لتحقيق الأمن الحيوي!!
وهكذا، نصل إلى العمران السياسي الحيوي القادر، على حل إشكالات الحصول، على التقنية، وكيفية تحييد قوى الهيمنة، وإعادة النظر، بأولويات الصراع، وأهدافه ووسائله لتحقيق الأمن! للمبادرة الحيوية، بدءاً من الأخطار الذاتية، أو الأخطار الخارجية.
وقبل أن نقول كيف؟ يحق لنا أن نتساءل.. عمن يهدد من في العالم العربي؟ بصرف النظر عن المداخلات الخارجية. فماذا نجد؟!!
أول ما يلفت الانتباه، التفاوت في الثروة بين بعض الفئات وغيرها.. وبين بعض الأقطار وغيرها.. وهذا وحده يشكل سبباً كافياً للإغراء بإزالة التفاوت.. ويشكل مصدراً للتهديد، وأزمة الخليج، هي تعبير صريح عن هذه الحالة التي تعيشها الغالبية العظمى، من العرب والمسلمين، المشتتين في عالم شاسع من الفقر أمام دويلات (مكرسكوبية) تحتكر ثروات فلكية.
ونلفت الانتباه، أيضاً إلى حالة التمايز بين المدينة والريف، حيث ما تزال المدينة، حتى في أكبر أحيائها فقراً، أفضل للعيش من معظم القرى، حيث الدخل من الزراعة، وتربية الحيوان، لا تفي، في كثير من الأحيان بأجور الموصلات للنزول إلى المدينة، للتبضع أو للتطبب، أو للدراسة، بالإضافة إلى قسوة العيش وشظفه في القرية، بالمقارنة مع المدينة، فإن أوقاتاً كثيرة تهدر بلا طائل وخاصة إذا لم يكن الجو مشحوناً بجو حرب بين عائلات وعشائر، تبحث عن الثأر والانتقام، من بعضها بعضاً، لأتفه الأسباب!!؟ وإذا لم تتوفر الملاحقة من خارج العائلة، لآخذ الثأر منه فإن إثبات الرجولة والشرف والبطولة تجاه حركة غير متزنة من إحدى بنات أو نساء البيت، ما زالت مصدراً للانشغال وطرد الملل من أجواء القرية!! بل والقرى المجاورة؟! وما دام التفاوت كبيراً بين المدن والريف، وبين أحياء القصدير في المدن، والأحياء المدللة..
فلا بد أن نتوقع إشكالات تهدد الأمن الاجتماعي!!.. بسبب طموحات الفئات المهملة الضائعة بين أحياء الصفيح! أو أحياء المقابر! المسكونة فعلاً في القاهرة.. تشكل، هذه الأوساط، مرتعاً للتمرد الاجتماعي والعنف لتسوية أوضاعها عن طريق أية دعوة تسهل لها طريق العنف.
ترى؟ أليست هذه الأوساط التي ظهرت منها أكثر الانتفاضات والفئات الانقلابية والثورية، في العالم العربي؟؟!
وثمة مصدر آخر لتهديد الأمن الاجتماعي يكن في الفروق بين الأقليات الحاكمة، والأغلبية المحكومة، وبين الأغلبية القومية والدينية والأقليات التي تعيش في كنفها!!.. والتي تشكل المولد الأكبر لمجمل الحركات الاجتماعية المتصارعة حول السلطة الرسمية والنفوذ الشعبي.
وما دام الأمر، كذلك، فإننا دون وجود إسرائيل، ودون وجود قوى هيمنة دولية.. سنكون في حالة أزمات وحروب مستمرة.
ولا سبيل إلى تجاوز هذه الحالة الأزمة، إلا في توفير متطلبات السيادة والكرامة والعيش الكريم للجميع، واحترام الرموز المقدسة للجماعات المختلفة.
وبتعبير آخر، عندما يصبح كل منا سيداً في وطنه، تزول الحروب التي تحدثها حالة النقسام بين سادة و عبيد.. وطبعاً فهذا هدف طوباوي فالفروق و الإختلافات وحتى المظالم والأخطاء والعسف، ستبقى، بشكل أو بآخر!! وهي موجودة حتى في الدول المتقدمة!.
ولكن، ما ينقصنا بالمقارنة معها هو إيجاد طرق قانونية حيوية سليمة فعالة متوازنة للصراع السياسي والاجتماعي والثقافي، لإزالة الغبن، وأخذ الحق بقوة الميثاق الحيوي العربي الإسلامي المقبول اجتماعياً بوصفه دستوراً ملزماً للمواطنة أهم تقنية يمكن لنا أن ننجزها.. توفير مستلزمات الكرامة والحرية ومشاعر السيادة للجميع.. ليشعروا أنهم في ديار العرب والمسلمين يحظون بأكبر قدر من الاحترام والحصانة، حتى وإن كانوا غير عرب، وغير مسلمين.
هذه التقنية الحيوية التي تضمن (حقوق الإنسان) لا يمكن أن تحقق في ظروف الفقر والتخلف والهيمنة، وهنا المشكلة مدورة ومقفلة، فلإزالة حالة الدونية والتبعية والتخلف، علينا مقاومة العقلية الأحادية والعنصرية فينا أولاً، وما دمنا في حالة أزمات وهزائم، فإن صيغ التعبير العاطفي العصابي هي الوحيدة المتوفرة والمعبرة عن حدة مشاعرنا.
ومع أننا كررنا هذه الأفكار في معظم الصفحات السابقة، إلا أن مبرر ذكرها - هنا- يعود إلى حاجتنا لقرع باب الاجتهاد، والإبداع، الذي يجعل من لديهم قدرة إبداعية، يأخذون الطريق المشجع السهل لتمكين التزامهم بالعمل الحيوي على بلورة طاقاتهم بشكل قادر على ردم الهوة التي تفصلنا عن الغرب المتقدم. فهنا الجبهة الأكبر والمعركة الأكبر.. وتوفر هذا الحافز.. يغني ويعوض نقص الإغراءات المادية التي يلقاها أمثالهم في الخارج.
إن معظم خبراء البناء والتسلح الذين يأتون إلى بلادنا، ويخرجون بصورة سلبية عن حقيقة مشاعرنا العدوانية تجاه بعضنا وتجاه العالم.. يذهبون لتزويد مراكز الاختصاص، بما يلزم لإحكام السيطرة ضدنا.. لضرب وتخريب ما لدنيا من قدرات.. حتى وإن كانوا هم الذي بنوها.
ولذلك، فإن سبل امتلاك تقنية العصر، وإن كانت ممكنة جزئياً عن طريق استقدام الخبرات الأجنبية، والحصول على بعض المساعدات، من الدول الصديقة.. إلا أن هذه الخبرات لا يمكن أن تكون إيجابية ، في أعماقها، ولا يمكن ضمان استمرارها بفاعلية.. وبخاصة، إذا كانت مرتبطة بحكومات قابلة للسقوط عند كل دورة انتخابية. أما الصداقة مع الحكومات غير المرتبطة بدورات انتخابات.. فمصيرها أسود.. لأن مصيرها يخضع لمزاج الفرد الحاكم.