2.6القرآن الكريم كنموذج للهندسة المعرفية
ونجاح المنطق الحيوي، في مثل هذه المجالات، لا تذكر هنا لتباهي، فما زلنا في أول الدرب، ولكن تذكر للدلالة على أن الهندسة المعرفية كعلم جديد، قديم، يمكننا به التعرف على الموروث الحضاري لكل المجتمعات والأديان والثقافات، بوصفها أدوات معرفية تعبر عن حدوس مصالح منطق عصرها.
ومع أن، مثل هذه الإشارات، يمكن العثور على ما يماثلها، هنا وهناك، فإن التعبير عنها، كان في حقل المجاز والاستخدام غير الملزم، والذي يتطلب قدرات استثنائية للفهم، بحيث تجعله بعيداً عن الجمهور، أما الآن، فإن مثل هذا التبسيط في إيضاح المنطق الحيوي المشترك، لمختلف المنظومات المعرفية، من خلال تقنية وحدة مربع المصالح!! فإنه أصبح بمتناول عامة الناس ومن ذلك على سبيل المثال يمكن أن نقدم القرآن الكريم كنموذج هائل للهندسة المعرفية مثله في ذلك مثل الكتب التي تحتل مكانة مقدسة عند أصحابها وتؤخذ معانيها لتفسر الكون بشكل رمزي!! حيث أن القرآن يشير في أكثر من مناسبة إلى أنه ليس جديداً وليس وحيداً بل هو موجود أصلاً بوصفه خالداً بخلود الحياة.. {بل هو قرآن مجيد* في لوح محفوظ} (البرج 21-22)، {الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابها} (آل عمران 7)، {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب* يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 38-39)، {حم* والكتاب المبين* إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} (الزخرف 1-4).
هذه الآيات الكريمة، توضح لنا، بجلاء، أن الله خالق الكون ومهندسه!! وقد هندس المعرفة التشريعية، بحيث تكون قابلة للقراءة، ومقروءة بوصفها تذكراً، وتذكيراً لفطرة الخير.. ولذلك، فإن من أهم الصفات التي وصف القرآن بها نفسه بأنه "الذكر": }إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر9)، والنبي هو "المُذكر": {فذكر إنما أنت مذكر} (الغاشية 21)، وبذلك فإن الهندسة المعرفية الحيوية هي تذكر، وتذكير (بأم الكتاب) وباللوح المحفوظ بوصفه منطق يحرض على الحياة والتوحيد والحرية، وبهذا المعنى فإن أي مستخدم للكمبيوتر، يمكن أن يعرف هذا المعنى من خلال سعيه لقراءة نص مُخزن وفق نظام يتطلب التحويل إلى نظام آخر ليكون قابلاً للقراءة، وأي قرأنه جديدة!! تتطلب تقنيات لغوية تتناسب ومنظومتها المنطقية التي تستند إليها مما يجعلها تبدو مختلفة بعض الشيء عن بعضها البعض ولكنها في حقيقة مدلولها الحيوي واحدة، وهذا هو جوهر الرسالات المختلفة، التي أتى الأنبياء، لتبليغها، بوصفها نابعة من الحي القيوم، وتعبر عن منطق التوحيد الحيوي لأعمار الأرض، والاتساق مع إرادة الحياة.. الحرية..
مثل هذا الفهم للهندسة المعرفية في استنباع وتطبيق المنطق الحيوي يجعلنا نفهم على نحو أفضل الفيض والخلق الإلهي للإنسان ليكون خليفته في الأرض، ويجعلنا نفهم أكثر، لماذا يستطيع كل إنسان أن يتصل بربه مباشرة، بدون أي حاجز، فهو أقرب إلى كل منا من حبل الوريد، وسميع يجيب الداعي إذا دعاه.. وبخاصة، إذا أخلص النية، وصدق العمل في استلهام فقه الحياة والتوحيد.. ويجعلنا نفهم السيرة النبوية ضمن أربع تحويات مصلحية حيوية:
- المربع الأول، هو مربع العزلة والتحديد، حيث تحويات الحدس والنوايا التي كانت تدور في غار حراء.. وبإيقاع خفيف وبطيء وسرية.
- أما المربع الثاني، أي التعاون والتكامل فكان تحويات المرحلة المكية والتي كانت تدور بصيغ قرآنية تبشيرية من خلال البلاغة القرآنية..
- أما المربع الثالث، فإنه قام عندما قويت تحويات الصراع والتناقض لتحقيق مصلحة النبوة فهاجرت إلى المدينة وبدأت فكرنة التشريع والمذهبة والمحابات وما تضمنتها من متطلبات الصراع مع مكة ومع فرقاء المدينة.
- المرحلة الرابعة، هي مربع التوحيد والاحتواء والفكرياء والتي تمثلت بالانتصار في تحطيم الأصنام وتحييد قوى الشخصنة واحتوائها من خلال تعبير الطلقاء.. وتعد خطبة الوداع أرقى أشكال القنونة التوحيدية العالمية.
هذه الهندسة المعرفية- إذاً- تتطلب معرفة معاصرة لمبادئ المنطق الحيوي، وبمستوى تقنيات، ومتطلبات عصرنا، واحتياجاته، وبعد ذلك، يمكننا البدء، باختيار القوانين والمواد اللازمة لتشييد فقه المصالح، بشكل قابل للفهم والاستعمال الجماهيري، وبالطبع، فإن الهندسة المعرفية، لا يجوز أن تكون أحادية، ولا أن تكون نهائية.. بل يجب أن تبقى موضع اجتهادات، يثاب، حتى- على الخاطئ منها، إذا صدقت النية والعمل.