات الحضارية الكبرى جاءت نتيجة تفاعلات و صراعات عملاقة على مستويين , مستوى الظروف و المعطيات الطبيعية المحيطة و كانت أساس التحديات في مرحلة الإنطلاقات الحضارية الأولى و مستوى الجماعة البشرية نفسها طبيعتها - مرحلة تطورها - حاجاتها - و الجماعات المحيطة بها

ثانياً . فالطبيعة و منطق التطور و طبيعة الصراع الذي تعيشه الجماعات البشرية على مختلف مستوياتها هي التي تفرز التحدي الحقيقي في حركة تريد التصدي لواقع لم يعد يفي بحاجات الجماعة و مصالحها في الاستمرار و في تحقيق حياة أفضل و لا يمكن و لم يحصل مرة واحدة في التاريخ أن اخترعت انطلاقة حضارية عدوها مسبقاً أما إذا كان الكاتب قد غرق في معطيات الظواهر الأخيرة التي أفرزتها العولمة على الطريقة الأميركية اليهودية فهذه الظواهر لن تكون بأي حال من الأحوال انطلاقة حضارية كبرى لا لأصحابها و لا لأي جزء من العالم وهي إن استمرت ستكون وبالاً و تدميراً للعالم أجمع بما فيه أصحابها و الجميع يعرف أن القائمين على ممارسة ما يجري اليوم على ساحة العالم هم في طلاق تام مع أي منطق علمي أو ناموس طبيعي أو منظومة أخلاقية إلا تلك التي قرأوها  في توراة اليهود و تلمودهم و هي التي جعلتهم يتعلقون بأوهام و خرافات قادتهم منذ البدء إلى تدمير العالم دون أن يدرون ماذا يفعلون.

و ما أن ينتقل الكاتب إلى مقالته الثانية تحت نفس العنوان إلا و يبدأ التناقض مع نفسه فيبتعد مباشرةً عن نظرية العدو المفيد التي رأى فيها محركاً للإنطلاقات الحضارية الكبرى أو وسيلة من وسائل تحقيقها و يصبح المطلوب فجأةً من مبادرته الحيوية القابلة التحقيق و التطبيق على المستوى الشعبي شعارات موصلة إلى الأهداف ولا تؤدي إلى خلق أعداء جدد في الداخل و الخارج.

جميل جدا أن يسبق سؤال " من نحن " السؤال عن أولوياتنا  وأعدائنا والاشكالات التي  نواجهها وإ مكانية التغلب عليها. حقا انه  سؤال أساسي بل هو السؤال الأساس مع إشارة إلى أن الأمانة كانت تقتضي أن يضع الكاتب السؤال بين أربعة أهلة صغيرة إشارة إلى استعارته من صاحبه الأصلي الذي طرحه على نفسه قبل ما يقارب التسعين عاما في محاولة للبحث عن أسباب الويلات التي كان يعاني منها شعبه وما زا ل .

ولكن المنطق يقتضي أن يسبق هذا السؤال الأساس تساؤلات تتعلق بطبيعة العصر  والمستوى الاجتماعي والسياسي الذي يعطي هذا الزمن ملامحه وصفته الأساسية . هل واقع العالم اليوم هو واقع جماعات هائمة في الأرض ، هل هو واقع قبائل وعشائر ، هل هو واقع قوميات وأمم ذات شخصيات حضارية مميزة ولها مصالح حقيقية في الحياة ، هل العالم اليوم سفينة عملاقة يتكدس الناس في عنابرها دون انتظام يتحكم القبطان الأمريكي المهوّد بلقمة عيشهم وعدد دقات قلوبهم ورفات جفونهم . إن الإجابة على هذا السؤال يجب أن تسبق طرح سؤال من نحن أساسا حتى يأتي البحث عن هويتنا منسجما مع السياق الطبيعي للنموذج أو الحالة التي يعيشها العالم اليوم .

فإذا كان واقع العالم اليوم -أقصد الواقع الذي تعبر عنه الطبيعة وليس الأمر الواقع الذي تريد فرضه الخطة اليهودية الصهيونية على العالم اليوم من خلال مقولة العولمة مستقوية بالمال والسلاح والرجال والتقنية الأمريكية - فإذا كان الواقع الذي تنطق به الطبيعة اليوم هو واقع أمم لها شخصياتها المميزة التي تكونت عبر مسيرة تفاعل طويلة ومعقدة بين قطبين أسا سيين :

الإقليم - والجماعة البشرية التي تتحرك فيه مكتسبة من هذا التفاعل صفاتها المادية والنفسية المميزة لها عن الأمم الأخرى .

 إذا كنا وكان العالم يعيش هذا الواقع اليوم فعلينا أن نتساءل ل بعدها " هل نحن أمة؟".......

" هل نحن مجتمع له هدف في الحياة؟" ....." هل نحن قوم لهم مثل عليا ؟" .........."هل نحن أمة لها إرادة واحدة ؟".........الخ   وإذا ما جاءت الإجابة بالإيجاب على هذه الأسئلة عندها يفرض سؤال "من نحن " نفسه علينا وتصبح الإجابة واجبة استنادا إلى معطيات العالم و الواقع الطبيعي الذي نحن  إيّاه  وليس من واقع الرغبات  والشعارات والاستراتيجيات المحيطة .

عندما يكون " علينا أن نبحث عن هوية يمكننا بها الرد ليس على قوى الهيمنة فقط بل على قوى القصور الانحطاط التي نعيشها منذ قرون ........رغم ما نملك من إمكانات ." فهذا يعني أن الإجابة على سؤال "من نحن" جاء ليقول أننا حالة هائمة في الفراغ لا هوية ولا أصول لها و أن حاجتها للاستمرار تفرض عليها تلمس هوية. أي هوية لا على التعيين المهم أن ترد بها على قوى الهيمنة. ثم إذا لم يكن لنا هوية أساسا فبأي منطق نستعمل تعابير مثل " نعيشها ،تجعلنا،ما نملك..."

ألا يؤكد هذا أن استعارة مقولات مبتورة من أصولها و منظوماتها ودون التعمق في معانيها يتركنا نهباً للمزاجية ويوقعنا في مثل هذا التخبط وهذا التناقض الذي لا يليق بمفكر يبحث عن خلاص جماعته - أياً كانت هذه الجماعة - مما هي فيه من ويلا ت ومآس تضعها خارج التاريخ أما إذا كنا جماعة -أمة - لها شخصيتها الواضحة وصفاتها المميزة وطبعا وفق المعايير الطبيعية والعلمية، وكنا نعيش حالة تقهقر وانحطاط  نتيجة لظروف معينة يمكن أن تتعرض لها أي جماعة بشرية وإذا كانت الويلات التي أصابتنا بحجم إيقاعنا في حالة من الجهل بحقيقتنا كأمة  وضياعنا في متاهات المقولات وأمواج المتغيرات الدولية المتحركة من حولنا كما هو حاصل فعلاً،فيصبح لزاماً علينا طرح سؤال "من نحن" على قاعدة أن الجواب على السؤال هو شرط ضروري لمعرفة الهوية الحقيقية التي ننتمي إليها والتي أضعناها نتيجة تراكمات تاريخية نتجت عن ظروف صعبة مرت بها الأمة رغماًعن إرادتها ثم لابد من متابعة البحث لمعرفة الظروف والويلات الحقيقية التي نعاني منها سواء أكانت مقيمة أو محيطة وبالتالي طريق الخروج من هذه الويلات باتجاه حالة أفضل  تضع الأمة في المكان اللائق بها تحت الشمس .  على أن كل ذلك لا يمكن أن يحصل إلا بسلوك عملي مقرون بجهد كبير و تضحيات لا مثيل لها موجهة بأخلاقية عالية مترفعة عن كل ما دون المصلحة القومية العليا للأمة .

و على هذا الأساس يصبح عدونا الأول هو الجهل . جهل حقيقتنا , جهل ظروفنا المحيطة , جهل الاتجاه الصحيح للعمل لنهضة أمتنا ،و افتقارنا للأخلاقية التي ترتفع بنا من مستوى الغرق في الانتماءات و المصالح الجزئية من فردية و عشائرية و قبلية و دينية و ضريبية ضيقة إلى مستوى الانتماء للأمة الواحدة و الوطن الواحد و العمل لمصالحهما العليا فقط .

لا أدري ما هو الأساس العلمي والواقع الطبيعي الذي استند إليه الكاتب للقول " بالولايات العربية و الإسلامية المتحدة " بل ما هي معايير و مرتكزات "الأساس المنطقي الحيوي " للولايات العربية و الإسلامية . وما هو مداها الحيوي الفعلي .هل المقصود تلك المساحات الممتدة من المحيط إلى الخليج التي يجتمع بها صفتي العروبة و الإسلام . أم المقصود وحدة كل الأقطار التي يوجد بها عرب و مسلمون . إذا كانت وحدة الإقليم أو البيئة و وحدة شخصية الجماعة المتحركة المتفاعلة عليها أفقياً و عمودياً هي الأساس المنطقي لنشوء الأمم و تميز شخصياتها فهل يتمتع العالمين العربي و الإسلامي بهذين المقومين الأساسيين لنشوء الأمم . و إذا كان ذلك قائماً فلماذا نبدأ بوحدة الهلال الخصيب ، و وادي النيل ،و المغرب العربي ، لماذا لا نباشر بوحدة إيران المسلمة مع العراق أو مع دول الضفة الأخرى من الخليج العربي بدلاً من التناحر و الاقتتال على بعض الجزر فيه.

واضح من سياق النص أن الولايات العربية و الإسلامية عند الكاتب تشمل كل من العالمين العربي و الإسلامي . و بالرغم من اعترافه بفقدان " الصيغة الاجتماعية و السياسية و الثقافية في كل إقليم " فهو يجيب بـ نعم ! نعم ! نعم ! على قابلية شعار الولايات العربية و الإسلامية الحيوي للتحقيق على كامل مساحة هذين العالمين الشاسعة .  ولا أدري بعد افتقاد المقومات الأساسية لنشوء الأمة وبعد انعدام الصيغ الناتجة عن وجودها بأبعادها الاجتماعية والسياسية و الثقافية ماذا يبقى من الأساس المنطقي لنشوء الوحدات اية وحدات سواء كانت حيوية أو غير حيوية  وسواء أكانت تضم ولايات عربية أو إسلامية أو غير ذلك .

وبعد كل ذلك ينصحنا الكاتب بعدم الارتجال و بالابتعاد عن الصيغ العنترية الموسمية وكأن العنترية والارتجال ممنوعان  بالصراخ والخطابات ومسموحان خطياً بالكلام المنمق مهما كان متناقضاً مع بعضه ومع منطق العلم ومعطيات الواقع الطبيعي .

لم أفهم ويبدو أنني لن أستطيع الفهم والتوفيق بين توحيد "الصيغ الثقافية و الاقتصادية والسياسية المحلية والخارجية " وبين المحافظة على حدود الدول وعدم مشاركتها في مداخيلها وعدم سؤال أنظمتها عن النهب الحاصل للثروات " لصالح أقلياتها الحاكمة " و صالح من حكّمها وحافظ على بقائها في الحكم . كذلك لم ولا ولن أفهم كيف يكون العمل لوحدة "الولايات العربية و الإسلامية  بتخجيل وتخجيل وتخجيل الأنظمة والدول النفطية من النهب الحاصل وانتشار البطالة وضحالة الميزانيات وانخفاض المردود ونزيف العائدات.

أما على الصعيد الخارجي فالعمل يتم على مستويين رسمي بالمطالبة والمطالبة والمطالبة من الدول الغربية بوقف العداء، بالتوقف عن تمزيق العرب والإسلام والاعتراف بوحدتنا إلى غير ذلك من المطالب.............

أما النضال لوحدة " الولايات العربية والإسلامية " فينحصر بإدراك المواطن أن المسافة بين واشنطن وتكساس أبعد من المسافة بين المغرب والكويت وأن أبناء تكساس ليسوا أحق من أبناء العرب والمسلمين بنفطهم وأن يتسلل المواطن العربي والمسلم إلى أوروبا لأخذ حقه من ماله المسروق و أن يعرف أن نهب الثروات مسؤول عن تشرده وضياعه عندما يحصل له ذلك وكذلك عن عدم زواجه وحرمانه من فرص العمل في بلاده.

إذن بالتخجيل والمطالبة وإدراك المسافات والتسلل إلى الغرب ومعرفة أن نهب الثروات هو سبب البطالة وتأخر الزواج عند الشباب العربي و المسلم  ، تحصل المعجزة وننهض من كبوتنا ونحقق معجزة وحدة "الولايات العربية والإسلامية " هكذا يقول منطق مدرسة دمشق للمنطق الحيوي بعيداً عن الارتجال والعواطف والعنتريات "فتأمل يا رعاك الله!!!" وهنيئاً للعرب والمسلمين بوحدة ولاياتهم الحيوية .

عذراً مدرسة دمشق لقد اتهمناك ظلماً بالافتقار إلى الأسس و المقومات الموضوعية في تحديد هويتنا " الولايات العربية والإسلامية حيوية وموحدة " فإذ بنا نكتشف بعد حين أن " هويتنا الحيوية "هذه بديهة والبديهة لا تحتاج إلى برهان ولماذا الاهتمام بالبرهان والتعب  وصرف الوقت ما دامت الغاية تحققت بمعرفة "سبل عولمة " الهوية "لتتسق مع المنطق الموحد"لمشروع العولمة اليهودي . ولم يبقى علينا إلا أن نرفع رأسنا فخاراً واعتزازاً"كون الهوية العربية والإسلامية مجرد موروث عن القفا العثماني ." وكفى الباحثين شر التعمق والدرس والغوص في أعماق علوم التاريخ والجغرافية والجيولوجية والفلسفة ونشوء الجماعات البشرية ليتعرفوا على مقومات نشوء شخصيتهم "كولايات عربية إسلامية."

آه لو أن الله حبانا "بمدرسة دمشق للمنطق لحيوي " قبل خمسين عاماً ، لما اجتاحنا النهب وانتشار البطالة ولما ضمرت الميزانيات وانخفض المردود ونزفت العائدات ، كنا وفرنا آلاف مؤلفة من  بلايين الدولارات التي صرفناها على بناء الجيوش وترسانات الأسلحة كنا وفرنا على العالم جهوداً لا تحد وهو يبحث عن حل لمشكلة "الشرق الأوسط"ولو شملنا الله برحمته  قبل مائة عام لما حصلت اتفاقية سايكس- بيكو  ولما صدر وعد بلفور ولما حصلت كل التفاعلات التي جرت في المنطقة - في إحدى الولايات العربية الإسلامية- كل هذه الأحداث كانت أرشدتنا مدرسة دمشق للمنطق الحيوي على الطريقة المثلى للتعامل مع الخطة اليهودية التي تحمل مشروعا ًلإلغائنا بأعماق عشرة آلاف عام من التاريخ والحضارة فكنا احتضنا هؤلاء اليهود المساكين مواطنين في أرضنا يقيمون على الرحب والسعة نتساوى معهم في الحقوق والواجبات ونضع يدنا في يدهم متعاونين متآزرين للتخلص من "الذي زرعهم" بيننا" ليكونوا أعداء" لنا ونحن الذين اضطهدنا أكثر" مما  كانوا يضطهدون" بعد أن يدركوا أننا وإياهم متساوون" في الحق والحرية" ويجددوا صداقتهم معنا بعد أن يتذكروا أننا حميناهم عبر التاريخ ودون أن نطلب منهم التحول عن يهود يتهم  . ومن لم يقتنع بهذا الحل يجب أن يأخذ بالحسبان المتغيرات الدولية الأخيرة مثل "انتهاء الحرب الباردة أو زوال المعسكر الاشتراكي وتدمير العراق واتفاقات عرفات- رابين والاتفاق الأردني الإسرائيلي ."

بقي أن نتوسط هؤلاء اليهود لدى القائمين  على إدارة وقيادة الولايات العربية الإسلامية بعد الوحدة ألا ينظروا إلى الوراء وأن يكون في قلوبهم بعض التسامح فلا يحيلو قادة وزعماء تنبهوا إلى الخطر اليهودي على أمتهم ونبهوا منه وعملوا على مواجهته من أمثال أنطون سعادة وحافظ الأسد وعبد الناصر وغيرهم إلى محكمة التاريخ فربما لم يكونوا يدرون ما ذا يفعلون . كما لا بد من الطلب إلى اليهود أنفسهم الرأفة بأرواح آلاف الشهداء والأبطال الذين قضوا على مذبح قضيتهم القومية وأن لا يمضوا بالانتقام من أرواحهم فهم ربما كانوا جهلة ومضلّلين خاصة وأن روح التعا يش والمواطنية الواحدة   تفرض تجاوز روح الانتقام  المتأصلة في مواطنينا الجدد إلى روح التسامح والمحبة التي عرف بها العرب والإسلام تاريخياً.