,الوحده في تنوع الخلق..الوحدة في تنوع الطقوس

والاختلاف في صيغ التواصل قائم بسبب اختلاف منطق الكل ومنطق الجزء، إذ، حتى لو أن جميع الأجزاء دفعة واحدة، أرادت التواصل مع الكل فإن منطقها يبقى مختلفاً عن منطق الكل، فالاختلاف، هنا، يعود إلى أن مجاميع الخليقة هي لحظات في صيرورة المصدر الخالق بوصفه قدرة على الخلق اللانهائي. ومن هنا، فإننا، وعلى الرغم من معرفتنا بالجوانب الحيوية في مذاهب وحدة الوجود، حيث تقول إن الخالق (هو) موجوداً في الخليقة (هي) وبالتالي (هو) = (هي) !! وهي = هو!! أما نحن فإذا أقررنا أنه (هو) = (هي)، فإننا لا نقر أنها (هي) = (هو)، لأن (هي) ليست (هو)، ولأنها (هي) أي الجزئيات المخلوقة مجرد لحظات محدودة في مقابل الكلية المصدرية الخالقة، ومن المعروف منطقياً، والمسلم به عامة أن الكلية أكبر من مجموع أجزائها (ومجموع الجزئيات المخلوقة لا تعادل الذات الكلية الخالقة، لأن الجزئيات، هي جزئيات محدودة، بينما الكلية الخالقة هي لا نهائية بالتعريف. ومن هنا يمكننا أن نفهم ضرورة وجود (وحي) نتعرف به طريق الخير، وضرورة وجود (حجاب) نبوي يساعدنا في إيجاد طريق الخير { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء الحجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} (الشورى 51). والحجاب، هنا، أو الوحي، أو النبوة، هي صيغ شفافة (بللورات) لاستشفاف الخير وتحوياته. ولو أننا، تمعنا في الآيات، التي وردت فيها كلمة الوحي، لرأينا أن وحي الله، لا يقتصر على البشر، بل يمتد إلى سائر الخلق.. فالله يوحي للنمل، أيضاً، بحيث يمكن أن نفسر تحويات تلك الكائنات جميعاً، بما فيها من أكل ونوم وإنتاج للخيرات، بوصفها تنفيذاً لوحي الله، وتسبيحاً له { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون* ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} (النحل 68-69).

الوحدة في تنوع الطقوس

وهكذا، فإن فقه المصالح الحيوية، يفسر التحويات الطقوسية والغيبية، التي يحتاجها ويمارسها عامة الناس، في مختلف المذاهب والأديان، والأزمان بوصفها استشفافاً، مطمئناً، مقوياً.. الخ، للاتساق مع إرادة الحياة.. الحرية.

والصلاة، بهذا المعنى، ليست وحيدة الاتجاه!! بل هي تواصل حيوي رحماني متعدد الاتجاهات: بين الخلق وخالقهم للاسترحام، وبين الخالق والخلق ليرحمهم، وبين الناس بعضهم بعضاً.. ليتراحموا، ويزكوا وحدتهم، ويتواصلوا مع رحمهم المشترك، بوصفهم من أبٍ واحد، وأمٍ واحدة، وهم جميعاً (عيال الله)، وكما أشار زكي الأرسوزي في كتابه "عبقرية الأمة العربية في لسانها"  أن (الرحمن": لفظة مشتقة من الرحم). ولذلك، يمكننا أن نجد آيات توضح أن الله- هو أيضاً- بدوره يقوم بالصلاة، ليس على أنبيائه فقط!، بل أيضاً على سائر خلقه الحيويين، الصادقين، الميامين، الصابرين على المكاره، والمقاومين للقنوط واليأس {ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} (البقرة 155-157). وهكذا، نرى أن الله، نفسه، يصلي على الصابرين على المكاره، غير القانطين!! يدعم صمودهم الحيوي، لإيجاد السبل الأكثر حيوية، لتحقيق الخير والفرح.. ولذلك - أيضاً- يمكننا القول، بل وتكرير القول، وبكل الوسائل الجميلة والسلمية.. (صوت مؤذن رخيم، طنين ناقوس حنون.. الخ). يمكننا، بل ويتوجب علينا، بالاستناد، إلى فقه المصالح الحيوية، أن نعلن بكل وضوح ومحبة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على الحياة!! وهذا، هو المعنى، لتحويات الطقوس، في فقه المصالح.. عند عامة الناس، في مختلف الأزمان والأديان، بل إن الصلاة، في فقه المصالح، ليست خاصة بالبشر، فلكل صلاته {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (النور 41). والجزاء الذي تنتظره الكائنات، هو الخير والحياة، في تحوياتها (تسبيحها، صلاتها، نبضها..؟).

وكما قالت رابعة العدوية، فإن صلاتها هي في محبة الله، في محبة الخير، محبة الحياة، (ليس خوفاً من عقاب وليس طمعاً في ثواب)، فمحبة الله تعني، ضمناً، محبة الخير للنفس، والآخرين، لأن الله، هو تواصل خلاق بلا حدود، وتحويات الطقوس الحيوية، تجعل عامة الناس، أقدر على رؤية الخير وآياته، في أنفسهم، وفيما حولهم {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..} (فصلت 53). هذا الحق، هو الذي علينا استلهامه، في أنفسنا، وفي الآفاق، لتشييد فقه المصالح الحيوية، لتحقيق إرادة الحياة.. الحرية.