المبادة الحيوية على المستوى الاقتصادي

نحو اشتراكية الملكية المحددة والشراكة المتعددة الجنسيات:

ولكن العقلية الأحادية ليست مرتبطة فقط بالسمات البيئية والنفسية المعيشة في صيغ معتمراتنا السكانية بل ترتبط أيضاً بالسمات (الاقتصادية والثقافية والعسكرية..الخ) فما هي صيغة العمران الاقتصادي التي يمكن أن تنهض بها المبادرة الحيوية؟

للإجابة عن ذلك. لا بأس من إجراء مراجعة خاطفة لمحركات التطور الإنتاجي والصناعي والاقتصادي في العالم المعاصر.. حيث رأينا أن بدايات المعسكر الاشتراكي كانت في الانتقال من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي وذلك اعتماداً على (اقتصاد الحرب) القائم على ملكية الدولة التام لوسائل الإنتاج والأسواق والنقود والإعلام والباعة والمنتجين والمستهلكين.. الخ. وعندما انتهت الحرب الخارجية فإنها فقدت محركاً كبيراً، وحافزاً حاسماً للتقدم.. وازداد الأمر سوءاً عندما حولت الحرب من المستوى الخارجي إلى المستوى الداخلي، فحاربت المبادرة الفردية والسياسية، وبذلك حفرت قبرها..

وهذه الصيغة من (اقتصاد الحرب) كانت متبعة في ألمانيا النازية، كما أن الدول الرأسمالية التي ما تزال إلى الآن تمتلك أكثر من 40% من اقتصاد السوق بما لديها من شركات كبرى (كهرباء، مواصلات، بنوك، مناجم..الخ) على الأساس فالملكية العامة إذاً ليست موقع اعتراض من أحد.

إلا أن الاعتراض يقوم على نسبة تدخل الدولة وعلى مستوى الإدارة في كل الدولة على التدخل في هذا الميدان أو ذاك.. وضرورة التدخل، بهذا الحجم أو ذاك وبهذا الشكل أو ذاك.. والدولة في النظام الأمريكي والغربي، عامة، هي الشريك الأول في إنتاج واستهلاك وتسويق صناعة السلاح.

وهنا، إذاً، لا مجال لكثير من الجدل.. إنما الجدل حول جدوى اقتصاد رأسمالية الدولة بشكل كلي كما كان يطبق إلى وقت قريب في المعسكر الشرقي. فهل كانت صيغة اقتصاد رأسمال الدولة قادرة على مجاراة ومنافسة رأسمالية القطاع الخاص؟ كما يطبق إلى الآن في المعسكر الغربي؟!

الإجابة وبعد عشرات السنين من التجربة أتت، بالنفي القاطع، فهل هذا يعني نفياً للاشتراكية.. وتدخلاً للدولة في الاقتصاد؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. ولكن لنلاحظ أنه تم في المعسكر الغربي تقديم ضمانات مادية ومعنوية لعموم السكان وحتى المهاجرين منهم، لم تكن تصل إلى مستواها في كثير من الأحيان قيادات الأحزاب الشيوعية قبل انهيارها، ونحن نثير المشكلة لا لنقول إن الاشتراكية خاطئة، بل لنقول: إن أساس الملكية العامة – كما أوضحت التجربة – يصلح فقط ضمن قطاعات خاصة، تتطلب اتفاقاً كبيراً، واستقراراً مديداً، وحماية من متطلبات وتقلبات سوق العمل والأسعار وقوانين العرض والطلب.. كالسكك الحديدية والسدود والمطارات..الخ.

ولكن فيما عدا ذلك، وخارج ظروف الحرب، والأزمات الحادة، فإن الصيغة الحيوية لأي مشروع اقتصادي، هي كما شرحناها في (البرمجة السياسية الحيوية) المنشور في بغداد – عام 1977 وفي مقالات منشورة في مجلة جيش الشعب بدمشق عام 1975 حيث أوضحنا أن (الملكية العامة المحددة) ضمن قوانين لا تسمح بالاستغلال والاحتكار ولا تؤدي إلى الجمود والشلل.. هي التي تضمن تنشيط المبادرة الحيوية للمنتجين..

والملكية العامة المحددة هي التي تعرف اليوم من خلال أسهم الشركات المعروضة بالبورصة والأسهم القابلة للشراء والبيع للجميع، وفي كل الأسواق، ضمن حدود التعارض مع سياسة الدولة.. أو الدول التي تعود إليها جنسية الشركة..

ووفق هذه الصيغة، يمكن لنا أن ننشئ شركات ومؤسسات إنتاجية كبرى، تقوم على ملكية الأسهم العامة المحددة.. بحيث يمكن للعمال أن يشاركوا في الملكية، إذا رغبوا وشعروا أن في ذلك فائدة اقتصادية لهم، كما يمكن أن يبيعونها في أية لحظة يجدون فائدة في البيع دون أن يتأثر مستوى أدائهم المهني، الذي لا يخضع لغير سوق العمل، والذي يمكن بموجبه وضع أي عامل خارج العمل لأسباب فردية، تتعلق بالوضع الاقتصادي للمنشأة بشكل مؤقت أو نهائي.. وحتى لو كان العامل يملك أسهماً في الشركة وعلى الرغم أن هذه العملية، ينظر إليها على أنها قاسية، وتحمل الآلام.. وهي كذلك بالفعل.. ولكن مهمة مواجهة هذه القسوة والآلام، يجب أن لا تلقى على كاهل إنتاجية المنشأة.. بل على كاهل البرمجة السياسية للدولة وقوانينها التي تنظم مسؤولية وعائدية أرباح وخسائر المنشآت.. من خلال مختلف أشكال التدخل الضريبي وغيره في قوانين المنشأة..

وفي فرنسا على سبيل المثال، لا يربح صاحب أية منشأة قرشاً قبل أن تربح الدولة منه قرشاً أو قرشين، إذ تأخذ على عاتقها نصيب الضمانات الصحية، واحتياجات الدولة المختلفة، لضمان حياة اجتماعية لائقة، ومتطورة قدر الإمكان..

وبالطبع فإن (الملكية العامة المحدودة) يمكن أن تنحسر حتى تصبح (ملكية خاصة) ولكنها، في هذه الحالة، يمكن أن تكون محددة، وفقاً للاحتياجات الاقتصادية. ولكن السؤال الأهم في العمران الاقتصادي.. لا يتعلق فقط بصيغة الملكية بل أيضاً بتقييم العائدية الإنتاجية أي – بالأسعار والنقود.. وهذه العملية لم تعد مرتبطة بقرارات محلية.. وإلا فإن السوق السوداء وأسعار الظل.. ستكون قادرة على أن تفرض نفسها..

ولهذا ولأسباب اقتصادية، أولاً لا بد من إيجاد قنوات نقدية، ودورات اقتصادية، تربط الشركات والمنشآت الاقتصادية بعدة أسواق.. محلية وإقليمية وعالمية..

مثل هذه الضرورة اصبحت مفروضة على أكبر الشركات الأمريكية واليابانية والأوروبية.. فلماذا لا تكون مفروضة علينا ولماذا لا نستطيع دخولها.. وبخاصة أن احتياجاتنا الاستهلاكية ترتبط في معظم موادها على الصناعات الخارجية؟

ترى ألا يمكن إيجاد نمط من الشركات المتعددة الجنسية تقوم بدور توزيع الأدوار بين بلدان العالم للمادة الخام، واليد العاملة والقدرات التقنية والتسويقية، بحيث يكون لشركاتنا نصيب في أرباح هذه العمليات وبعملات مختلفة وفي الوقت نفسه، يكون لغيرنا مكان للأرباح في أسواقنا وهذه الصيغة توقف الانهيار الهائل بين الوارد والصادر وبين القيمة التي ندفعها أو نأخذها للوارد والصادر والقيمة الفعلية التي يستحقانها فعلاً في ظروف نون نحن طرفاً مشاركاً في التصنيع والتسويق على المستوى العالمي..

إن هذا البعد الاقتصادي يمكن تنظيمه بحيث نضبط من خلاله حقوق الدولة من ثروات المنشأة المعنية. وهي عملية معقدة وصعبة تتطلب قرارات في إدارة الأعمال.

والتجارة الدولية لم نعتد عليها إلا ما ندر في مؤسساتنا الاقتصادية.. وهي عملية تتطلب أنظمة تسمح بالادخار وتحويل الأموال وقدرة على المنافسة، لا يمكن الصمود فيها إلا للشعوب التي تصمم على الانتقال من عصور الاقتصاد البدائي.. إلى عصر التحدي.

وهنا لا بأس من الإشارة إلى كل السلبيات المشاعة عن صنع الشركات المتعددة الجنسية وقدرتها على تهديد السيادة الوطنية والاستقلال، وغير ذلك من أمور كتب فيها الكثير.. وأصبحت معروفة، وهي لا تخلو من الصحة، إلا أن تجربة هذه الشركات كما مورست إلى الآن سواء أكان ذلك في العالم الثالث كالهند وباكستان والبرازيل والمكسيك..الخ. أم في كل الدول الأوروبية الغربية وأمريكا.. تظهر أن المخاطر تتضاءل باتجاه الوقت للتأقلم مع حالة تتوازن فيها المتطلبات المحلية، والفاعلية التجارية العالمية. إن الشركات المتعددة الجنسية استطاعت أن تخفف أعباء النقل للأيدي العاملة وللمواد والناقلات البنكوتية وتخفيف النفقات التي تتطلبها سوق تتنافس فيها السلع للوصول إلى المستهلك..

وأهم ما توفره الشركات المتعددة الجنسية هو امتلاك (معلومات بالغة الخطورة سواء كانت ذات – طبيعة تكنولوجية أو كانت تخص بعض الصفات المميزة للأسواق، وقد أدرك علماء الاقتصاد تدريجياً أن القدرة على تعبئة تلك المعلومات قد تكون ذات قيمة تعادل قيمة رأس المال في أشكاله الأكثر تقليدية وربما أصعب منالاً بالنسبة للبلاد التي في طريق النمو، وهذا أحد الأسباب التي من أجلها شدد حديثاً في إبراز فكرة (رأس المال البشري) باعتباره متميزاً عن رأس المال في أشكاله الأكثر تعارفاً)([2]).

وهذا المرجع مفيد جداً لمعرفة أخطار هذه الشركات وفوائدها. فيتطرق إلى خطورة فقدان السيادة الاقتصادية وبخاصة أن أربعاً من كل خمس شركات من هذا القبيل هي الآن أمريكية، مع كل ما يعنيه ذلك من قدرة أمريكية للمس بالسيادة الوطنية والأمن القومي..

وهذا أمر معروف ومتوقع، ولكنه في الحقيقة قابل لأن يكون أيضاً فعالاً بالاتجاه المعاكس، حيث يمكن للشركات غير الأمريكية أن تصبح صاحبة نفوذ في أمريكا.. بالطبع فإن هذه المعاكسة ستبقى في حدود وقدرات أوروبية موحدة أو يابانية، أما أن تكون عربية وإسلامية فإن ذلك سيبقى بعيداً عن الجدية على الرغم من بقاء أهم الشركات المتعددة الجنسية موجودة في بلادنا كالبترول والمواد الخام.

فالمؤسسات المتعددة الجنسية في الغالب، اقتصر ظهورها على بعض فروع الصناعة.

(كالنفط والمناجم والصناعة الصيدلية وصنع الآلات وتجهيزات النقل والمواد الغذائية والتبغ)([3]).

ترى أليس لدينا النفط؟! ثم أليس لدينا حاجة للصناعات الدوائية وقدرة على الصناعة الكيميائية؟ ألا نحتاج إلى تطوير قدراتنا على صناعة تجهيزات النقل؟ وهل يمكن أن ندخل العصر دون قدرة على امتلاك أدوات المواصلات والاتصالات التي تجعلنا نتصل بالعصر وبمعطياته؟ أما ضرورة صناعة المواد الغذائية فهذه أكثر من أولية.

وعلى الرغم من أنه ستظهر باستمرار إمكانات التشويش وتهييج الجماهير ضد السلطات التي تندفع في هذا الاتجاه بوصفها سلطات متواطئة.. إلا أن ذلك سيكون محدود الأثر إذا جاءت النتائج إيجابية وبخاصة أن الخبرة في هذا المجال تظهر أنه (في كل عشر سنوات وبينما تتسع التجارة الدولية يظل عدد المنشآت الخاصة بالصناعات الموحدة كالألمنيوم والفولاذ والبترول في تزايد مستمر بدل أن يتراجع. وبشكل عام يمكن القول أنه حيثما التكنولوجيا من أي نوع معروفة بصورة أفضل ومنتشرة على مدى أوسع يجد منتجون جدد سهولة أكبر للدخول في اللعبة والاستيلاء على رؤوس الجسور. فليس، إذا، مكتوباً سلفاً أن الإنسانية سيبتلعها عملاق مارد من عمالقة التجارة العالمية ومع ذلك فإن هذا الخوف قائم)([4]).

ولذلك فإن الرهان سيبقى على مدى تعرف الأوجه الإيجابية لهذه الصيغ الاقتصادية العالمية وامتلاك صيغ تحويلها.. ومع أن الخوف سيبقى قائماً، فإن هذا يتوقف على إرادتنا في الحياة، وقدرتنا على إثبات ذات حيوية وبلورتها وليس هناك ما يجعلنا أقل كفاءة من أجدادنا الفينيقيين. الذين كانوا أول وأعظم من مد شبكاته الاقتصادية باتجاه عالمي.. والتمويل الفينيقي لمناجم القصدير في إقليم كورانوايل البريطاني، ليس أقل أهمية من توظيفة شركة فيات المالي في الاتحاد السوفياتي قبل انهياره.

وبالطبع فإننا هنا لا نقلل من المخاطر التي تحول دون القدرة على مواجهة التحديات، وليس أقل هذه المخاطر هشاشة التحوي (الذاتي) حتى لدى الصفوة من المثقفين العرب والمسلمين الذين قد يصبحون من خلال عملهم في هذه الشركات منتمين إليها والى مصالحها أكثر من انتمائهم لوطنهم.

فيعمل هؤلاء من أبناء البلدان النامية أو غيرهم.. لخدمة الشركة التي ينتمي إليها هو لا خدمة لوطنه.. وهذه الفئة من فئات الصفوة في الدولة النامية. وتستخدم هذه الشركات طابور أصدقائها في الصفوة العاملين في أطر وإدارات الدول. وتستخدم أجهزة إعلام الصفوة وأجهزتها العالية تمجيد أدمغة الأوساط الشعبية لخدمتها من خلال غسيل الدماغ الإعلامي ذلك دون أن تظهر الشركات العديدة الجنسية في الصورة([5]).

إن هذه الإشارة ليست خاطئة.. وقد أشرنا إليها سابقاً، ولكن هل يتسم إعلامنا الحالي، وأجهزة الدولة في كثير من الأحيان وفي كثير من الأنظمة بسمة البعد عن تأثير قوى الهيمنة الخارجية، لا بشكلها الاقتصادي فقط، بل أيضاً بشكلها السياسي والثقافي، والغربي والشرقي.

وكما ذكرنا فإننا لسنا – هنا – في معرض الإشارة إلى هذه المخاطر ونؤكد ذلك مرة أخرى أنه ما من دولة عربية وإسلامية إلا وتخضع لقوى الهيمنة الدولية اقتصادياً طالما أنها تستورد معظم احتياجاتها من الخارج.

وقوى الهيمنة الدولية السياسية والاقتصادية لا تتعب نفسها بالبحث عن موظفين، فالأجهزة في معظم الدول ومن مستوى وزير على الأقل.. يعمل ضمن مخططاتها.. ويناله نصيب من دعمها المادي والسياسي وبشكل علني في أكثر الأحيان.

إذاً من أين يأتي الخطر؟!.. هل نريد الإشارة إلى مخاطر الشعور بضعف (الذات).. والشعور بالسحق أمام (الأخطر)؟! والسقوط عند أول إغراء.. أيضاً فإن الإجابة هي النفي.. بل الخطر.. كل الخطر أن العالم لا يثق بقدرتنا على المشاركة، ولم نصل بعد إلى مستوى من الاستقرار السياسي والاجتماعي بشكل يغري الآخرين باستقدام المصانع وإقامة الملحقات الصناعية في أقاليمنا.. فطالما أن القانون ليس له الهيبة والثقة، وطالما أن الإدارة لا تنهض على مصداقية مستقرة، فإنه إذاًُ يغامر بالمجيء.

وإذا فكرنا بالامتداد نحو الخارج.. من خلال استثمار الأموال في المنشآت – الاقتصادية الدولية، فإن النتيجة كانت حتى الآن سلبية.. وتجربة الكويت في المنافسة مع شركة (مرسيدس) وتجربة ليبيا مع شركات إيطالية.. لم توضح أن المغانم تتعدى الاستثمار البنكنوتي.

(فهذه الأموال النفطية تقدمت باتجاه الدول الرأسمالية المتطورة بناء على خطط الغرب. ولعدم قدرة البلدان العربية الخليجية على امتصاص هذه الأموال.. داخل اقتصادها فاتجهت للاستثمار والاستهلاك والاستيراد المتعاظم من الغرب مما خفف من خوف الرأسمال الصناعي. وضمن عودة الأموال لدوائر ومنح هذه الدول القروض وتوقيف الدولارات في البنوك وفي الأوراق المالية المختلفة والمساهمة في تمويل المؤسسات المصرفية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومعظم هذه المؤسسات تقع تحت سيطرة الاحتكارات)([6]).

وأزمة الخليج ألم تكن أساساً لاحتواء مئات الدولارات النفطية المجمدة في البنوك الغربية؟!

ولذلك فإن الطريق المسدود هذا هو الأخطر ولنلاحظ أنه في أواخر 1974 اشترى الكويت (14%) من أسهم شركة السيارات الشهيرة (دايملر – بنز) في ألمانيا الغربية.

وبعد مرور بعض الوقت حاولت إيران شراء نسبة كبيرة من أسهم هذه الشركة التي كان سيعنى في حال حدوثه انتقال الإشراف على (دايملر – بنز) إلى أيدي رأسمال شرق أوسطي. غير أن الصفقة لم تتم واصر (هيلموت شميدت) على أن يقدم أصحاب بنك ألمانيا الاتحادية (مساعدة) للشركة التي أصابها الضعف وذلك بشراء الأسهم التي كانت إيران تزمع شراءها وقال شميدت (لن نكون راضين لو أن فروع اقتصادنا الكبيرة والهامة سياسياً واستراتيجياً وضمت تحت إشراف أجنبي. واجتمع كبار أصحاب بنوك وصناعي ألمانيا الاتحادية في دوسلدورف ووضعوا الإجراءات الرامية إلى عرقلة الرساميل النفطية)([7]).

هنا المشكلة. وهنا يتوجب تركيز الجهد للحل، وهنا تتضح المشكلة بوصفها مشكلة بلورة حيوية (للذات) من خلال ميثاق مقبول جماهيرياً وملزم وقادر على احتواء متطلبات الانفتاح الاقتصادي للمساهمة في امتلاك لغته عالمياً ومحلياً بآن واحد.. ودون ذلك.. فلا ذات ولا حياة ولا برمجة حيوية.

ومن أجل السير بهذا الاتجاه يمكن التواضع في المطالب التي يمكن أن نطلبها من أنظمة الدول النفطية لكي تتوقف عن تحمل مسؤولية حماية الحرمين، والمقدسات، والعروبة، والإسلام وتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية – لنطلب منها فقط السعي للإشادة بأنظمة اقتصاد حيوية. تجعلها متوازنة وفعالة في امتلاك مفاتيح الاقتصاد العالمي، بما يتناسب وثرواتها ويقوى الاتجاه الحيوي للذات العربية والإسلامية، لدخول العصر وامتلاك معطياته.

ومن أجل ذلك لا نطالبها بالتهديد بقطع الإمدادات ولا بتفجير الآبار، بل نطالبها بالاستثمار في الوطن العربي وأن تكون فعالة في استثمارها وقادرة على موازنة هذه الثروة الاستثنائية، بمعادل اقتصادي قادر على إنهاض العالم العربي والإسلامي وإخراجه من حالة الانحطاط والتخلف والتبعية الاقتصادية الذليلة.

من يتقدم في هذا الاتجاه.. يستحق التقدير، ومن يتخاذل في ذلك فسوف تلحقه حياً وميتاً لعنته الحياة.

إن ا لاستخدام الحيوي لثرواتنا كفيل بإيجاد وبلورة الطريق إلى امتلاك العقل النقدي الفعال المتوازن محلياً وإقليمياً وعالمياً. وغياب هذا العقل في أزمة الخليج الأولى والثانية أدى إلى استنزاف ثرواتنا كما هو معروف وجعل الدول النفطية نفسها تعاني من أزمات اقتصادية.. فهل يستحيل علينا أن نمتلك العقل الحيوي لتوظيف هذه الثروات؟!

هل يستحيل علينا رؤية إرادة حيوية تجعل هذه الثروات، أو جزء يسير منها، شركات اقتصادية إنتاجية متعددة الجنسيات الإقليمية.. وتكون البلد الأم فيها دول النفط.. وتكون ملحقاتها في سائر الأقطار العربية والإسلامية.. ليس لطلب إعانات، وهبات، بل استثمارات، ولتكن رابحة لأصحابها في دول النفط.. وليهنئوا بأرباحهم فعلاً فهم أفضل من الغرباء.. ولكنهم في واقعهم الحالي.. وفي معظم الأحيان أسوأ من الأغراب لا لأنهم يمتنعون عن توظيفات ذات مغزى في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى، بل لأنهم أيضاً يقدمون معونات وهبات لتكريس الاستبداد والتخلف.. وتأجيج المنطق العصري في الشخصنات الإسلامية وبالطبع.. فإن هذه الملاحظة. لا تشمل الجميع بل توجد استثناءات رائعة ومنها على سبيل المثال.. بناء سد مأرب الذي موله الشيخ زايد من ماله الشخصي بأربعة مليارات دولار واشترط أن يكون العمال من ديار العرب والمسلمين حصراً.

كما أننا لا ننسى المواقف الحيوية الحاسمة للملك فيصل والداعمة لأهداف حرب تشرين 1973.. ترى هل سنستمر في البعد عن هذه السياسيات؟ أم أن المنطق الحيوي سينتصر فينا عاجلاً أم آجلاً؟

ترى لو رفع على كل منشأة اقتصادية في ديارنا أعلاماً من دولة عربية وإسلامية وعالمية، وفي كل منشأة عمال من أكثر من دولة، ألن يجعلنا ذلك – ورغماً عنا – ندخل في عالم منفتح على الآخر؟ ويجعل العقلية الأحادية تتراجع.. تحت طائلة التخلف في المستوى المعيشي والقدرة الاستهلاكية.. التي يجب أن ينظر إليها بمنظار آخر غير الذي روجه المعسكر الشرقي، في مراحل جموده وتخلفه الحاد عن المنافسة مع المعسكر الغربي.. حيث يتم وصف الاقتصاد الغربي بأنه استهلاكي لتغطية وفقر الأسواق بالمواد الاستهلاكية، بالمقارنة مع السوق الغربية ووصف القدرة على الاستهلاك شتيمة.. مع أنها في حقيقة الأمر تعني مستوى معيشياً أرقى وأكثر رفاهة عدا عن أنها إشارة اقتصادية إيجابية تدل على حركة اقتصادية داخلية قوية بالدرجة الأولى.. وتدل على قدرة شرائية متجددة ومتناسبة مع معطيات السوق.. وما فائدة الروبلات والأسواق، فارغة.. أو مليئة، ولكن بالأسعار.. التي ليس بمقدور معظم الناس دفعها؟!..

ويجدر التنبيه – هنا – إلى أن العمران الاقتصادي والحيوي لن يتحقق بمجرد تحقيق نظام – الملكية العامة المحددة القابلة للشراء والبيع بصيغ علنية ومفتوحة وينسب تقدرها المتطلبات – السياسية والاقتصادية التي يتزامن فيها اعتبارات الدولة والمنشأة. من خلال ممثلي كل منهما في لجان مراقبة التجارة الداخلية والخارجية المعنية بهذا الخصوص. ولن يتحقق أيضاً – فقط من خلال القدرة على الامتداد في صيغ شركات محلية وإقليمية وعالمية، تتقاسم نسب الأرباح والنفقات، وتشارك في عملية الإنتاج والتسويق، بشكل قادر على المنافسة المفتوحة.. بل إن العمران الاقتصادي الحيوي يرتهن أولاً على القدرة على تحرير الثروات المنهوبة.. وهي في الوطن العربي والعالم الإسلامي لا تقتصر على النفط والخامات الأولية.. بل تمتد أيضاً إلى تسلط الهيئات الطفيلية التي تسمم (بوجودها) النظم الاجتماعية والسياسية السائدة سواء أكانت في دول ذات نظام رأسمال الدولة، أو رأسمال خاص.

ونحن هنا لا نتحدث عن نظام العملات، والهبات، والمنح التي تترتب على كل عملية تجارية تشرف عليها الدولة. فهذه عملية موجودة بشكل أو آخر في كل دول العالم، ولكن الفارق بين ما يجري في الدول المتقدمة والمتخلفة هو أن هذه العمولات والهبات والمنح لا تذهب إلى جيوب أفراد. ومصالح شخصية، بل تصب في خانة برامج سياسية وجمعيات وأحزاب تتطلب موارد لتنشيط أهدافها.. التي تتضمن أولاً مخططاً اقتصادياً يدعم برامجها السياسية والمالية.

ولكن الأهم من هذا.. هو طفيليات السوق العالمية التي تعيش من سرقة التصميمات واغتصاب الأسواق من خلال الاعتماد على تدخل الشركات بأشكال مختلفة، بحيث تؤمن نوعاً من التسهيلات الجمركية والإدخال والاستهلاك.. وتضع صعوبات تجاه غيرها.. لاعتبارات تأمين الهيمنة الاقتصادية، من قبل سلطات الدول المتقدمة، ولاعتبارات استمرار نعمة التبعية المفيدة من قبل السلطات المحلية.. وهذه الحالة تؤدي إلى إفراغ مستمر، للقدرات الاقتصادية، مقابل استهلاك مواد مستوردة لا تشكل فعلاً احتياجاً حيوياً.. ولكنها توضع في السوق بطريقة تجعل استهلاكها آلياً.. ومغرياً.

ومن هذه النقطة، نطل على بعد الهيمنة الاقتصادية، الذي يحدد القدرات الإنتاجية، والتقنيات الممكنة الاستيراد، يحدد المنتجات والثروات المحلية. وأسعارها، ونحن – بالتأكيد – نمثل الجانب الأضعف!، إذا لم يكن ثمة إرادة حازمة لمقاومة سياسيات الهيمنة هذه!!.. وقدرتنا، على ذلك، موجودة! فيما لو أحسن استخدام منظمات (كالأوابك) العربية للنفط.. والأحسن إيجاد (أوابك) أخرى خاصة بالفوسفات والحديد والقمح والقطن.. الخ.

وبالطبع، فإن سياسات الهيمنة، لن تسمح بزيادة القدرة على القرار العربي المستقل، ولاحظنا، أن من أهم دوافع المصيدة الأمريكية لصدام، كانت لعبة أسعار النفط، ومستويات الإنتاج، ولذلك، فإننا يجب ألا نتوهم، بحقيقة أخطبوط مصالح الهيمنة الاقتصادية القادرة على صنع النواب والوزراء والرؤساء وقادة الجيوش، لخوض معارك مدعومة بالإعلام والرأي العام من أجل استمرار هيمنتها.

وذلك، لأن أي إغفال لبعد الهيمنة الاستعمارية عن الفارق الكبير بين مستوى الرفاه المعيش في دول الغرب بالمقارنة مع العالم الثالث.. يعنى الوقوع ضحية أكاذيب القدرة الإنتاجية للعبقرية الغربية، مقابل الغباء والعقم في العالم الثالث..

ولكن، لخوض هذه المعركة بنجاح، يجب أن تتضح الأهداف والوسائل بدقة. فاليابان وألمانيا المنهزمتان عسكرياً، استطاعتا. تحدي الهيمنة الغربية والأمريكية، في عقر دارها.. وتحقيق ذلك بالنسبة إلينا يتوقف على تأمين مستلزمات أساسية للمبادرة الحيوية:

أولها: تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهذا يعني إعطاء أولوية للاحتياجات الزراعية والتصنيع الزراعي.. بحيث نكف عن استيراد غذائنا.

ثانيها: تطوير الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي. وصندوق التنمية الإسلامي. بحيث يساهم – فعلاً – في التنمية ويوفر رصيداً للعمليات البنكوتية ضمن ديار العرب والمسلمين، ويشجع ضمانات للتبادل التجاري بعملة مستقرة، وموحدة في هذه الدول وصولاً إلى الدينار الحيوي!! وعلى سبيل المثال، فإن إيداع أموال في الخزينة العامة للبنك المركزي الوطني لأية دولة متوسطة.. بمقدار (مليار أو مليارين دولار) من شأنه دعم الاقتصاد الوطني لتلك الدولة، وإعطاؤه استقراراً منشطاً، وضماناً من الانهيار.

ثالثها: اشتراط ثمن للمواد الخام بصيغ تقنيات قابلة لإعادة الإنتاج والتصليح والتشغيل محلياً، وعدم قبول أرقام، لا معنى لها، على أوراق بنكية.. بالأموال التي حصلنا عليها لقاء تصدير ملايين الأطنان من النفط أو غيرها.. وفي حقيقة الأمر لا نستطيع تحريك هذه الأموال، ولا تشغيلها وفق إرادتنا.

رابعها: مع ضرورة إيجاد مرونة، وتنوع في التعامل الاقتصادي الدولي.. فإنه يفضل التركيز على محاور دولية، أقل نزوعاً للهيمنة.. وأقل تعطشاً للعدوان وامتصاص دماء الشعوب.. وتعيين هذه الدول – يتوقف على معطيات الحوار العربي – العالمي، والعروض التي تقدم من هذا الطرف أو ذاك، أو التي يمكن الحصول عليها من هذا أو ذاك.. وللأسف الشديد، فإننا في وضعنا الراهن لا نستطيع الإشارة إلى طرف دولي واحد ما يزال مهتماً بصداقة العرب!! لأنهم قادرون في هذه المرحلة على التعامل معنا بوصفنا عبيداً!! وهذا أفضل لنا على المدى البعيد.. لنعتمد على أنفسنا أولاً.

ومع ذلك، ومهما قيل في العمر الاقتصادي الحيوي، فإن ما يتوجب التركيز عليه هو ضرورة الانفتاح على الاقتصاد العالمي، من موقع المشارك، والمنافس، وفي هذا فقط ندخل العالم.. ونتجاوز العقلية الأحادية.. التي ستجعلنا نتعامل مع الأسود والأصفر، والأحمر، والبوذي، والهندوسي، والمسيحي، واليهودي، والملحد ونراهم يشاركون في إدارة الكثير من منشآتنا، وتشغيلها، كما يشارك أبناؤها في العالم في الإدارة لتشغيل منشآت اقتصادية عالمية! وعلى قدر نمو هذا العمران الاقتصادي الحيوي ترتهن، إمكانات تجاوز العقلية الأحادية.. جزئياً.

ونقول جزئياً.. لأن، هناك أبعاداً أخرى تعطل أو تسرع عملية تجاوز العقلية الأحادية!!.. ونذكر هنا العمران الثقافي، فالاقتصاد، والإنتاج يتطلبان أولاً ثقافة تؤهل أبناءنا لإدارة منشآت بهذا الحجم وتشغيل ما يماثلها من الاتساع والتنوع والتحدي.