لمحة عن التحويات الفئوية والمعرفية
وحيوية منظوماتها المنطقية
بعد ذلك التقديم السريع للمصطلحات الأساسية المستخدمة في هذا البحث فإننا نحتاج إلى تحديد دارات التحوي الفئوي المتاحة في عصرنا. وتحديد حيوية منطق منظوماتنا الفئوية المعيشة في ديار العرب والمسلمين ضمن العالم حالياً.
ومن أجل ذلك لا باس من لمحة سريعة للأنماط والمنظومات المنطقية التي تشكل دارات التحوي الفئوي وتحدد حيويتها، لنتعرف بها على منطق تحوياتنا الفئوية وحيويتها عبر المراحل المختلفة في التراث والعصر.. وذلك بردها إلى المنظومات المنطقية التي تتحول بدلالتها والتي تفسر ظهورها وتنوعها وزوالها.
تحويات العزلة أو الانغلاق..
(أ) منظومة التحوي الفئوي وفق منطق الجوهر العنصري:
وهي تتضمن تحويات فئوية تقوم على التمايز الانعزالي، المنغلق الاستعلائي لوضع الذات في موقع متمياز جوهرياً، يحظى بقداسة لا يرقى إليها الآخرون بوصفهم أنجاساً. ويتجسد هذا المنطق ضمن فئويات اجتماعية ضيقة وتجد نموذجها في صيغة الفئويات العشائرية والقبلية وفي الطوائف والقوميات الصغيرة المحدودة والمغلقة.
وعندما نشير إلى منطق دارات العزلة أو تحويات الانغلاق بوصفها منظومة الجوهر العنصري فإننا لا نقصد الإشارة إلى دين محدد أو مذهب محدد أو مجتمع محدد؛ ولا نقصد التقييم السلبي، فمثل هذا المنطق التمايزي الاستعلائي المنغلق على ذاته معيش في كل المجتمعات وعلى كل المستويات، وقد يأخذ صيغاً طائفية أو عرقية أو قومية أو جنسية أو طبقية.. الخ، وهذه الصيغ ترتبط باحتياجات تلك المنظومة ومنطق مصالحها التي تتحكم بمن يعيشها بسبب توافر مستلزماتها الفكرية والسياسية والفئوية بحيث تتمحور حول مصالح لا تريد مشاركة الآخرين بها لضخامتها أو لا تستطيع مشاركة الآخرين بها لهشاشتها.
وتعبر منظومة منطق الجوهر العنصري على المستوى الفئوي الديني في الفئات التي تعيش مقولات (شعب الله المختار)، (الفرقة الناجية)، (العرق المتفوق)، (الطبقة القائدة)، (الحزب القائد).
وفي التاريخ العربي فإن المرحلة الجاهلية كانت تحفل بنماذج منظومة منطق الجوهر العنصري من خلال الفوئيات القبلية المتصارعة والتي تجد نموذجها الأبرز في سفسطات داحس والغبراء. ولم ينقطع وجود مثل هذه الفئويات في التاريخ العربي من خلال التحول القبلي إلى طوائف مغلقة أو من خلال تكون طوائف مغلقة تطلق على نفسها (الطائفة الناجية) وهذه حالة تشمل معظم الطوائف الإسلامية وغيرها في التاريخ العربي فيما عدا استثناءات تشمل بعض المجموعات الصوفية والأحزاب والأنظمة السائدة في واقعنا المعاصر والتي تعد نفسها تحتكر صفات القداسة هي نموذج آخر لهذا المنطق الجوهري العنصري.