البرمجة الحيوية الثقافية والتقنية
نحو تجاوز رماح الثقافة العنصرية.. وثقافة حشو المعلومات!!
الثقافة في مختار (الصحاح) ما تسوى به الرماح، وتثقيفها: تسويتها، صقلها.. لتكون مادة قاطعة قوية، والثقيف بالكسر أي حامض جداً مثل بصل حريف.
وكما قال عنترة:
جادت له كفي بعاجل طعنةٍ * * بمثقف صدق القناة مقوم
ومن أهم اشكالات الوضع الانتفالي الذي نعيشه يبرز البعد الثقافي. والثقافة بمعناها الحيوي لا تتضمن أبعاداً نظرية فقط، بل تتضمن – أيضاً – أبعاداً عملية وتقنية. تضم مجمل القدرات الذهنية والعملية للفرد والجماعة، التي تعالج فيها قضاياها.. فالمثقف والسيف أو الرمح، هي أدوات الحسم لمعايشات واتخاذ القرار الذكي، المتلائم مع الهدف.. في المكان والزمان المناسبين كالتي يمتلكها الرمح.
والثقافة الحيوية هي الثقافة التي تستطيع استبشار الأهداف الحيوية القابلة للتحقيق والمتسقة مع المعطيات المعيشة، والمستقبلية، انطلاقاً من الواقع المعيش ومن الخلفيات المتاحة.
ولا نبالغ! إذا قلنا: إن العالم بأسره، يعاني أزمة ضياع في توجيهه الثقافي، وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية حيث أن معظم المناهج في هذا المجال، وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، ما تزال تدور ضمن منطق الجوهر العنصري.. وما تزال تعبر عن مصالح فكرنات نافية (إيديولوجية) يوجهها النظام السياسي الرأسمالي، ومن ذلك، على مستوى الجامعات الخاصة وهي بالآلاف.. تجد جامعة يهودية!! وأخرى مسيحية!! (كاثوليكية، بروتستانتية..الخ) وتجد أحياناً أخرى إسلامية أو بوذية!! ولكن ضمن جامعات الدولة فمن الصعوبة بمكان السماح لأي مادة تتعلق بالعرب والمسلمين حتى ولو كانت لتدريس اللغة العربية ما لم تكن مضمونة من أساتذة يدورون في فلك الأمن السياسي الأمريكي بشكل مباشر!! حيث يعمل معظم إن لم يكن جميع أساتذة شؤون الشرق الأوسط ضمن الجمعيات الاستشارية للخارجية الأمريكية.. وفي حين تسمح أمريكا في تعدد الأنظمة التعليمية ما دامت تجلب المال وتدور في فلكها الأمني فإن فرنسا لا تقبل أية تعددية ولا تقبل حتى دخول الطالبات إلى المدارس وهن يرتدين الحجاب!! بينما تسمح بارتداء القبعة اليهودية!!
وهذه الحالة الأيديولوجية النافية الموجهة للعلوم الإنسانية موجدة في كل مكان، وكل نظام في ديار العرب المسلمين له جامعته وله مناهجه المبررة لسياساته، ولكن هذه السياسات التعليمية أصبحت متخلفة وتحتاج إلى تغيير كما حدث للمجتمعات الماركسية، وبعد عشرات الأعوام، وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن المنطلقات الماركسية، التي كانت تؤطر العلوم كلها، بوصفها علم العلوم، وذلك لمصالح أمنية وليس مصالح علمية!!.. وهذه الحالة ليست خاصة بالمعسكر الشرقي السابق، بل كما ذكرنا، فإن العالم الغربي، هو الآخر، يعاني أزمة واضحة، بين الثقافة الدينية وبين ثقافة حقوق الإنسان، والثقافة العنصرية الديالكتيكية.
ونحن في العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث، لسنا خارج هذه الأزمات. إلا أن الوجه الأكثر خطورة هو نمو العنصرية الثقافية، فبعد قرون الانحطاط، وغياب القادرين على القراءة والكتابة.. إلا في حدود ضيقة جداً، هي حدود المدارس القرآنية.. فإن انتشار التعليم المجاني والإلزامي قد جعلنا خلال عشرين عاماً، تمتد بين الخمسينيات والستينات- نخطو خطوات كبيرة في التعليم الثانوي والجامعي. تجاوزنا، فيه، إمكانات التوظيف والاستيعاب المحلي، الأمر الذي جعل نسبة البطالة بين الأوساط المتعلمة، تأخذ بالازدياد.. وبعد أكثر من ستة عشر عاماً على مقاعد الدراسة، وجد الكثير من الخريجين الجامعيين، وفي كل الاختصاصات، من الهندسة إلى الطب، أنفسهم أعجز عن تأمين اللقمة من (حمال) أو بائع على عربة صغيرة.
وهذه الأزمة ملحوظة في معظم الأقطار العربية.. بحيث أصبحت ثقافة هؤلاء.. عائقاً أمام قدرتهم على التلاؤم مع الواقع، لأسباب كثيرة، منها ما يعود إلى المنطق النافي الديالكتيكي للثقافة السائدة، ومن ذلك فإن المناهج الثقافية الرسمية تقدم للتدريس مخططاً كاريكاتورية.. عن تاريخنا المجيد بحيث.. تحتفظ (بأسماء أخناتون نبوخذ نصر وحمورابي وآشور وامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى وعنترة) وقبل أن تأتي كوكبة الإسلام. التي تبدأ بالاضمحلال بعد قرنين وتتلاشى كلية منذ عشرة قرون. ويغيب التاريخ حيث يبرز لنا (سايكس بيكو) و (التتار)، و (المماليك) و (الأتراك)، وتقف لحظة عند فتح القسطنطينة، ونغيب لنستيقظ على اتفاقية (سايكس بيكو) والاستعمار الغربي.. وإسرائيل وقوات التدخل السريع.
هذه الصورة لمسيرة التاريخ تعاش بشعور من الألم والتحدي والقدرة على المواجهة اعتماداً على التاريخ.
ولكن أي تاريخ.. يثبت أننا قادرون على التحدي؟ ولماذا لا تمر فينا قرون التتار والمماليك والأتراك من جديد؟! وخلال هذه الفترة الطويلة كم من جيل ولد ومات. ولم يعرف من زمانه، غير اسم الأتابك، والخديوي، والمملوك.. وكم من جيل ولد ومات وهو لا يعرف من زمانه، ولم يعرف عن (محمد) إلا أنه امتطى البراق إلى السماء بأسرع من الصواريخ. ولم يعرف عن (علي) غير ضربته لباب خيبر بأقوى من الديناميت.
ماذا نريد القول من هذه التساؤلات؟! إنما نريد قوله ببساطة.. إن الثقافة والإعلام والتعليم تعطينا على المستوى الرسمي والشعبي شعوراً مخدراً بقرب النصر. لا على إسرائيل بل على جد إسرائيل. ونسمع في الأخبار، بين الحين والآخر، ضجة وفرحة كبرى بدخول أحد المسيحيين إلى الإسلام؟! وأن الإسلام قادم لإنهاء كل من يتخلف عنه لأنه الوحيد الذي يدل على طريق الخير في الحياة والممات. والنصر معقود من عند الله للمؤمنين.. أما لماذا غاب الخير عنا.. خلال قرون وقرون، لماذا؟. لم نعرف غير المزيد من الظلام والتقهقر.. فالأمر لا يستحق حتى البحث؟؟ ولا يرقى إلى مستوى اللغز الذي يجب أن تتحرك العقول لحله.. إنها هنيهة في عمر الأبدية.. الإسلامية. وماذا تساوى عشرة قرون من عمر الزمان. إنها غفوة. والآن استيقظنا.. وفي كل بيت
كتاب اللغة العربية ونسخة من القرآن.
هنا المشكلة الحقيقية في امتلاك تقنيات العصر التي تحتكرها إلى الآن قوى الهيمنة، وليس لدينا لمواجهتها غير الضعف وغير النفسية استسلامية قدرية.. محقونة بمخدر ومضات حضارية تملأ العيون، والآذان آثارها، وكأنها معلقة فوق الزمن وفوق الظروف.. هذه العقلية السحرية.. هل تستطيع المواجهة؟ وهل تعرف- أساساً- ما الذي يتوجب مواجهته؟..
بالنسبة لنا فإن المواجهة المطلوبة هي إعادة استلام المبادرة التقنية. وما هي أهداف هذه التقنية.هل هي عسكرية؟! الجميع يحب هذا.. ويتمنى ذلك.. يجب تدمير العالم فوق قوى الاستعمار.. وليكن الدمار علينا، وعلى أعدائنا، كما أراد شمشون..إلا، أن هذا بالضبط! هو مصدر_ آخر- من مصادر هزائمنا.. الذي يجعل الغرب حذراً جداً، من شمة الهواء التي نتنفسها!!؟ فكيف يكون موقفه إذا حاولنا معرفة أسرار التقنية؟! فأين المفر؟! هل ننتظر معارك أخرى فادحة التكاليف وشنيعة النتائج؟ لكي تخضعنا لمزيد من المعاهدات؟ تمنع عنا تطوير التقنيات العسكرية؟. كما حدث للعراق؟ وكما يطلب باستمرار من الباكستان، تحت طائلة قلب الطاولة على الحكام المخالفين.. وكما يشار إلى الجزائر الآن.. وإيران بعد حين!
أم أن هناك صيغة أخرى؟ يمكن أن نواجه بها قوى الهيمنة؟ وبالتالي الحصول على مستلزمات التقنية المعاصرة.
وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بأس من البحث في الأسباب التي جعلت من اليابان وألمانيا قادرتين على تطوير قدراتهما التقنية، رغم هزيمتهما الساحقة في الحرب.. ورغم المعاهدات المفروضة على التقنيات العسكرية.
بمعنى آخر، ما الذي يجعل العالم العربي والإسلامي، قادراً على مواجهة قوى الهيمنة؟ كما واجهتها اليابان وألمانيا المهزومتان عسكرياً؟!.. أليس واقع كل من ألمانيا واليابان يعطيهما قدرات على خرق المعاهدات ومباشرة التحدي العسكري؟. أكبر من أية دولة عربية؟ ومع ذلك، لماذا لا نلمس التدمير الشامل،و العتاد العسكري المنافس؟!
قد يرد بعضهم، بأن اليابان وألمانيا ليستا مهددتين بالاحتلال والتجزئة ونهب الثروات كما هو حال العرب والمسلمين.
للإجابة، نرد: أن الهيمنة التي تمارس على كل من اليابان وألمانيا. أخطر من التجزئة ونهب الثروات، لأنهما محتلتان عملياً بقواعد عسكرية.. ولأن القرار السياسي المستقل، ليس بيد قادتهما، في كل المسائل.. ومع ذلك، وضمن هذا الوضع فإن اليابان وألمانيا، تدان الصاع صاعين، المرة تلو المرة.. فكيف ذلك؟!. وهل بإمكاننا- نحن- تحقيق ذلك؟.
الإجابة، تكمن- أساساً- في روح الغزو والتوسع للتعريب والأسلمة التي نجتر شعاراتها، ليل نهار. وكأنها مهمة مقدسة وتكليف من الله لتحقيق ما يعجز أنبياؤه عن تحقيقه!؟.. وكأنه لا يوجد في القرآن (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) إن ما لا يشاؤه الله .. نشاؤه- نحن- نيابة عنه، وليس لدينا غير التمائم؟ وعقلية السحر المنتصرة.
وثمة نقطة يمكن أن تفضح عقلية المواجهة هذه وأهدافها.. فلنفترض، كما ذكرنا سابقاً، إن فلسطين لم تحتل، ولنفترض أنه لا يوجد لدينا نفط، ترى ماذا سيكون حالنا.. هل ستنتهي العقلية الأحادية؟
الإجابة بالتأكيد هي النفي.. ولسوف، يكون حالنا، في ذلك، أقرب ما يكون إلى حال أفغانسستان والسودان، لا من حيث التخلف والضعف بل أيضاً من حيث شدة التعصب وانغلاق العقلية والسعي لأسلمة العالم!؟!.. بالخطابات العنترية تجاه الخارج وبالحروب الأهلية في الداخل.
هنا الجرح.. فلنشر إليه مجدداً وهنا، سبب مواجهتنا المهزومة مع قوى الهيمنة الدولية.
ولذلك، فإن المطلوب هو صياغة مبررات وتصورات المواجهة مع القوى المهيمنة بشكل يتسم بالواقعية، والتواضع، والصدق، والطموح المشروع!!. وبنظرة أشمل ..
تحدد بالفعل قوى الهيمنة!!.. فهل كل الغرب معادٍ للعرب والمسلمين؟!، وإذا كانت الإجابة، نعم، فلماذا لا نحمل أنفسنا قسطاً من المسؤولية؟!. ألا يوجد فينا ما يبعث على الكراهية من قبل الآخرين؟، واحتقارهم واشمئزازهم منا؟!
وإذا كان الاختلاف الحضاري، في القديم مبعثاً للكراهية والعداء!!.. فلماذا استطاعت القارة الهندية التي وجد فيها عشرات بل مئات القوميات واللغات المختلفة، أن تحظى بصيغة لا تمنع وحدتها السياسية، ولا تحرم عليها امتلاك تقنيات نووية وفضائية؟، وامتلاك مناهج ثقافية وتعليمية تجعل منها رابع دولة مصدرة للأدمغة في العالم!!.. وحتى الصين، فإنها استطاعت، وبالرغم من القطيعة مع الاتحاد السوفياتي، وبالرغم من محاصرة العالم الغربي لها.. أن تمتلك تقنيات نووية وفضائية.
ما الذي يجعل الهند والصين، وهما من دول العالم الثالث، أن تتقدما على طريق امتلاك التقنية المعاصرة.. ولا نستطيع- نحن- تحقق ذلك.
إذا كان الرد بأنها تعد بالمليار، فإن الإجابة ستكون أن التضخم السكاني مشكلة سلبية، وليست إيجابية في هذه القارات، وبذلك، فإن البرازيل والأرجنتين الأقل في عدد السكان، وهما أيضاً على طريق امتلاك تقنيات معاصرة وقابلة للتطور، بشكل يقربها من العالم المتقدم، بينما نحن لا نقترب من التقنيات المتطورة إلا في صيغة الاستهلاك بعد استيرادها مقابل النفط.. أو لاستهلاكها بعد تقديمها في صيغة قروض سياسية بدلاً من أن تتلف في مصانعها أو ينفق على تخزينها ما يزيد عن سعرها!!..
هنا السؤال الصعب، السؤال التحدي: وهو كيف ننتج التقنية المعاصرة، ونشارك في تطور معطيات الحضارة التقنية المعاصرة؟.
هذه هي الجبهة الرئيسية، وهنا العدو الحقيقي! وهو يقبع بشكل أساسي فينا.. ولذلك، لابد من صيغة أخرى نعيد النظر فيها على أعدائنا بأعدائنا ونقلل من الأعداء الوهميين! ونكف عن استعداء الآخرين.. عندئذ يمكننا التقدم على طريق احتواء مبررات قوى الهيمنة الدولية.
وإذا استطعنا أن نبني سياسات وأنظمة اجتماعية، وثقافية قادرة على إجراء هذه المراجعة، فإن إمكانات التقدم على طريق المشاركة، في إنتاج تقنيات العصر ليست أمراً مستحيلاً.
فمن أين البداية؟!..
البداية هي من حيث انتهت الآن الثورةالتقنية الغربية واليابانية والصينية والهندية إي ثورة المعلومات.
فثورة المعلومات تفتح باب التطور التقني الهائل والسهل لكل راغب بدون وجود مواد نادرة كالتي تتطلبها صناعة السيارات مثلاً وصناعة المعلومات لا تتطلب إلا تنمية للقدرات المنطقية في الحوسبة وإيجاد صيغ للتطبيق في احتياجات السوق المختلفة. وهو أمر يتطلب قدرة ذهنية ومصلحية ذكية لا نشكو من ضعفها.. ولذلك فإن نشر هذه العلوم وتخصيص قسم كبير من الجامعات والمعاهد لها أمر في غاية الأهمية وهو الطريق إلى تعويض ما فاتنا من ثورات تقنية.
والمنطق الحيوي بدأ منذ سنوات في التبلور كمنهج لصياغة المفاهيم في العلوم الكومبيوترية وهذا يعني أن المجال مفتوح لتطورات مثيرة من كل نوع.. ولكن المهم كيف نجد التمويل وأين نجد التطبيق. وكيف؟! مع أن الأمر لا يتطلب ثروات كثيرة.. ويمكن الاستفادة منه في صناعة الاتصالات والأسواق والبنوك وقبل كل ذلك في صناعة الطيران والفضاء. الأمر الذي يجعلها تشارك في نهضة تقنيتها العسكرية في صيغ مدنية.
وهذا ينطوي على مقاربة - أخرى- لموضوع الجيوش والنفقات العسكرية.. التي يجب أن تحول غالبيتها إلى ميدان التصنيع، وامتلاك التقنيات، وبنفسية المحاربين المتحمسين للقضاء على العدو الأخطر.. وهو التخلف التقني.. علينا العمل ليل نهار لتعويض ما فات..
وبالطبع، فإن هذا لا يعني ترك المنطقة فارغة من السلاح حول إسرائيل.. ولكنه يقضي أن نتساءل لمصلحة من ننفق المليارات على التسليح والتجييش في ليبيا والسعودية والإمارات؟ ترى من يهدد اليمن؟ من يهدد الكويت؟ من يهدد الجزائر؟ وتونس والمغرب وموريتانيا؟؟!! وإذا ردت الكويت بأنها مهددة فإن الإجابة الواضحة هي أن كل نفقاتها على الأسلحة فيما مضى لم تؤخر الاجتياح العراقي لحظة.
وأي جيش محلى يستطيع رد التهديدات إذا كانت المواجهة ستأخذ طابع التحالف الدولي؟!.
ترى؟ هل نقول بضرورة حل الجيوش العربية؟! الإجابة بالتأكيد: هي النفي. وهل نقول إن الأنظمة العربية لا تهدد بعضها بعضاً ولا تجتاح الواحدة الأخرى لو أنها عرفت أن أحداً لن يقف لردعها؟.
الإجابة –أيضاً- هي النفي.. إذاً، من الصعب توقع انتهاء سباق التسلح والتجييش في المنطقة لأسباب كثيرة أهمها مخططات مصدري السلاح ومصالحهم، وذيول تدخلات الهيمنة المحركة للأزمات والحروب العربية - العربية، والعربية الإسلامية.
أما الحروب ضد إسرائيل.. فهذه مزحة صهيونية، لا تلجأ إليها عندما تود القهقهة عسكرياً!! وبشكل خاطف!! والغرب لا يسلح جيوشنا لنجتاح إسرائيل، بل لنثبت حدوداً معينة ولفترة معينة ولكي نقتل بعضنا بعضاً وليس لقتل إسرائيل وتدميرها.. أية تقنية نمتلكها بشكل يخل بالميزان الاستراتيجي ستلقى التدمير من الغرب فوراً، ولا بأس من إجراء مقارنة بين ما فعله الغرب والعالم أجمع عندما أقدم العراق على اجتياح الكويت، وبينما يمكن أن يفعله في حالة ما إذا تم اجتياح عربي لإسرائيل؟! إذاً وبصرف النظر عن امتلاك إسرائيل لقدرات عسكرية تقليدية رادعة تعادل كل المقدرات العربية وأكثر، وبالإضافة إلى قدراتها النووية أيضاً التي لا مثيل لها في العالم العربي والإسلامي، ومع كل ذلك فإن أمنها وسلامتها هي على عاتق الغرب.
وهذا قد يشير وبشكل خاطف استغراب القارئ؟ ولكنها الحقيقة المرة، فالحروب العربية – العربية، والعربية الإسلامية أسقطت من الضحايا.. والخسائر أكثر بكثير مما أحدثته الحروب العربية – الإسرائيلية، وامتدت إلى فترة من الوقت تعد بالسنوات!!.. في اليمن وفي لبنان!!.. وفي الصحراء الغربية!!.. وفي العراق وإيران!! ولا وجه للمقارنة بساعات حرب 1967 وأيام 1973.. مع إسرائيل، وهذا مفهوم!
وما لم نضع نصب أعيننا عدونا الأول وهو التخلف التقني وما لم نجييش لهذا الهدف فإننا سنكون مجرد أدوات لاستهلاك قمامات الآخرين.. ولكن تطوير القدرة التقنية والتواصل مع الثورة المعلوماتية يتطلب قدراً كبيراً من حرية التواصل والاستخدام شبه المجاني مع شبكات "الإنترنت" وهو أمر ترتعد منه أنظمتنا لأسباب بعضها مفهوم واكثر مجرد وهم وغباء.. لأن التواصل الحر مع الإنترنت لن يغير عملياً أي نظام.. مهما كان متسلطاً ولكن التسلط والاستبداد بالفعل هو العدو الأول لكل تقدم ثقافي وتقني حيوي.
هنا المواجهة الأشمل، ومع العدو الأكبر.. أي عقليتنا المتسلطة الأحادية التي تزيد نفي الآخرين، ولنلاحظ - هنا- أن الجيش العراقي لم ينزل خسائر وضحايا بين الجيوش الغربية، وما أنزله على العراقيين المعارضين، ولنلاحظ أن طائراته، لم تخرج في الفترة الأخيرة من الحرب، ولكنها بدأت تخرج ضد المعارضين؟!.
قد يقال: ولكن هؤلاء المعارضين هم تتمة الحلقة التآمرية، لتقسيم العراق وإيقاع مزيد من الدمار فيه!! وبالتأكيد، فإن إسقاط شخص (صدام)، أو على الأقل إضعافه إلى الدرجة القصوى هدف حقيقي تتلاقى فيه مصالح الغرب مع المعارضة.. وأكثر من ذلك، فإن المعارضة لن تلقى الدعم الكافي لإسقاط (صدام)، وربما، يلقي بها لصالح بقاء النظام القائم، في حال سقوط (صدام).
كل هذا صحيح، ومعروف.. ولكن هل كان صمت، هذه المعارضة، خلال السنوات السابقة بمعزل عن استخدام الجيش كقوى أمن داخلي؟!.. ومثل هذا الاستعمال، هل هو بعيد عن كل الأنظمة العربية، في حال تعرضها إلى مخاطر تهديد الحكام بالسقوط؟.
وبالطبع، فإن معظم أنظمة العالم تدافع عن نفسها باستخدام الجيش إن لزم الأمر.. وقوانين الطوارئ هي لتغطية هذا الحق في التدخل!! ولذلك فمجرد وجود هذه القوانين، أو احتمال استخدامها، سيجعل من يفكر في المعارضة مرعوباً مما قد يتعرض له!!.. وما يجري لغيره في المعتقلات، وما جرى للآخرين في المشانق، والإعدامات العلنية والسرية.. والاغتيالات النظيفة!! لا تحتاج إلى ذكر، فهذه تجري، في أعظم الديموقراطيات الغربية، وبكل براءة!! وإن كان بشكل محدود جداً وقابلة للكشف والفضح!!..
من كل ما تقدم، نفهم لماذا تصمت الغالبية العظمى على حكامها.. ومع أننا ضد اعتماد المعارضة على دعم القوى الأجنبية. ولكن الرد سيأتي منها سريعاً ولماذا يحق للأنظمة - فقط- نيل هذا الدعم؟ وبالطبع، لسنا هنا لمناقشة مثل هذه الموضوعات، ولكن حسبنا أن نشير إلى النفقات الباهظة للتسليح والتجييش التي لا معنى له.. وبخاصة في الدول البعيدة عن احتمالات المواجهة.
وإذا كانت ضرورية لقمع المعارضة، وحماية النظام، فإننا نعتقد بأن لا حاجة لاستعمال (مطرقة كبيرة لسحق بعوضة صغيرة).
والضرورة تقضي فوراً تحويل جزء مهم من ميزانية الدولة لقطاع التعليم والثقافة بحيث تعاد صياغته بما يتوافق مع ضرورة العصر عن استخدامها عن تخريج أجيال بسن مبكرة.. وقادرة على استخدام معلوماتها وخبراتها التقنية في أي بقعة من العالم.. ولذلك فإن التركيز على اللغات الأجنبية والتدريب المهني المتواصل والإنفاق على البحث العلمي يجب أن يكون المعيار الحيوي الأول لأية سياسات ثقافية وبدون ذلك سنبقى نحن المطرقة ونحن البعوضة!!