مواجهة الإشكالات الاجتماعية الداخلية

تشهد الأقطار العربية هزات عميقة، على كل مستوى، ومنذ نهاية الثمانينات، بدأت تدخل ضمن عالم مختلف كلياً، عما كان سائداً منذ نصف قرن، على الأقل.. فالاتحاد السوفياتي شهد انهياره المتقوع، في ظل هزالة مردود النفي الداخلي والخارجي، كما أن الدول الأوروبية تدخل جدياً في مرحلة تزايد التنسيق فيما بينها انطلاقاً من وحدة اقتصادية إلى وحدة سياسية، وتنهض في (تايوان) و(كوريا الجنوبية) و(البرازيل) و(الأرجنتين) و(الهند)..الخ. مراكز اقتصادية صناعية متميزة، وتعد وحدة الألمانيتين مؤخراً تتويجاً لمسيرة اجتماعية سياسية. تخفى فيها إلى حد بعيد معطيات منطق الجوهر نافياً وديالكتيكياً، فالألمان، وعلى الرغم من وجود جيوب عنصرية نازية، فإنهم بشكل عام، فهموا الدرس جيداً، وتخلوا عن إظهار نزعات جوهرية عنصرية أو ديالكتيكية.. ليس من أجل التخلي عن اعتزازهم بأنفسهم، وسعيهم لإثبات حيويتهم وعبقريتهم، بل من أجل اختيار أساليب لا تقوم على الحقد والعدوان ورد الفعل، من خلال السعي لإثبات (ذات) فعالية متوازنة، مع المصالح المشروعة للآخرين وأساساً – ما كان من الممكن أن تحقق وحدتها خارج إطار محادثات (2+4) الذي جمع دول الحلفاء، المنتصرة (أمريكا، وروسيا، بريطانيا، وفرنسا) بالإضافة إلى الألمانيتين، والأمر نفسه جرى في الاتحاد السوفيتي، الذي تخلى عن سياسته الديالكتيكية الخارجية، وبدأ يتفكك بها داخلياً تحت السيطرة الأمريكية لتحقيق التعايش المتوازن الفعال مع الغرب وأمريكا ومع الداخل، وبالطبع، فإن لهذه التغيرات تأثيرات مباشرة على الوضع العربي والإسلامي، أما على المستوى الداخلي، فإن انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وفشل تيار الشخصنة الإسلامية في نفي الآخرين، وعجزهم عن استلام السلطة في أي قطر عربي، كل ذلك، من شأنه أن يعزز التخلي عن المنطق النافي الديالكتيكي عند سائر الشخصنات المحلية الإسلامية أو غير الإسلامية، فالهزائم قادرة على تحقيق انتصارات عقلية وسياسية مؤلمة، ولكنها إذا – فهمت جيداً، تكون أفضل من الانتصارات السطحية السريعة!!

ولذلك، فإن هزيمة (العراق) في 1991 مع كل آلامها ومرارتها، ستساعد في إحداث نقلة في تحويات العقل العربي، بجعله يتجه للتخلي عن منطق الجوهر النافي والديالكتيكي، ليس لأن الواقع أصبح عقيماً فقط، بل لأنه أيضاً لم يعد يؤدي في ظل ميزان القوى الحالي، إلا إلى مزيد من الهزائم ومزيد من الأزمات.

إذاً، هل نحن على عتبة مراجعة جذرية شاملة؟!.. دون شك، الإجابة هي نعم!.. ولكن سيكون، بالتأكيد، على حساب مشاعر وعواطف قومية ودينية، مجبولة بلحمنا ودمنا.. وآمال نمنا واستيقظنا على التغزل بها كل صباح.. والدعاء لتحقيقها كل مساء.. فالعرب والمسلمون مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالتخلص من نمط المشاعر (الذاتية) التي ما تزال تحظى بالقدسية لدى الجماهير ومطالبون باستبدال المشاعر السائدة حالياً نحو (الآخر) لتقبل ما كانوا يرونه قبل سنوات فقط رمزاً للنجاسة والعدوان والنفي.

وبالطبع فإن الشعور بهذا التطلب المؤلم لا يعني الجماهير مباشرة وبشكل عام بل يعني القوى السياسية الحاكمة والمعارضة، من أجل صياغة برامجها السياسية وصيغ تحويها باتجاه السلطة، وصولاً إليها أو إلى تشعباتها.

إن صيغ التنافس والمزاودة في هذا الموضوع ستبقى مفتوحة بين من يدعى مسايرة العصر وضروراته، ومن يدعى أنه الحارس الأمين على قيم الأمة ومشاعرها المقدسة، ولذلك يمكن أن نتوقع استمرار سياقات الرأي العام التي كانت سائدة سابقاً، مع مزيد من الضعف والضآلة والهزال، لغياب التنافس الدولي، ولعجز الأنظمة العربية عن المنافسة، كما كان حالها سابقاً. من خلال وجود قضايا ساخنة وجبهات مفتوحة كالقضية الفلسطينية، وقضية الوحدة العربية، وقضية الاشتراكية وقضية الأسلمة..

هل نقصد أن هذه القضايا لن تمتلك بعد اليوم قدرة على تسخين الذات؟! الإجابة وبكل أسف نعم، فالجماهير وقواها العفوية هي أبعد ما تكون عن القدرة على المبادرة، ومن يتذكر احتلال (بيروت) ويتذكر محاصرة القوات الفلسطينية والسورية والقوى اللبنانية من قبل القوات الإسرائيلية، فإنه يتذكر أنه لم تنهض من أجل ذلك مظاهرة عربية واحدة لا عفوياً ولا بأمر رسمي، والمفارقة الأكبر في حرب الخليج أن العالم الأجنبي (الآخر) هو الذي احتج على تدمير الملجأ المدني وشاركه في ذلك بعض القطاعات العربية والإسلامية، حيث الأنظمة شجعت أو سمحت بمثل هذه التظاهرات فقط!!

ولكن لم نسمع بتظاهرة واحدة ضد استمرار الحرب حتى بعد قبول العراق لوقف إطلاق النار، ولم نسمع عن مظاهرة واحدة ضد الشروط التي يراد فيها نزع القدرات العسكرية العراقية.

ترى ماذا يمكن أن يحدث للعراق في السنوات القادمة، وهو معلق بشروط دولية تعيقه عن التمتع بخبراته، وعن الاستقلال في قراره السياسي؟ والعسكري؟ ماذا بقي لديه، لكن يبقى إعلامياً على الأقل يمثل أنه جبهة الرفض ضد التسوية مع إسرائيل؟ وهل بقي لديه ما يقوله عن ضرورة الوحدة العربية؟ وهل بقي لديه ما يتدخل من خلاله في شؤون محيطه العربي والإسلامي..؟

الإجابة بالتأكيد هي النفي، ومع إعطاء الأكراد ركناً في السياسة الرسمية فإن الخطاب العروبي الوحدوي لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار هذا الركن، ومع وجود إيران القادرة على النفوذ الإسلامي لدى الشيعة، فإن الخطاب الإسلامي العنصري الطائفي الديالكتيكي، أيضاً، لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار هذه المسائل..

وبالنسبة للاشتراكية فإنها لم تعد قضية جدية بعد خيانة الماركسية السوفياتية لذلك الحلم النبيل وإضافة أكبر فرصة عرفها التاريخ، وستبقى قضية فلسطين بما تمتلك من استمرار (للتحدي الصهيوني) القاهر للمشاعر العربية والإسلامية، عاملاً في تأجيج المشاعر، ولكن في ظل التحطيم الذي أصاب العراق.. ماذا يمكن لأي – سياسي أن يقول.. حتى ولو كان الكلام مجاناً..!!

الإجابة تصبح سهلة وبسيطة، إذا عرفنا أن الأفق العربي أصبح منخفضاً جداً والآمال في تغيير الواقع جذرياً لم يعد لها جماهيرية. وبالتالي فإن دغدغة هذه العواطف ستصبح بلا معنى..

ولكن هل هذا يعني أن الفقر، والبطالة، والتخلف والدونية، ستجعل الجماهير أكثر استعداداً للصمت والتخلي عن الاتجاهات العاطفية العروبية الإسلامية والثورية؟!

الإجابة على العكس تماما، فهذه المعايشات بالفعل هي التربة الخصبة للتحريض العاطفي، ولكن المشكلة ستظهر بوضوح في أنها لم تعد في أيدي الجماهير، وعواطفها، بل في أيدي الاتفاقات الدولية المفروضة والتي ستفرض على الجميع لإزالة كلمة وحدة، وتحرير، من القاموس الإعلامي الرسمي وحتى كلمة (أقطار عربية) هي في طريقها للتلاشي من الإعلامي الرسمي. ومنذ فترة يجري اللعب بتعبيرات مثل دول المواجهة والطوق والجوار.. بحيث لا يتسغرب المرء إلى تعريف العالم العربي إعلامياً من خلال جواره لإسرائيل بعداً أو قرباً هجراً أو وصالاً، دلالاً أو شوقاً..

لم نستثن أية مساحة عربية من هذا الاتجاه.. وذلك لانعدام وجود قوة عربية قادرة على معارضة هذا الاتجاه.. ولكننا مع ذلك، فإننا لا نستطيع إغلاق باب الأمل في بناء قدرة سورية يمكنها أن تمتد بهدوء وتوازن لاسترجاع مصر والسعودية والعراق وربما تركيا بعد أن تم استرجاع إيران!!.. ومع ذلك، فإن بقاء (جذوة سورية) لن يحرك الشارع العربي بشكل متعاطف قادر على تغيير الموازين.

والكلام نفسه يمكن قوله بالنسبة للقوى الفلسطينية، فالشارع العربي مع كل تعاطفه مع قضيتهم، لن يغير منهم شيئاً.. وستفقد المنظمات الفلسطينية القدرة على احتواء – أفواج السياسيين والكتاب العربي مع غياب الدولار الأمريكي والروبل الماركسي.. وأفضل مثال عن ذلك ما نقرأه في مجلة (الهدف)([1]) حيث نلاحظ في خطاب (لجورج حبش) المسؤول عن هذه المجلة ومنظمتها!! يتوقف عند الماركسية أكثر مما يتوقف عند قضية فلسطين ويقول (هناك الكثير من الثوريين الانتهازيين الزائفين يتشدقون ليل نهار بأن الماركسية انتهت)..!! للأسف فإن الطريق الماركسي لتحرير فلسطين.. طريق الاسترزاق لم ينته! فمن يدفع؟؟

ومع ذلك فإننا لن نترك القارئ يطوي هذا البحث على المرارة والحرقة، ولا نريد أن نمده بأسباب كاذبة للأمل، ولكننا نود الإشارة مرغمين، إلى أن المنطق الحيوي، منطق العصر، سيجد طريقة في صيغ تحوينا الاقتصادي، والثقافي، والتقني، والنفسي، والسياسي، باتجاه منطق الشكل، القائم على بلورة مفاهيم (للذات) و(للآخر) متوازنة، فاعلة، واقعية، وطموحة جداً، إلى تجاوز حالة الأزمات والهزائم على المستوى العربي الإسلامي والعالمي أيضاً..

هل نريد العودة بذلك إلى تأكيد ضرورة إيجاد الميثاق الحيوي العربي الإسلامي، وضرورة فتح الحوار العربي – العربي، ومعالجة التراث الإسلامي معالجة حيوية، وفتح الطريق أمام صيغ للتحوي الاجتماعي والسياسي والفكري والفئوي، حيث تغيب فيه أشكال الأقلية والأغلبية الدينية والعرقية، لصالح أقلية وأغلبية سياسية، بحسب قدرتها على نيل المصداقية الجماهيرية، وفتح طريق المشاركة السياسية، أمام الجميع، بوصفها أمانة يجب أن تؤدى، وواجباً يجب أن يمارس ويحترم الإنسان لأجله، ويستحق المواطنة الحيوية – فقط – من خلاله.

إننا لا نريد العودة لتأكيد هذه القضايا، بل للإشارة إلى سبل بناء المجتمع، بشكل يساعد على تحقيقها، بالطبع يمكن توقع تغييرات في ميثاق الجامعة العربية، ويمكن توقع قيام منظمات للعمل العربي والإقليمي، ويمكن توقع – أيضاً – حدوث منظمات إقليمية سياسية واقتصادية تشمل دولاً عربية وإسلامية وأوروبية، إلا أن ما نتوقعه، ونحض عليه – هو المباشرة فوراً بإيجاد برامج اجتماعية قادرة على أن تضع أقطارنا باتجاه الانفتاح عربياً وإسلامياً ودولياً.

ومع أن إعطاء الأولوية للانفتاح العربي والإسلامي سيبقى له الأفضلية الجماهيرية، فإننا نخشى أنه سيكون الاتجاه الأصعب، والأكثر مقاومة من قوى الهيمنة الدولية.. ولذلك. فإنه سيكون من المناسب جداً اللجوء إلى (عتلة) دولية – لاستخدامها كرافعة تنفي ضغوط الهيمنة الدولية جزئياً على الأقل، وتفتح العقل والواقع العربي الإسلامي على المحيط الدولي، من مواقع بعيدة عن المنطق العنصري والديالكتيكي، وهذا لن يكون دون آلام، ودون تشنجات وتمزقات. دائمة، ولكن هذا الاتجاه للانفتاح على العصر والاستجابة لمعطياته العالمية. لا يقبل التراجع، وإذا بدا أن صيغ الانفتاح العالمي ستجعلنا في حالة اغتراب عن (الذات) أو على الأقل نعطيه (حق الرعاية الأولى) على طريق التفضيل الأمريكي الرسمي.

نقول: إذا بدا ذلك، فإن الحقيقة ستتضح بعد مرور الوقت لتظهر أن مرحلة الانفتاح العربي الإسلامي باتجاه العالم ستظهر هذه (الذات) من منطق الجوهر العنصري الديالكتيكي، وتجعلها قادرة على التقاء الذات مع (ذاتها) الأكثر حيوية والأكثر توازناً وفعالية وبعثاً عن الاعتزاز بالوشائج الموجودة، والتراث الحيوي. ولنلاحظ هنا أن بورقيبة مع كل جهده لسلخ تونس عن محيطها العربي الإسلامي سياسياً وثقافياً وإعلامياً خلال أكثر من ثلاثين عاماً.. أعطانا ردة فعل عروبية وإسلامية حيوية قل مثيلها في الفكر السياسي والتنظيمي العربي المعاصر.. بينما خلف لنا النميري بمزاوداته الإسلامية، عنصرية مسيحية انفصالية بالإضافة إلى ديالكتيك إسلامي مهزوم لا يروه غير حالة الموت جوعاً.. والأمل بالخلاص من هذه الدنيا والرحيل هيكلاً عظمياً إلى الدار الآخرة..

لنلاحظ جيداً، أن عزلة الأقطار العربية عبر قرون الانحطاط، وتخلف وسائل الاتصال، لم تجعل هذه الذات عاجزة عن تلمس نفسها، لأن تحوي الذات لا يقوم فقط على الاحتكاك المكاني، ولكنه يقوم أولاً على الاحتكاك الزماني.. ولذلك فإن بلورة الذات الحيوية العربية والإسلامية يتوقف على القدرة على مقاومة تحديات الماضي الانحطاطي، والمستقبل المصادر للغير.. ودون القدرة على تحقيق استجابة قادرة على احتواء المخاض العالمي ومعطيات العصر. فإن هذه الذات مهددة بالانقراض.

ولذلك فإن طريق الحياة، هو طريق المواجهة لتحديات العصر في العمل لامتلاك مستلزماته، وبذلك نلاقي العالم في منتصف الطريق.

وسوف نقترح فيما يلي ما نعتقده خطوطاً عامة يمكن أن تكون موضوعاً للرأي العام العربي قادرة على شق طريقها والتبلور بصيغ قابلة للتطبيق بشكل أو بآخر مع العلم، أنها تتطلب تدقيقاً مستمراً بالمقارنة مع الظروف المعيشة خارجياً وداخلياً كالمتغيرات الدولية. والمتغيرات في الأقطار العربية والإسلامية المجاورة والمتغيرات الإسرائيلية الممكنة سلباً وإيجاباً.

ولكن المتغيرات الداخلية ستبقى العامل الأكبر المحدد لمتطلبات المراجعة والتدقيق لأية اتجاهات في الرأي العام العربي الموجه.