(د) منطق النفي بالبراغماتي أعلى مراحل الديالكتيك:

لا بأس من الإشارة- هذا إلى أن الاتجاهات البرغماتية، التي انتشرت في الولايات المتحدة الأميركية، منذ بداية هذا القرن، هي الوجه الآخر للديالكتيكية التي انتشرت في الدول الأوروبية.

ولكن الاختلاف بينهما، يقوم على أن النفي الديالكتيكي يعتمد على السعي الشامل لمحو الآخر.. بوصفه طبقة ديناً.. قوماً.. الخ.. وهو ما يفترض في معظم الأحيان.. تكاليف مواجهات دموية شاملة.

أما النفي البراغماتي.. فهو يقوم على نفي الآخر، بأقل كلفة، وبالتالي، فإن النفي البراغماتي أكثر دهاءً ، وأكثر وقاحة.. فهو لا يتبرقع وراء مبادئ لتبرير نفي الآخر، كما هو الحال في الديالكتيكية، بل هو علني، وواضح في عدائه، لكل المبادئ، ما عدا مبدأ المصلحة الخاصة.

ومع انتصار الولايات المتحدة على الديالكتيكية السوفياتية، فإن الغرب الأوروبي، ومعه كثير من المجتمعات، بدأت ترفع شعار البراغماتية، لتجاوز ما كانت تعده مبادئ مقدسة.

ولذلك، فإن كثيراً من السياسيين، أخذ علنياً يزين خطابه في هذا التعبير.. ومنهم "عرفات" في محاولة للتلميع الذاتي، والتحدث بلغة مرجعيته السياسية.. ولا بأس  من الإشارة إلى أن هذه البراغماتية، إذا استخدمت من موقع الضعف فإنها تعني الإعلان الأنيق بالاستسلام، والقبول الصادق بالهزيمة، والانتحار اللذيذ بتعاطي المخدر..

وكما سنرى لاحقاً.. فإن المنطق الموحد للشكل الحيوي، هو تجاوز لتحويات نفي الديالكتيكية والبراغماتية.. فسواء كان النفي دموياً.. أو من خلال القفازات البيضاء.. فليس ثمة ما يبررها في عصر العولمة الحيوية.

والعولمة الحيوية تقتضي توجيهاً للمصالح، لتصبح شاملة للإنسانية بأسرها.. وليس لصالح فئة دون غيرها..

ومن المناسب القول، بأن "اتفاقيات الجات" التي روجت لها وفرضتها الولايات المتحدة على معظم دول العالم، والتي تظهر أنها شكل من أشكال الحرية، والانفتاح، بينما هي، في الحقيقة، شكل من أشكال النفي البراغماتي. فالجات لا تستهدف- فقط- نفي مصالح دول العالم الثالث، المفتوحة عنوة.. أمام متطلبات السوق الرأسمالية.. بل هي- أيضاً أي "الجات"- موجهة لنفي مصالح القوى العاملة الفقيرة، والمهاجرين إلى الولايات المتحدة والغرب، لإخراجهم - بعيداً-  عن الساحة السياسية..

وقد يسأل أحدهم: كيف ذلك؟ ولماذا تضرنا قوانين التجارة الحرة، المفتوحة بإطلاق، ولماذا تزيد الفقراء فقراً في الولايات المتحدة، ولماذا تضر المجتمعات المتخلفة في العالم الثالث؟

للإجابة نقول: إن (الجات) تعطي الترخيص القانوني لنقل المصانع الغربية إلى دول العالم الثالث الفقيرة جداً كأندونيسيا وماليزيا وتايوان.. الخ وهي بذلك، تضرب عصفورين، بل وأكثر، بحجر واحد.. فهي أولاً، تجد أيدي عاملة أكثر رخصاً- بما لا يقارن مع كلفتهم في الغرب، إذ بدلاً من أن يدفع رجل الأعمال الأمريكي 6 دولارات للعامل الواحد، عن الساعة في أمريكا، فإنه يدفع، اقل من عشر سنتات، لعمل يوم كامل، خارج أمريكا يشغل به طفلاً أو امرأة حامل أو عجوز مريض.

وفي حين يضطر للخضوع إلى رقابة الدولة في الغرب، على معايير الإنتاج، وشروط الأمن، والضمان الصحي والاجتماعي والضريبي.. الخ.. فإنه يعمل، ما يحلو له، خارج الغرب.. وهو بذلك، يحرم فئات غربية كثيرة من فرص العمل اليدوي، بحجة أنها غالية، وبالتالي، يفقرها ويخرجها عن الساحة السياسية. وبالفعل، فإن الكثير من المعامل وخطوط الإنتاج، قد أغلقت في الولايات المتحدة.. وانتقلت إلى المكسيك، ودول أخرى في العالم الثالث.

أما الإفقار الذي تتعرض له دول العالم الثالث، فقد رأينا له صوراً مباشرة، في الكارثة التي حلت في المكسيك مباشرة، بعد توقيع اتفاقية الجات، حيث خسفت الأرض برأس المال الوطني، وضعفت القوة الشرائية إلى حدود مريعة، خرجت معها قوى كثيرة من الساحة السياسية.. وذلك باسم الانفتاح والحرية.

ونرى- الآن- صوراً للكوارث، التي تتعرض لها دول شرق آسيا، بعد أن استعملت كثيراً للإغراء، بوصفها مخرجاً للتقدم، وطريقاً للنمور.. وليس من المستغرب أن تكون مصر باتجاهاتها المتباعدة نسبياً عن الأوامر الأمريكية.. أن تكون مرشحة لمثل هذه الكارثة..

ومع أن الإفقار الحالي، تم عن طريق عمليات احتيال بنكنوتية.. إلا أن الإفقار الحقيقي، يقوم على تفريغ الريف والمناطق الزراعية في العالم الثالث، من القوى العاملة، لتحرم هذه الدول، من عماد ثروتها الأساسية، والمصدر المأمون والأساس لغذائها.

أما العصافير الأخرى، فهي ضرب الصناعات المحلية الناشئة، ووقف نقل التكنولوجيا وتطويرها في دول العالم الثالث، وضرب القوى الحيوية، المعادية للهيمنة الغربية فيها.

لذلك، وبعد كل هذا، وذاك، فإن (الجات) تؤدي إلى زيادة أرباح، وزيادة سطوة قوى الاحتكارات الكبرى.. وزيادة قدرتها على استخدام ذراعي الخارجية والدفاع في الحلف الأطلسي، لضرب كل ما يقف في وجهها، وهذا ما جرى للعراق، ليكون عبرة لمن يخاف.. ولمن لا يستخدم المنطق الحيوي في قراراته.

المنطق الموحد للشكل الحيوي، كما سنلاحظ لاحقاً، يقوم على مبدأ مرجعي ملزم بقوة البداهة المنطقية، المؤدية إلى توحيد البشر، على قاعدة المصالح المشتركة، في الحياة والحرية والسلام.. دون أي أثر للنفي والهيمنة والعنف، غير عنف منطق الحياة نفسها..

وهذا الإلزام الحيوي، ليس دينياً، وليس غيبياً، بل هو منطقي، وعملي، وشامل.. ويمكن لمس ضرورته ببساطة وشمول.. ولذلك.. فإن فقه المصالح الحيوية التي ندعو إليها لا يمت بأي صلة إلى منطق النفي البراغماتي إلا من حيث السعي للتخلص من قوى النفي- نفسها- محلياً وعالمياً.. بأقل كلفة ممكنة، وبشكل علني ولمصلحة الجميع.. ويكفي لإيضاح إلزام هذا المنطق الحيوي للمصالح، الإشارة إلى أننا أصبحنا في عصر لا يستطيع فيه، أي منا، أن ينفي الآخر، دون أن يعرض نفسه للنفي.. ولذلك، فليس ثمة مصلحة أكيدة، لاستمرار النفي الديالكتيكي أو البراغماتي بل توجد أضرار شاملة وواضحة في استمراره.. كما سنرى، فيما يلي، أثناء عرض موجز لمنظومة المنطق الموحد للشكل الحيوي الذي إذ يؤسس العولمة الحيوية باشتراط أشكالاً للانفتاح التجاري والسياسي والثقافي تعود بالفائدة والخير على الجميع.

لا ضرر ولا ضرار.