المبادرة الحيوية على المستوى السكاني والبيئي

نحو مدن متوسطة:

قبل أن يكون هناك أي اتجاه عالمي يهتم بالبيئة منذ 1970، كتبنا عشرات المقالات حول مخاطر التوزع السكاني، ومخاطر المدن الكبرى. وبخاصة في العالم الثالث، وكتبنا في البرنامج السياسي الحيوي أكثر من (200) صفحة في تقييم الوضع السكاني في سوريا، وفي اقتراح الحلول البيئية والسكانية الأكثر فعالية لأخذ دور الجبهة المتقدمة لوقف المد الصهيوني، وفي صيغ المعالجة الحيوية، ولا نرى سبباً يجعلنا نكررها – هنا – ولذلك حسبنا الإشارة بصفحة واحدة حول هذه المسألة لنقول:

إن صيغة المعتمرات الاجتماعية – الحالية – يجب إعادة تشكيلها، ومقاومة أمراضنا البيئية والنفسية الناتجة عنها، ويتوجب الإكثار من محرضات الهجرة الداخلية، والاختلاط المباشر، وعدم النظر إلى الهجرة الخارجية نظرة سلبية.. إذ أن أيام الهجرة كتاب مفتوح، لخبرات غنية لا نجدها في أي مدرسة.. والحركات الحضارية الكبرى ترتبط – بشكل أو آخر – بصيغة من الهجرات، التي تجدد دماء المجتمع.. ترى، ألا يفسر لنا حب الهجرة والقدرة عليها عظمة (الفينقيين) الذين وصلوا إلى أوروبا؟ وآثارهم موجودة في شمال بريطانيا.. إلى الآن.. وكان لهم قواعد على كل سواحل المتوسط.. وسواحل الخليج أيضاً، والروايات عن اكتشافهم لأمريكا منذ ذلك الحين تجد إثباتات أثرية مدهشة. بل ثمة فرضيات باكتشاف الفراعنة.

وهذا غير مستغرب.. فأناس وضعوا نصب أعينهم وضع بصمتهم على التاريخ بشكل متميز واستثنائي، لا بد أن يعرفوا الجغرافيا أولاً..

وهكذا فإن أساس العمران الاجتماعي الحيوي هو مواجهة المخاطر البيئية والنفسية لصيغ – التوضع السكاني الموروث.. والمتنامي دون أي تخطيط وبشكل يكرس العقلية الأحادية فينا.. وقد ذكرنا هذه البرمجة مع الاتجاهات البيئية العالمية المتجهة نحو إيجاد مدن متوسطة بصفتها حلولاً بيئية واجتماعية وثقافية، وتتمثل هذه المدن في فرنسا بما يعرف بالمدن الجديدة. (فيل نوفيل) وتعرف في بريطانيا بما يعرف (بغاردن سيتي) مدن الحدائق!!..

ومثل هذا الاتجاه، سيكون الحل الوحيد لمشكلات الإسكان والبيئة، التي تأخذ شكل كوارث في العالم الثالث عامة، وتظهر من خلال الأحياء الفقيرة، المحيطة بالعواصم، التي تفرغ الأراضي الزراعية، ويتجمع فيها ما يزيد عن ثلث سكان البلد، ليضيفوا إلى مشكلاته، مشكلة أخرى، وفي هذا المجال، لا بد من التفكير بالاستفادة من الجاليات العربية والإسلامية في الدول الأوروبية والأمريكية، والتي يمكن أن يصبح لها ثقلاً مهماً!! كثقل الجالية اليهودية!! إذا أحسن مساعدتها على تنظيم نفسها لتمارس مواطنتها بشكل فاعل وتوصل إلى المؤسسات البرلمانية من يخدم مصالحهم في ديار الهجرة التي ذهبوا إليها وديارهم العربية الإسلامية ودعم هذه الجاليات.

لا يجب أن يكون في صيغة تدخل في شؤون الدول الأخرى وليس بصيغة تبرعات تقدمها هذه السفارة أو تلك للمحازبين.. بل يجب أن تكون بإشراف الجامعة العربية ومؤتمر الدول الإسلامية، أو ما شابه، لمساعدة الجاليات في التجمع في هيئات اقتصادية منتجة وفق سياسة لا تطلب من الجالية التبرع وبالتالي الخوف من نتائج التبرع. ولا تطلب من الجالية أعمالاً إرهابية وبالتالي تشلها وتستعديها.. بل تطلب منها أن تستفيد بتجمعها الديمقراطي المخلص لمواطنتها الجديدة والقديمة بوصفها مواطنة حيوية واحدة في عصر عولمة وعي وتقنية الشكل الحيوي.

وعلينا – أيضاً – أن ننتبه إلى أهمية الهجرات المؤقتة الخارجة والداخلة (سياحة) لتقوية الإحساس بفقه مصالح التوحيد عالمياً. وتجاوز الانغلاق ألا نلاحظ أن ظاهرة السياحة تكاد تكون في القرن العشرين معادلة لانعطافة التاريخ البشري في ارتياد الفضاء.. وبالطبع فإن السياحة والهجرة مرهونة بالقدرة على إيجاد شبكة مواصلات واتصالات في الأرض والسماء.. لنقل وتوصيل البشر والأفكار.. وهي ظاهرة أخذت مع عصر الطيران والفضاء بعداً جديداً كلياً للتاريخ البشري.