حوار مع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ( 2 / 2 )

 

انطون اسبر:صافيتا
النشرة :31/8/2003

في المقال الثالث ينتقل الكاتب من المداورة إلى المباشرة والوضوح ويتحول المنطق الحيوي إلى منطق حيّاتي يبدأ بالقلق على مستقبل اليهود بين أيدي دولتهم التي تخلت عن لغتها العبرية بثمن بخس ثم يعود للبحث عن نقطة للحل فيجدها "في قلب الوطن العربي....في إسرائيل" لاحظوا أن الكاتب بدأ يستعمل كلمة " وطن عربي" بدل "ولايات عربية إسلامية" ولكن أي وطن عربي إنه الوطن الذي إسرائيل قلبه . وأية مبادرة لا تجد صيغة مرضية للعلاقة مع إسرائيل لا قيمة لها لأن " علاقتنا مع إسرائيل هي بداية العلاقة مع العالم." وبفعل العقل والعاطفة معاً يتحول كا تبنا إلى مسلم ورع قدوته الرسول الكريم فيما فعل في المدينة المنورة ولكنه لم يكلف نفسه تعريفنا ببقية الرواية وكيف بادل يهود المدينة الرسول بالخداع والتآمر والخيانة و نقض العهد مما اضطر الرسول إلى طردهم قبيلة بعد أخرى من المدينة المنورة كما هو مفصل في كتب السيرة النبوية الشريفة . ثم من الجزيرة العربية كلها على يد الخليفة عمر بن الخطاب. أما علاقة العرب جميع العرب والمسلمين مع " مشكلة تدعى فلسطين" لآن فيها " أقدم آثار الأنبياء وأقدمها آثار اليهود منهم ."
ومشكلة ما يسمى أو ما "يدعى فلسطين" هي مشكلة إيجاد وطن لجمع " الشتات اليهودي الذي خرج من فلسطين منذ قرون وقرون" وبعد أن يعتذر الكاتب عن ذكر الملابسات التي أدت لاختيار فلسطين يصر على تحميل "الفكرنات المسيحية والفكرنات العربية والإسلامية " مسؤولية كراهية جميع التيارات الأوروبية لليهود والتي أودت باليهود إلى أفران الغاز حسب رأي الكاتب . حصل كل هذا في وقت كان اليهود المساكين يبحثون عن خلاصهم في أحد اتجاهين إما الذوبان في المجتمعات التي يقيمون فيها أو في تحقيق دولة قومية دينية مستقلة تجمع فيها يهود العالم الذين يلاحقهم الخوف والقلق . ولم لا يختارون فلسطين أرضاً لهذه الدولة عندما رسوا على الخيار الثاني أليست" أرض الآباء والأجداد" وهكذا تقاطعت الرغبة اليهودية مع الرغبة الأوروبية في التخلص من " موجات معاداة السامية ، ومن تجارهم المنافسين ، ومن ذكائهم المتغلغل في كل مكان " وهنا حسب رأي الكاتب فوّت العرب فرصة القبول بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية " فرفضوا وهجموا وخسروا المزيد في عام 1948 م بعد إعلان استقلال إسرائيل" إذن إسرائيل دولة حصلت على استقلالها عام 1948م حسب رأي هذا الكاتب المبدع الذي من سوء طالعه أنه يتكلم اللغة العربية ما يمنعه من تسليط الضوء على الثغرات الموجودة في النظام الديمقراطي الإسرائيلي لأن الغرب ولمجرد معرفته أنه عربي لن يأبه بانتقاداته لأنه ما زال في بلاد العرب شريحة تأكل بيديها وأخرى في وادي النيل تمارس عملية ختان البنات . تباً لهذا الغرب الذي يرى الأمور من زاوية ضيقة وهو لو وسع زاوية الرؤية لديه لرأى بين العرب مبدعين كبار يكتبون في المنطق الحيوي والمبادرة الحيوية والولايات الحيوية وغير ذلك.
عزيزي صاحب مدرسة دمشق للمنطق الحيوي اسمح لي و من موقع المشدوه المصعوق بما قرأ في السطور و ما بينها ببعض الملاحظات على طريقة تفكيرك . أولاً:مشكلتنا يا عزيزي في وطننا و أمتنا التي تعمدت الابتعاد عن المفردات التي تفيد أننا ننتمي إليهما فهربت عمدا ًمن الجواب على سؤال من نحن لتقع في حالة نظرية عائمة عبر جوابك غير المنطقي و غير العلمي و غير الموضوعي نحن في أمتنا يا سيدي نعيش تحت مفاعيل ألفي سنة من الانحطاط أودت بنا إلى حالة من الجهل طغت على كل شئ في حياتنا بدءاً من هويتنا و انتهاء بمعرفة ما نريد و طريق الوصول إليه . تقاطع ذلك مع مفاعيل خطة يهودية صهيونية على أمتنا و العالم بل على العالم بدءاً من أمتنا . خطة سخّرت الدين و المال و الإعلام و النفوذ السياسي . خطة سخرت كل شئ من طاقة أصغر يهودي في العالم إلى أضخم حجم نفوذ سياسي و إعلامي و مالي استطاعت الوصول إليه في السنوات الأخيرة بعد هيمنتها المطلقة على أعلى مرجعيات للقرار في الولايات المتحدة التي تتربع على عرش الإمبراطورية العالمية اليوم و منذ انهيار الاتحاد السوفييتي هذه الخطة النظامية لا يمكن مواجهتها إلا بخطة نظامية أدق تشمل مختلف نواحي الحياة و خاصة الثقافية و الروحية منها إذ أن الوصول إلى التأثير على مراكز القرار العليا في الولايات المتحدة سبقه عملية غزو ثقافي روحي للمجتمع و العقل الأمريكي تمثل في شرذمة المسيحية فكرياً إلى آلاف الكنائس و استبدال مضامينها الروحية البناءة بأوهام و خرافات لا يقبلها إلا العقول الضعيفة و المستويات الغبية أو الأشخاص الذين انتصروا لمصالحهم الخاصة من أي نوع كانت على حساب مصالح أوطانهم و العالم أشخاص تحكمهم قيم من مثل " أنا و من بعدي الطوفان " و هي قيم لا يمكن إلا أن تكون قاتلة و مدمرة للعالم الذي تحكمه . و يجب أن تعلم يا سيدي أن أمتنا نعم أمتنا هي من أهم الأطراف المرشحة للقيام بدور رئيس في إعادة إغناء العالم بالروح التي يفتقر إليها لمعاودة مسيرته الطبيعية نعم أمتنا بما تختزن من تراث روحي يستند إلى أرضية حضارية عملاقة كان لها الفضل الأول و الأخير في تجاوز العالم لحالة العماء و الفوضى التي سادت الطبيعة قبل ظهور الإنسان العاقل الفاعل بما حوله بناء وحضارة .
إن رد الفعل الغريزي يا سيدي يجب أن يفعل فينا تحريضاً مباشراً على رد هجمة الإلغاء الحضاري التي تستهدفنا بعمق آلاف السنين من تاريخنا ، فهل انحدرنا إلى ما دون الكائنات التي تحركها غريزة الدفاع عن النفس عندما يستهدفها خطر ما.
إن مواجهة المشروع اليهودي- الصهيوني على أمتنا والعالم لا يكون بصف الكلام والأمنيات الفارغة والطلب والتمني على الأقوى أن يقبل وأن يسمح وأن يعطي وأن يتخلى فالتاريخ لا" يسجل الأقوال والأمنيات بل يسجل الأفعال والوقائع " فهل حوّلنا طاقاتنا المادية والروحية العملاقة إلى أفعال ووقائع نفرض على التاريخ أن يحفظها في صدر صفحاته عملاً ينقذ امتنا و العالم مما يتهددهما بالإلغاء والزوال .وهل تعتقد أن هذه المزاوجة غير الشرعية والتي لا يراها ولا يعترف بها أحد بل يرفض أي عاقل أن يكون شاهد زور عليها بين فكر أممي لا يراعي معطيات الواقع الطبيعي والمنطق العلمي وبين عولمة تعتبر بطريقة ما امتداداً له ولو بوسائل ومفردات أخرى ،هل تعتقد أن هذه المزاوجة المستحيلة الحصول إلا في خيالك تكفي لمواجهة الأخطار التي تهددنا وتهدد العلم معنا اليوم.
ثانياً: كنت أتمنى على كاتبنا الذي ظن أنه يبدع شيئاً أو هكذا أراد إيهامنا أن يعرف أن الحيوية على مستوى الأفراد والجماعات لا يمكن أن تكون إلا نتاج صحة وقوة فالجسم غير الصحيح وغير القوي بصحته لا يمكن أن يكون حيوياً . والمجتمع والأمة والدولة غير الصحيحة السليمة القوية لا يمكن أن تكون حيوية وعندما تتمتع الأمة بالصحة والقوة ستتمتع حتماً بالحيوية وقد علمنا القانون الطبيعي أن حيوية الأمة هي التي تتحكم بحدود دولتها ونفوذها .. نعم القانون الطبيعي فأنت عندما تتمتع بصحة جيدة ترتدي قميصاً أوسع من ذلك الذي ترتديه وأنت في حالة نحول وضعف . ولا يمكن أن تكون الحيوية لا للفرد ولا للأمة أفكاراً نظرية أو مطلقات في الفراغ إلا عندما يستسلم صاحبها للوهم وعندها قد تكبر وتكبر لكنها لن تتجاوز في فعلها وتأثيرها خيال صاحبها . أدعوك إلى قراءة الواقع قراءة دقيقة ومعمقة ومسؤولة لأنها الطريق الوحيد لفهمه والعمل لتغييره باتجاه الأفضل لنا ولأمتنا وللعالم أجمع.
ثالثاً: أثبتت الأبحاث والإحصاءات أن 86% من يهود العلم هم من الخزر الذين اتجهوا شمالاً باتجاه دول أوروبا الشرقية بعد تحجيم إمبراطوريتهم في القرن العاشر الميلادي ومن ثم انهيارها والقضاء عليها في القرن الحادي عشر على يد أحد القياصرة الروس . أما اليهود الذين وجدوا في فلسطين وكل أنحاء سوريا واليمن ومصر و المغرب والأندلس فلا تتعدى نسبتهم 14% من بهود العالم اليوم.
رابعاً: عندما جاء اليهود إلى أرض كنعان أول مرة بقيادة أبيهم يعقوب استقبلهم حمور ملك مدينة شكيم قائلاً:" الأرض قدامكم اسكنوا واتجروا فيها وتملكوا بها " وطلب ابنة يعقوب زوجة لابنه ويعطيه المهر الذي يريد فاشترط يعقوب وقومه على الملك أن يختنوا كل ذكر في المدينة كشرط لموافقته على تزويج ابنته لابن حمور ملك شكيم . ولما أقنع الملك رجاله بالأمر انتظر يعقوب وجماعته حتى اليوم الثالث إذ كان القوم متوجعين فأخذوا سيوفهم وهجموا على المدينة الآمنة وقتلوا كل ذكر فيها بما فيهم الملك وابنه وسبوا ونهبوا كل ثرواتها وأطفالها ونسائها. هل يعقل بعد كل هذا أن يمسخ الكاتب حقائق التاريخ إلى مستوى هلوسات عند العرب يساويها " بالهلوسات المماثلة الرائجة عند اليهود حول العرب و نبييهم ....." مستنداً إلى " مجلد نتنياهو عن أول غدر تعرضوا له في المدينة .... أيام محمد " و لكي يؤكد الكاتب حياده و موضوعيته تجاه هلوسات وادعاءات كل من الطرفين وتجاه ما ورد في السيرة الشريفة وفي مجلد نتنياهو المذكور فإنه يترك الأمر للمهتمين بالتاريخ الموضوعي متجاهلاً حتى الآيات الواردة في القرآن الكريم حول طبيعة اليهود الذين " كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم " (البقرة 100)والذين يقولون عن الناس كافة " ليس علينا في الأميين سبيل " (آل عمران 75)وهم يقولون "على الله الكذب وهم يعلمون "(آل عمران 75)إلى غير ذلك من النصوص والآيات والممارسات التي تؤكد على معتقداتهم وأخلاقهم المدمرة عبر التاريخ.
خامساً: توقفت كثيراً عند الفقرة التالية :"وأن نسعى بمبادرة حيوية تقبل من القوى الإسرائيلية المتطلعة للسلام و التعايش والتناغم مع المصالح العربية - الإسلامية لكي نزيل بذور الفتن الطائفية والإرهاب والتطرف والأنظمة الديكتاتورية وذلك من خلال بلورة صيغة تكفل عودة بلاد الشام أو سوريا الكبرى ليس لتدمير إسرائيل بل لتكون إسرائيل جزءاً منها لأن من شأن ذلك التعويض عن تقسيمات سايكس- بيكو . لأن بقاءها سيرتد أذى على إسرائيل وقوى الهيمنة التي تدعمها."
أ- من هي "القوى الإسرائيلية المتطلعة للسلام والتعايش والتناغم مع المصالح العربية الإسلامية"كنتم تعزفون في السابق على نغمة التعاون مع القوى التقدمية المزعومة في إسرائيل لمحاربة النظام الرأسمالي المرتبط بالاستعمار هناك فهل جاءت هذه القوى التقدمية والمحبة للسلام من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين لتغيير نظام الحكم في دولة إسرائيل وتعمل للسلام والتعايش والتناغم مع المصالح العربية أم كان حضورها للمشاركة في اغتصاب فلسطين وللإسهام بمشروع الحركة الصهيونية على أمتنا والعالم .
ب- ما هو المقصود بالإرهاب تحديداً في هذه الفقرة إرهاب من ضد من . أما الفتن الطائفية والأنظمة الديكتاتورية فالجميع يعرف من يقف وراءها ومن هو صاحب المصلحة في نشوئها وكم هي حالات متناقضة مع تراث شعبنا وروحه الحضاري المنفتح و المحب.
ج- إذا كانت سايكس- بيكو هي المقدمة الطبيعية لقيام دولة إسرائيل فكيف سنعالج المشكلة بسببها العضوي . عفواً لم انتبه أن المطلوب هو وحدة المنطقة لاستيعاب إسرائيل وليس لإزالتها ألم يكن أوضح تعبيراً بلورة صيغة إسرائيل الكبرى دون أن يعني ذلك قتل جميع أفراد شعبنا بل لابأس أن يبقوا أجراء يعملون لدى أسيادهم اليهود ولم لا ؟ ألم يخلقهم الله على شاكلة اليهود ليكونوا لائقين بخدمتهم.
أليس هذا هو المضمون الوحيد للوحدة الذي "يمنع الأذى عن إسرائيل وقوى الهيمنة الدولية التي تدعمها ."
د- غريب أن يتحاشى الكاتب ذكر أي ممارسة من نوع القتل أو الإرهاب أو التدمير من قبل إسرائيل وهو حتى عندما يذكر كلمة شهداء باستخفاف على لسان المنظمات الفلسطينية يعود ليفيد أنهم إذا كانوا ماتوا فقد يكون حصل ذلك بسلاح الفلسطينيين أنفسهم ، هكذا يستخف الكاتب بروح الفداء والتضحية التي دفعت آلاف الشباب لإرواء تراب وطنهم بدمائهم دفاعاً عنه وزوداًعن كرامته مسجلين أروع وقفات عز عرفها العالم الذي وقف مشدوهاً أمام روح التضحية وإرادة العطاء المتفجرة عند شباب هذه الأمة .هل عرف كاتبنا الكريم ومدرستنا المبدعة لماذا لم تعد " " "دولة إسرائيل تحكي عبري " لأن بيننا من سبقها في هذا المضمار فقررت أخذ إجازة تريحها من عبء هذه المهمة ولو ظاهرا ًعلى الأقل .
عزيزي الكاتب أعزائي أتباع مدرسة المنطق الحيوي :
إن لم يكن ما قرأت دليلاً على انخراطكم في جيش يهود الداخل حتى الآن اسمحوا لي أن أقول لكم وبكل الحب والحرص أن التاريخ لم ينته بعد وإن كنتم عزمتم على الطلاق مع انتمائكم الحقيقي ومع قضايا أمتكم ووطنكم فاسمحوا لي بالقول " أن بلاءنا بكم أشد من خطراً من بلائنا باليهود الأجانب."