2.11- الحيوية الإسلامية:

يحلو لبعضهم أن يفسر كلمة الإسلام بالاستسلام بمعنى الخضوع والعبودية أما نحن فنفسرها بالسلام بمعنى الطمأنينة.

والطمأنينة الإيمانية أو اليقينية- بهذا المعنى- ليست عملاً إرادياً وبالتالي فإن من لا يؤمن بالإسلام فهو ليس بكافر لأن الكفر في اللغة هو النفاق ويعني إنكار ما يعلمه المرء أنه حق.. وبهذا المعنى فإنه وكان يلاحظ حسن حنفي بذكاء، في كتابه "من العقيدة إلى الثورة" أن من لا يعرف الإسلام ومن لا يشعر بطمأنينة إلى معرفته الإسلامية.. فهو ليس بكافر. وقد سبق لمحمود شلتوت أن ذكر في فتاويه أن من عاش في بلد ما كالسويد مثلاً ومات ولم يسمع عن الإسلام فهو ليس بكافر.. وأساساً لا يجوز لبشري أن يحكم بالإيمان والكفر على أحد. والحيوية الإسلامية بهذا المعنى ليست نمطاً ايماناً بالضرورة أو شيئاً مخبوءاً في النوايا بل هي نمط عملي يظهر في السلوك اليومي بوصفه فعلاً مجدداً لمتطلبات وجوده، وبما أن متطلبات الوجود البشري تتضمن بداهة وحدة الخليقة وبالتالي وحدة الخالق فإن بداهة وحدة مصالح الخليقة في الحياة والحرية هي النمط الحيوي الفعّال المتجدد للسلوك البشري.

وبهذا المعنى، فإن الحيوية الإسلامية ليست وصفاً للطقوس الدينية، ولا تتطلب أية مرجعية غيبية، بل تتطلب الدلالات المنطقية الملزمة، لتكون نقدية قياسية وتجريبية.

وبهذه الصفة، فإن الحيوية الإسلامية ليست مذهباً جديداً، وليست موضوعاً للإيمان، بل هي للمشاركة والممارسة العملية لأصالة التراث الحضاري الإسلامي، بوصفه مماثلاً في أهدافه لكل التراث الحيوي الموجود في الأديان والحضارات الأخرى، الموجود عند غير المسلمين وغير المتدينين والمتدينين على السواء، يجمعهم في ذلك السعي المتجدد والفعّال لتحييد الأصنام الطائفية والعنصرية والسحرية.. ويجمعهم الآن تحويهم المشترك للاتساق مع منطق العولمة التقني، الذي دشنته أسلحة التدمير الشامل، وعصر الفضاء والاتصالات الإلكترونية. والذي يقرع- الآن- بقوة، أبواب العولمة الحيوية التوحيدية .

 

 

 

2.4- المنطق الموحد :

المنطق الموحد هو الصيغة التي يمكن أن نتتبع فيها صيرورة الكائن بأبسط صيغة تعبر فيها عن وحدة صيغ ظهوره وتنوعه وزواله ، بوصفه حركة ،و صيرورة احتمالية ، ونسبية. وهذه الصيرورة تختلف من كائن من كائن إلى آخر، باختلاف متطلبات وضرورات الظروف المشكلة. وبهذا المعنى، فإن الاختلاف بين الكائنات يعبر عن وحدة القانون العام للشكل الحيوي. وبهذا المعنى- أيضاً- فإن المنطق الموحد هو منطق التوحيد للمعرفة الكونية من خلال مقولة الشكل القادرة على فك تعقيدات أية كينونة مطروحة للمعرفة البشرية بواسطة تقنية "وحدة مربع المصالح" بوصفها بسيطة وشاملة وقابلة للفهم والدلالة بقوة البداهة والحس السليم، من خلال أية كينونة عملية أو نظرية.

والمنطق الموحد للشكل الحيوي- بهذا المعنى- يشمل جميع الصيغ المنطقية الممكنة والقادرة على تحقيق اتساق بين مقدماتها ونتائجها كالمنطق الأرسطي والرمزي والرياضي والتقني.. الخ. بوصفها لحظات منطقية تعبر باختلافها وتنوعها عن وحدة وحيوية الشكل المنطقي الموحد الذي تطلبته مصالحها وقدراتها في المقايسة والضبط.

 

 

 


 

(2.5) الهندسة المعرفية.. وتقنية وحدة مربع المصالح:

لكل عصر، كما أسلفنا، احتياجاته، ضروراته، تقنياته، التي تحدد آفاقه النظرية والعملية. والبعد المعرفي من أكثر الأبعاد تأثراً بالمتغيرات المعيشة، من فرد لآخر، من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر.

وتعبير الهندسة المعرفية يُعد- نسبياً- تعبيراً جديداً بمعنى أن المعرفة، مثلها مثل أي ظاهرة أخرى تصنع لتسد  حاجات تتطلبها ضرورات ما.

وبذلك، فإن الاختلاف في المعارف، والنظريات المعرفية، هو اختلاف في ضرورات منطق المصالح الحيوية الموجهة.

وبالتالي، فإن تصنيع أي فكر، بمعنى الفكرنة، يمكن أن يسد حاجة من يتطلبها أو لا يسد، بسبب قوة أو ضعف القوانين المستخدمة لهذه الهندسة، وهندس المنطق الحيوي تختلف عن هندسة الفكرنات، بوصفها هندسة فكرياء، بمعنى علم الفكر والسياسة. وفي هذه الهندسة، فإن تصنيع الفكر لا يتم لسد حاجات أحادية أو عابرة، بل ليسد حاجات شاملة وقابلة للتنوع بوصفها حدس فقه المصالح التوحيدية. ومثل هذا الحدس، ليس خاضعاً لأوامر إدارية رسمية، أو لمتطلبات نظام سياسي جزئي، بل هي خضوع لمنطق العصر، واتساق لضروراته الحيوية.

قبل الخوض في هذا المجال يلزمنا العودة الى أطوار هندسة المعرفة الإنسانية لتعرفها و مقايستها ، بحسب منطق وحدة مربع المصالح، لنجد أنها :

1-      في طور مصالح منطق العزلة، والتقنية البدائية، فإن الهندسات المعرفية كانت تتمحور في أفكار تعدها جواهر متميزة، لا تحول ولا تزول، معلقة في السماء كالنجوم، ومستمدة من الأعلى الأبدي، وغالباً ما ترتبط، تلك الهندسات المعرفية، برموز تحاكي الطبيعة تصويراً ولفظاً، ويغلب عليها المعاني الحسية الخام.

2-      في طور مصالح منطق التعاون الصوري الإمبراطوري، فإن الهندسة المعرفية كانت، تتمحور- أيضاً- في التمييز الجوهري، ولكن المعرفة تأخذ مكانة، جوهرية أخرى، لتميز نفسها عن المعرفة التطبيقية والعملية، بحيث، أن التنظير يكون عملاً يختص به سادة القوم، بينما التطبيق يترك للعبيد والحيوانات.

وفي هذه المرحلة، فإن سمو المعرفة يعني شمولها لأكثر من جماعة وإقليم، وكذلك يتطلب هندسات التأويل والتجريد، بحيث يمكن إيجاد أرضية مشتركة لغوية، وقومية، ودينية، ضمن سيطرة جوهر صوري عام.. "بوذي، مسيحي، إسلامي، الخ" لجماعات شتى، وفي هذه المرحلة أيضاً، فإن الهندسة المعرفية ترتفع بالمستوى الحسي الخام في تصوير الكون، إلى مستوى الترميز الاختزالي (إيقونات، قمر، شمس، هلال، صليب، الخ)، بحيث تجعل التجريد يجد جذراً واقعياً محسوساً، ولو بشكل رمزي.

3-      المعرفة في طور مصالح منطق الصراع والنفي بالبارود بتشييد هندسات معرفية، تفسد الحليب الاجتماعي البشري، برمته!! إلى أكثرية ماء عكر.. يصلح للاستعمار!! وزبدة ثمينة تخص فئة اجتماعية، دون غيرها من العالم، ويمكن الإشارة إلى هذه الفئات: قومية خالدة، دم أزرق، طائفة ناجية، طبقة إلهية الخ، لتكون عالمية الصراع وأحادية الاستقطاب، والهندسة المعرفية في هذا الطور، تنتج رؤى فكرية، تفسر تاريخ العالم، ليكون تحت سيطرتها، بوصفها مدنية ضد الهمجية، علمية ضد السحر!! وترسم قطيعة معرفية حدية، بين القديم بوصفه رجعية، وبين الحداثة بوصفها تقدماً.

4-      في طور مصالح المنطق الموحد للشكل الحيوي فإن الهندسة المعرفية تأخذ صيغة أكثر شمولاً، وقدرة على تفهم ذاتها، بوصفها معرفة إجرائية، يمكن التعبير عنها بأي لغة كانت: بشرية، كيميائية، فضائية، كمبيوترية، روائح، أزياء، الخ.. وهذه اللغات في تنوعها، تستمد قدرتها من قدرة المنظومة المنطقية التي تعبر عنها، وفي هذا الطور، يتم رفع قيم الخبرة العملية إلى ما تستحقه من قيمة استثنائية، في تصريف شئون الحياة، ضمن تعقيدات مضاعفة بإطراد الميكنة، الأتمتة، التواصل الإلكتروني، المعلوماتية، والهندسة المعرفية، في هذا الطور، تؤكد حقوق الإنسان، والشعوب، والمرأة والطفولة، والديمقراطية، والعولمة عبر التنوع.. والمبادرة السلمية الحرة.

ضمن هذه المرحلة، فإن المنطق الموحد للشكل الحيوي، يسمح بنقل الهندسة المعرفية، نقلة استثنائية في تاريخ البشر، بحيث يتم إنتاج وتطوير الآلات المفكرة، والقادرة على التعليم، واتخاذ القرارات في شتى ميادين الاقتصاد والإدارة والصناعة والعسكرية، بشكل تصبح المعرفة، عملية هندسية غير محصورة بالأداة الإنسانية، وتصبح أكثر دقة، وأكثر سرعة من قدرة أي بشري بمفرده، والأهم من ذلك، أن الذاكرة المعرفية القابلة للاستحضار الفوري، ومن أي نقطة في العالم، تصبح أكبر من أية ذاكرة بشرية.

هذه الهندسة المعرفية، ما كان يمكن تحقيقها، بدون الاكتشاف العملي للمنطق الموحد للشكل القائم على المقايسة الكمية.. الذي يجمع المعرفة البشرية، والمعرفة غير البشرية، ضمن تحويات تسمح بالتصنيع بكلفة أقل توازي 20 مليار مقارنة ببضعة ملايين من الدولارات، ومن ذلك على سبيل المثال، ما حدث عندما رفض الكونجرس الأمريكي الاستمرار في تمويل التجارب النووية، في الطبيعة الحية، وما يتطلب ذلك من شراء واستهلاك مواد نادرة جداً، ومخاطر كبيرة على البيئة، ولقد تم استبدال، كل ذلك، من خلال التمثيل المعلوماتي لعمليات التفجير النووي، بكلفة بضع ملايين فقط بحيث يستعاض عن الطبيعة والمواد المشعة ونتائج الانفجار، بمجرد معلومات مهندسة، وفق منطق معادل لمنطق وجودها في الطبيعة ظهوراً، وتنوعاً، وترابطاً، وتفككاً، وزوالاً.

هذه القفزة، في الهندسة المعرفية، تجعل معالجة المعلومات سواء أكانت متعلقة بالإنسان أو الطبيعة أمراً ممكناً من خلال كونها تعبيرات تستمد قيمتها من قيمة المنظومة المنطقية، التي تستند إليها، وتتحول بدلالتها.

والهندسة الحيوية ليست - فقط- نظرية.. بل هي عملية تغيرية، أيضاً، إذاً لتغيير أية ظاهرة، فإن علينا الكشف عن علاقاتها الضمنية القابلة للتحول إلى داراتها الأربع.. وبالتالي التوجه إلى جذور أبعادها المصلحية لإحلال الدارة المطلوبة.. على سبيل المثال.. إذا كان لدينا دارة عزلة، فهذا يعني أنها في أبعادها المصلحية.. تتضمن جذري الانغلاق والتهابط، ولتغييرها باتجاه "صراعي" مثلاً.. فإن المطلوب هو مجرد تحويل التهابط في إيقاعها المصلحي إلى الارتقاء لإيقاعات أعلى، وأكثر حركية.. أما إذا أردناها أن تصبح "تعاونية" فإن المطلوب هو مجرد تحويل جذر انغلاقها المصلحي إلى انفتاح.. وهكذا!! وهذه الطريقة الهندسية في التفسير، والتغيير أقل كلفة، وأكثر فعالية، وقابلة للتجريب في كل ظاهرة.

ومع أن تطبيقات هذه الهندسات المعرفية، شملت مجالات تمثيل الطبيعة كمبيوترياً!! والذكاء الاصطناعي، وشبكات المعلومات، فإنها ما تزال قاصرة في قضايا الفكر السياسي، والاجتماعي، لأسباب كثيرة، منها: تحويات الأنظمة السياسية، التي لم تتخلص- بعد- من منظومة مصالح منطق النفي، كما هو الحال بالنسبة للدول الغربية، وبالتالي لانعدام سوق يتطلبها.

وقد أتيحت للمنطق الحيوي فرصة الرد والمشاركة على التحديات المطروحة في ميدان المعلوماتية، والذكاء الصناعي، ووصل المنطق الحيوي إلى مستوى التدريس، والتطبيق في حلقات الدراسة العليا، في هذا الاختصاص في جامعات وشركات كمبيوتر متعددة ضمن منطقة واشنطن الكبرى منذ 1995.

وسبب استطاعة المنطق الموحد للشكل الحيوي، في المشاركة في هذه العمليات، يعود، إلى ما ذكرناه في أبريل عام 1995 في محاضرة في جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة، بعنوان "عصر الشكل أم عصر المعلومات" حيث أكدنا ما سبق ذكره، ونشره من قبل، وهو أن مقولة الشكل هي الأداة الهندسية الأشمل والأبسط لتصنيع المفتاح المفسر لأي تحول ولأية عملية طبيعية أم اصطناعية، عضوية أو غير عضوية، وكنا قد شرحنا ذلك في كتاب "الإنسان شكل" عام 1974 وكتاب "النظرية الحيوية في المعرفة" عام 1976 والجزء الثالث من المنطق الحيوي العقل فردياً ونفسياً) عام 1987 وفي تدريسنا للمنطق الحيوي كهندسة معرفية. (Hayawic Form UniLogic as Knowledge Engineering by using: Interst Square Unit Technique (ISU)

ولقد استطعنا بفضل تلك المقاربات، والخبرات، أن نشارك في بلورة منظومة منطقية للنمذجة الرياضية والمماثلة المنطقية في حقل التواصل الإنساني، وتحليل المعلومات المفكرة والصماء من خلال منطق مربع وحدة المصالح، بوصفها تقنية للنمذجة ومطياف للتفسير.. وقد استخدمت هذه التقنية وما تزال في تطوير برامج كومبيوترية لقراءة النصوص، ومنهجة الإدارة، وأتمتة عمليات التشفير للغات البرمجة.


 

 

2.6القرآن الكريم كنموذج للهندسة المعرفية

ونجاح المنطق الحيوي، في مثل هذه المجالات، لا تذكر هنا لتباهي، فما زلنا في أول الدرب، ولكن تذكر للدلالة على أن الهندسة المعرفية كعلم جديد، قديم، يمكننا به التعرف على الموروث الحضاري لكل المجتمعات والأديان والثقافات، بوصفها أدوات معرفية تعبر عن حدوس مصالح منطق عصرها.

ومع أن، مثل هذه الإشارات، يمكن العثور على ما يماثلها، هنا وهناك، فإن التعبير عنها، كان في حقل المجاز والاستخدام غير الملزم، والذي يتطلب قدرات استثنائية للفهم، بحيث تجعله بعيداً عن الجمهور، أما الآن، فإن مثل هذا التبسيط في إيضاح المنطق الحيوي المشترك، لمختلف المنظومات المعرفية، من خلال تقنية وحدة مربع المصالح!! فإنه أصبح بمتناول عامة الناس ومن ذلك على سبيل المثال يمكن أن نقدم القرآن الكريم كنموذج هائل للهندسة المعرفية مثله في ذلك مثل الكتب التي تحتل مكانة مقدسة عند أصحابها وتؤخذ معانيها لتفسر الكون بشكل رمزي!! حيث أن القرآن يشير في أكثر من مناسبة إلى أنه ليس جديداً وليس وحيداً بل هو موجود أصلاً بوصفه خالداً بخلود الحياة.. {بل هو قرآن مجيد* في لوح محفوظ} (البرج 21-22)، {الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابها} (آل عمران 7)، {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب* يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 38-39)، {حم* والكتاب المبين* إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} (الزخرف 1-4).

هذه الآيات الكريمة، توضح لنا، بجلاء، أن الله خالق الكون ومهندسه!! وقد هندس المعرفة التشريعية، بحيث تكون قابلة للقراءة، ومقروءة بوصفها تذكراً، وتذكيراً لفطرة الخير.. ولذلك، فإن من أهم الصفات التي وصف القرآن بها نفسه بأنه "الذكر": }إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر9)، والنبي هو "المُذكر": {فذكر إنما أنت مذكر} (الغاشية 21)، وبذلك فإن الهندسة المعرفية الحيوية هي تذكر، وتذكير (بأم الكتاب) وباللوح المحفوظ بوصفه منطق يحرض على الحياة والتوحيد والحرية، وبهذا المعنى فإن أي مستخدم للكمبيوتر، يمكن أن يعرف هذا المعنى من خلال سعيه لقراءة نص مُخزن وفق نظام يتطلب التحويل إلى نظام آخر ليكون قابلاً للقراءة، وأي قرأنه جديدة!! تتطلب تقنيات لغوية تتناسب ومنظومتها المنطقية التي تستند إليها مما يجعلها تبدو مختلفة بعض الشيء عن بعضها البعض ولكنها في حقيقة مدلولها الحيوي واحدة، وهذا هو جوهر الرسالات المختلفة، التي أتى الأنبياء، لتبليغها، بوصفها نابعة من الحي القيوم، وتعبر عن منطق التوحيد الحيوي لأعمار الأرض، والاتساق مع إرادة الحياة.. الحرية..

مثل هذا الفهم للهندسة المعرفية في استنباع وتطبيق المنطق الحيوي يجعلنا نفهم على نحو أفضل الفيض والخلق الإلهي للإنسان ليكون خليفته في الأرض، ويجعلنا نفهم أكثر، لماذا يستطيع كل إنسان أن يتصل بربه مباشرة، بدون أي حاجز، فهو أقرب إلى كل منا من حبل الوريد، وسميع يجيب الداعي إذا دعاه.. وبخاصة، إذا أخلص النية، وصدق العمل في استلهام فقه الحياة والتوحيد.. ويجعلنا نفهم السيرة النبوية ضمن أربع تحويات مصلحية حيوية:

-         المربع الأول، هو مربع العزلة والتحديد، حيث تحويات الحدس والنوايا التي كانت تدور في غار حراء.. وبإيقاع خفيف وبطيء وسرية.

-         أما المربع الثاني، أي التعاون والتكامل فكان تحويات المرحلة المكية والتي كانت تدور بصيغ قرآنية تبشيرية من خلال البلاغة القرآنية..

-    أما المربع الثالث، فإنه قام عندما قويت تحويات الصراع والتناقض لتحقيق مصلحة النبوة فهاجرت إلى المدينة وبدأت فكرنة التشريع والمذهبة والمحابات وما تضمنتها من متطلبات الصراع مع مكة ومع فرقاء المدينة.

-    المرحلة الرابعة، هي مربع التوحيد والاحتواء والفكرياء والتي تمثلت بالانتصار في تحطيم الأصنام وتحييد قوى الشخصنة واحتوائها من خلال تعبير الطلقاء.. وتعد خطبة الوداع أرقى أشكال القنونة التوحيدية العالمية.

هذه الهندسة المعرفية- إذاً- تتطلب معرفة معاصرة لمبادئ المنطق الحيوي، وبمستوى تقنيات، ومتطلبات عصرنا، واحتياجاته، وبعد ذلك، يمكننا البدء، باختيار القوانين والمواد اللازمة لتشييد فقه المصالح، بشكل قابل للفهم والاستعمال الجماهيري، وبالطبع، فإن الهندسة المعرفية، لا يجوز أن تكون أحادية، ولا أن تكون نهائية.. بل يجب أن تبقى موضع اجتهادات، يثاب، حتى- على الخاطئ منها، إذا صدقت النية والعمل.

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2.7- العولمة:

هي الأفكار والأعمال التي تأخذ بالحسبان إمكانات وضرورة الامتداد العالمي. وهي بهذا المعنى، ليست جديدة.. فكل الأفكار والأعمال الإنسانية الكبرى تتضمن حدوساً بمصالح عالمية..

ومن ذلك، على سبيل المثال، فإذا قال أحدهم بوجود ديمقراطية عربية، إسلام عربي، أو اشتراكية عربية.. الخ، فإن ثمة ردود كثيرة تأتي لترد عليه، بأن الإسلام أو الاشتراكية فوق القوميات أو التعينات وتفضل استعمال الطريق العربي للإسلام أو الاشتراكية.. الخ.

وبهذا المعنى- أيضاً- ثمة من يعترض على تعبير الحيوية الإسلامية، ويقترح استعمال الطريق الحيوي إلى الإسلام.. أو المنهج الحيوي في الإسلام.

هذه الاعتراضات تتضمن حدوس العولمة.. بوصف الحق والحياة والحرية قضايا عالمية.

ومع ذلك، فإن تعبير العولمة.. غير مريح لكثير من القطاعات، ويبدو وكأنه جديد عليها..وبخاصة الفئات التي كانت تريد حدوداً إعلامية، قومية، دينية، لغوية، سياسية، عسكرية، أو اقتصادية. والسبب لا يعود- فقط- إلى أن هذه الحدود أخذت تنهار بسرعة، جارفة معها صيغ الاستقطاب إلى معسكرات شرقية وغربية.. بل أيضاً لكون أية حدود معاندة أصبحت مصيدة مفيدة لقوى الهيمنة العالمية.

وبما أن قدرة العولمة ترتبط عملياً بالقدرات التقنية الفضائية والمعلوماتية. وبما أن هذه القدرات مازالت متركزة في عواصم الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فإن توجساً بل وذعراً كبيراً أخذ يشل كثيراً من الأوساط المعادية، أو المستعداة من الغرب لشعورها بأنه لم يعد لديها مجال للاختيار، أو اللعب على المتناقضات الدولية.. وأنها إذا قالت نعم أو قالت لا، فهي في كلا الحالين، لم تعد قادرة على الاحتفاظ بالاستقلال، وأن حدودها مهما بعدت فلم تعد حدوداً غير قابلة للاختراق، ولشعورها أن إرسال صاروخ إلى بغداد أو صربياً أو السودان.. الخ. لا يكلف أكثر من إرسال رسالة في الانترنت..  وبهذا المعنى فإن العولمة تبدو تعبيراً للهيمنة الغربية الشاملة.

أما  بالنسبة لنا، فإنه يعد تعبيراً عن التحدي المطروح على جميع الحركات الحيوية صاحبة المصلحة في حقوق الإنسان والسلام والحرية من أجل التحدث بلغة العصر وتقنياته، وتستجيب لمتطلباته، في إزالة كل صور الاستعمار والهيمنة، وباتجاه تعميق التنوع في إطار الوحدة الإنسانية.

 

 

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية تقيمات ووثائق من نحن اتصل بنا

2.8- العولمة الحيوية:

تتميز العولمة الحيوية، عن العولمة التقنية، بأنها سعياً لاستثمارها وفق أولويات، توفر الحد الأدنى من التكافل الصحي، السكني، الغذائي، والتعليمي.. لكل إنسان على الأرض، (العولمة الحيوية) تعني عمومية وشمول المسؤولية الاجتماعية، والإنسانية، لتصبح  كلية ملزمة.. وليست مجرد هبات، يمكن التبرع بها، أو حجبها، من هذه الحكومة أو تلك.. أو من أجل الوصول، إلى هذه العولمة الحيوية فإن المر يتطلب تطويراً للعلم ونشراً للتقنيات بشكل يوفر هذه الإمكانات محلياً وعلى مستوى عالمي.

ولذلك، فإن احتكار العلم، وحجب التقنية، ضمن تحويات عنصرية مغلقة.. يعني عولمة الانفجار، عولمة الانتحار، آجلاً أم عاجلاً.. والصراع الآن هو بين العولمة الحيوية والعولمة الرأسمالية.

وإذا عرف القارئ أن صاحب العولمة الرأسمالية، كنهاية للتاريخ (فوكوياما) هو مجرد باحث من أصل (فيتنامي) لجأ مع أسرته إلى أمريكا أثناء حرب تحرير فيتنام.. فإنه يعلم أن الولايات المتحدة كانت تمثل له نهاية العالم..

وإذا علم القارئ- أيضاً- أن تمويل أفكاره عن نهاية التاريخ!! أتى من مصادر ذات صلة بالخارجية الأمريكية، يعلم أن حلمه بنهاية التاريخ هو حلم الخارجية الأمريكية!!؟ وقد علمت كل ذلك منه شخصياً، بوصفه زميلاً لي في جامعة جورج ميسون عام 1997، وعلمت كم هو ضروري، أيضاً، الإشارة إلى أن ذلك الفكر والسلوك هما النقيضان للعولمة الحيوية.

 

 

 

 

2.10- عولمة الإسلام السياسي:

وتعني السعي لجعل حركات ديار العرب والمسلمين قادرة على الفهم والاستجابة لمتطلبات العصر وتقنياته في كون قضية الحياة والحرية قضية عالمية.

ويمكن النظر إلى الخطاب الإسلامي التوحيدي بوصفه يتضمن حدوس العولمة الحيوية. فآيات القرآن، رغم كونها في بداية نشرها تتجه إلى معالجة ظروف مكة والمدينة وهي ظروف محلية بل وهامشية في ذلك العصر.. إلا أن الخطاب القرآني كان يميل إلى مخاطبة الإنسان بوصفه إنساناً، وليس بوصفه مكياً، أو مدنياً، أو حتى عربياً.. { يا أيها الناس} (وردت هذه العبارة 20 مرة). وعولمة الإسلام سياسياً وثقافياً، يغني التجاوز وتحييد وتحطيم الأصنام العنصرية والمذهبية والطائفية والسحرية المعاصرة التي تعيق وحدة الناس وتواصلهم للاغتناء بتنوعهم.

 


 

 2.12- الجوهـر والشكل

هو عكس العرض.. أي غير الأساس.. وهو المقولة الأرسطية الأولى، التي تعني أن الكائن ثابت الجوهر، فلا يتغير أبداً، ومستقل غير قابل للذوبان في الأعراض، أو ما يسمونها بـ "الأعراض المتغيرة والقابلة للامتداد والتواصل".. وتعبير الجوهر يعبر عن مصالح  واحتياجات تتطلب عدم الإقرار بالتغير أو التواصل الشامل.

2.13- الشكل الحيوي:

هو طريقة تشكل الكائن، بوصفه جزءاً من دوائر فعالة متجددة بتجدد متطلبات ظهوره وتنوعه وزواله.. وفي ذلك، فإن الفروق بين الكائنات، هي فروق في طريقة التشكل، وحيوية هذا التشكل لنفسه ولمحيطه.. وبالتالي فالشكل الحيوي، قد يكون مادة أو روحاً، ذاتاً أو موضوعاً، وجوداً أو عدماً، امرأة أو رجلاً.. جهلاً أو معرفة، نسياناً أو تذكر، شعراً أو رياضة.. كتلة أو طاقة.. الخ. ولكنه في كل الحالات يتضمن فعالية تجدد متطلباتها في الظهور والتنوع والترابط والتفكك والزوال.

ولذلك، فإن إمكانات التحول من شكل إلى شكل، جارية باستمرار بين العضوي واللاعضوي، بين المادي والطاقي.. الخ. بحسب حيوية متطلبات التحول.

الشكل الخارجي هو بدوره طريقة تشكل مثله مثل المضمون..

الشكل الحيوي بهذا المعنى أعم تعريف للكينونة.. وهو تعبير غير مسبوق على الإطلاق في تاريخ المعرفة الإنسانية، فالحيوية ليست العضوية ولا تترجم بـ “Vitalisem” أو “Biology” ولقد تم استخدام هذا التعبير في البحوث والفصول الدراسية الفرنسية والإنكليزية بأصله العربي.. وهذا السبق لا يعود إلى عبقرية خاصة لمدرسة دمشق. بل يعود إلى ظروف ومصالح احتياجه لم تكن موجودة سابقاً على هذا النحو الذي يفرضه عصرنا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.. كما أن الإصرار على وضع مصطلح "الحيوية" بأصله العربي “Hayawe” أو “Hayawic” لا يعود لعدم القدرة على ترميزه بكلمة أخرى ولتكن “Y” أو “Z” مثلاً.. بل يعود إلى أن هذه اللفظة غنية جداً وربما هي الأغنى في اللغات السامية. وكما سنرى لاحقاً.

وإذا كان هذا التعبير غير مسبوق.. فهذا لا يعني أنه لم يكن موجوداً في طرائق التشكل الكوني والعمل المعرفي.

ولذلك فحتى تعبير "الجوهر" وهو المضاد المقابل للشكل يعبر بدوره عن الشكل.. فمفهوم أرسطو وأفلاطون عن الجوهر الثابت الذي لا يتغير، هو أيضاً- شكل معرفي حيوي في التعبير عن متطلبات ظهوره.. وتنوعه.. وزواله عبر التاريخ..

وبهذا المعنى، فإن مفهوم الشكل كان موجوداً باستمرار منذ وجد الكون، وفي كل صيغ تشكله.. ولكن صيغ التعبير عنه أخذت أشكالاً مختلفة نظرياً وعملياً باختلاف حيوية متطلبات تشكله..

وتعبير الشكل الحيوي، الذي تقدمه مدرسة دمشق، هو تعبير يسمح بضبط الكون وفق هندسة توحيد وتبسيط حيوي، نظرية وعملية، يمكن التعبير بها عن أية كينونة سواء أكانت فكرية أم سياسية فنية أم- إدارية أم معلوماتية، ما دامت تصف دارات حيوية محددة، بين لحظتي الولادة والموت!! سواء أكانت مصلحة إلكترونية أو مصلحة قرآنية..

ولذلك، فإن مفهوم الشكل ليس مطروحاً للإيمان، بل مطروحاً لكي يكون إجراءاً تقنياً هندسياً نطمئن به على قدرتنا في ضبط أية كينونة تواجهنا. ومفهوم الشكل يعبر عن نفسه في كل العلوم الكمية والمعلوماتية.. بشكل يمكن القول فيه أننا لسنا في عصر المعلومات والنظريات الكمية، بل نحن في عصر الشكل الذي يسمح للإنسان أن يتعامل مع مختلف الموضوعات والتراثات والمجتمعات والعوالم، بوصفها أشكالاً تظهر وتتنوع وتزول تبعاً لمتطلبات ضرورتها الحيوية.