جـميـعنــا شــركـاء فــــــي (( ســوريــــة ))

 ((أوراق من الانترنت )) : جمع وإعداد الرفيق م .أيمن عبد النور

 

احتواء هيمنة الأنظمة المحلية

النشرة: 11/8/2003

http://www.damascusschool.com    موقع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي

*المبادرة الحيوية على المستوى السياسي المحلى:

كلنا يدرك أن المبادرة الحيوية، كي تشهد النور، لابد لها، من الانتقال، من المستوى الفردي والنظري، إلى المستوى الجماعي والعملي، وبالتالي، عليها أن تأخذ بعداً سياسياً وفئوياً، قادراً على التنوع، بين اتجاهات قوى الشخصنة والتفرد، من موقع محدد عربياً وإسلامياً، وبدءاً من المستوى الشعبي، لتحقيق رأياً عاماً موجهاً، ولكن -هنا- تبغي الإشارة، وبوضوح، إلى أن التحدي الأكبر، لنجاح (المبادرة الحيوية) لن يتوقف على مدى قدرتها على التحقيق والانتشار بصفتها رأياً عاماً موجهاً من خلال قدرتها على الوصول إلى السلطة والتطبيق، ومشكلة (المختبرات الحيوية) لم تكن في صحتها. أم لا! ولم تكن من خلال إناطة الدور الدفاعي لها.. ولا من خلال حجم التكاليف التي تحتاجها، حتى تصبح قابلة للتحقيق!!. فمثل هذه المسائل، ما زالت من وجهة نظرنا صحيحة! وقابلة للدفاع بشكل عام، وخاصة في سوريا.. إلا أن المشكلة الأخطر كانت في جعل البرمجة الدفاعية والسياسية الحيوية اختياراً معتمداً على الصعيد الشعبي والرسمي.

وللأسف، فإن إمكاناتنا وتضحياتنا، كانت أقل من أن تلفت الانتباه إلى هذه البرمجة بشكل جماهيري ولم تستطيع حتى أن تأخذ المصداقية بالنسبة للقوى السياسية الحاكمة، لأسباب لا مجال لبحثها الآن، نأمل أن نتجاوزها شعبياً ورسمياً.

ولكن المشكلة تبقى هنا، يمكن لنا أن نتقدم باتجاه المبادرة الحيوية أو أن نبقى أسرى أزماتنا وهزائمنا، لا نستطيع إلا أن نكون ضحايا آخرين في سياقها؟!

ولكن، ما المقصود بذلك بالضبط؟!!!.. المقصود.. وباللغة العربية الفصحى هو من سينهض لتحقيق هذه المبادرة؟ ومن الفئة التي ستحمل لواء مفاعلتها مع الجماهير؟ ومن هي السلطة التي تسترشد بها، وتطورها إلى التنفيذ ؟ وفي أي الساحات العربية ستجد هذه المبادرة إمكانية المباشرة في التطبيق؟

هذه هي الأسئلة الحاسمة، التي يمكن بها (للمبادرة الحيوية) أن لا تبقى - كغيرها (حبراً على ورق) ومثل هذه الأسئلة تطرح قضايا إشكالية خطيرة.. فالعمل السياسي الشعبي الحر! ممنوع!! ومصادر في معظم الأنظمة العربية.. ومعظم الاتجاهات الفئوية السياسية وصلت إلى حافة الإفلاس. والعجز عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة!! وبدلاً من امتلاك شجاعة الاعتذار والنقد الذاتي فإنها انغلقت على مصالح أحادية توفرت من خلال تحولها إلى شخصنات سلطوية تحقق مكاسب على المستوى النفسي والفئوي وربما المادي للذين انضموا تحت لوائها.. وبخاصة إذا تحالفت مع السلطات الخليجية والدولية وحصلت على بعض بركاتها!!.. ولذلك فإنه عند السؤال عن الفئات التي يمكن أن تدعم هذه المبادرة الحيوية.. يتوجب طرح التساؤل حول صيغة التشكيل الفئوي الذي يمكن أن تدعم هذه المبادرة.. وهذا سيقودنا إلى البحث عن الأساس النظري والتنظيمي الذي يضمن السمات الحيوية للتشكيل الفئوي المعين، لأن الفئوية السياسية ليست مجرد تجمع من الناس. بل هي أولاً رؤية ومصالح تجسدها فئة من الناس بشكل فعال يستهدف مفاعلتها مع الجماهير والمعطيات المحلية والدولية بحيث يصل إلى مستوى السلطة.

ولكن هل يخلو المجتمع العربي من الأنظمة والسلطات والفئات السياسية؟! وهل مصالحها متعارضة كلياً مع المبادرة الحيوية؟! وأكثر من ذلك هل يمكن الانطلاق دون أخذها بعين الاعتبار؟ وبلا شك، فإن مصالح التنافس الفئوي، وعقلية المصالح الأحادية، ستجعل هذه الفئات والسلطان منغلقة باتجاه هذه المبادرة، وأية مبادرة أخرى لا تقترحها هي - أساساً - وتتبع من رؤيتها لمصالحها..!! فكيف يمكن مواجهة هذه الإشكالات. بشكل فعال، وقادر على تجاوز معوقاتها؟ وتفكيك نزعاتها التسلطية الأحادية؟!.. سواء، أكانت حاكمة رسمياً وكلياً، أم شعبياً وجزئياً؟!

يجب الاعتراف أولاً بأهمية السلطة الرسمية. لتحقيق هذه المبادرة، ومع اعترافنا، بأنه ما من تقدم أو تخلف عن المبادرة الحيوية، يتم إلا عن طريق السلطة الرسمية - في المحصلة النهائية على الأقل - ولكن ينبغي التذكير، أو الإقرار، أيضاً، بأن العمران السياسي الحيوي لا يتوقف على السلطات الرسمية بل ينطلق من أولوية السلطات الشعبية الكفيلة بتعميق العقلية النقدية الحيوية ومواجهة ركائز العقلية الأحادية سياسياً وفكرياً وفئوياً. وتأمين المستلزمات الجماهيرية لإنجاح المبادرة وإنضاجها على المستوى الشعبي، وفي هذا الميدان فإن المبادرة الحيوية لكونها تتصدى للسلطة والتغيير لما هو سائد. فإنها ستلقى الحصار والإعاقة من قبل قوى الشخصنة الحاكمة التي ترى ضرراً في التغيير، كما أنها ستحول دون أن تتعمق جماهيرياً ودون أن تمتلك مقومات المصداقية النظرية والعملية عند الفئة التي تتبنى مسؤولية تطبيقها.. لذلك، فان العمل السياسي المباشر لا يمكن أن يؤدي في أحسن الأحوال إلى غير صعود مجموعة جديدة من الحكام وتشكيل فئوية حزبية تدخل في المنافسات التي تمليها عقلية المصالح الأحادية. وهذا سيؤدي إلى تكرار الهزائم وتكريسها.. ولكن، هل هذا يعني أن المبادرة الحيوية، تتم بطابع فكري نظري فقط؟؟!!

الإجابة هي: النفي أيضاً، وذلك لأن أي إسهام نظري. فكري لا يصل إلى الجماهير، وقواها الفاعلة سياسياً ويتفاعل مع طلائعها الحيوية، سيبقى مجرد إسهام نظري على الورق، دون فعالية.

كما أن أية مساهمة فكرية لا تحدد موقفاً من المسائل السياسية المعينة، فإنها  تعزل نفسها عن أهم القضايا المؤثرة في الحياة الاجتماعية، وأكثر من ذلك، فإن السلطة - في معظم الدول العربية - ليست حيادية تجاه أية ظاهرة فكرية، بل في أكثر الأحيان، ليس حيادية تجاه أي كتاب، أو نشرة مطبوعة، حتى ولو كانت كلمات متقاطعة، وهذا الكتاب يعرف مسبقاً أعداءه!! إنهم بالتحديد أعداء الحياة، وأعداء الحرية وأعداء أطفالهم، وبالتأكيد فإنه سيشغلنا تجنب حماقاتهم!! المضادة لأنفسهم!!. (ولنلاحظ الآن أن طبعه تأخر كل هذا الوقت!!).

إذاً، فالعمل النظري والفكري، لا يمكن أن يكون بعيداً عن هذه المشاغل في الظروف العربية الراهنة، ولو أردناه كذلك! فكيف إذا كان هدفه التغيير السياسي والاجتماعي بالمعنى العميق والبعيد.

وهذه المبادرة ذات الطابع النظري والفكري، هي إذاً مضطرة لأن تجد وسائل مادية واجتماعية وسياسية تجعلها قابلة للحياة والفاعلية، ويلزمها توفير مجالات علنية للتفاعل الجماهيري من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وأن تتوفر على أمكنة للقاء والحوار (صالونات، منتديات) وهذه أمور لا يمكن أن تكون السلطات السياسية العربية حيادية تجاهها.. حتى ولو كانت الموضوعات المطروحة والناس والمتحاورون فيها، لا يستهدفون بشكل مباشر أمور السلطة.

إذاً، كيف يمكن العمل والتقدم بهذا الاتجاه؟ هل نلجأ إلى السرية والنزول تحت الأرض؟ أم أن هناك صيغة تمكننا من العمل العلني دون التخلي عن الهموم السياسية، بل مع وضعه في مقدمة الاهتمامات؟

للإجابة - عن ذلك - نقول: إن هناك طرقاً مختلفة تمكننا من تحقيق هذه الحالة، وتختلف الحالة بين قطر وآخر.. وبحسب الهامش المتاح، أو الممكن، ولكن - بالتأكيد - فإن الانطلاق علناً أفضل وأكثر فاعلية من الانطلاق السري، لأن السرية لا تعني، فقط، التعود على ممارسة إخفاء الحقيقة، وتكريس العزلة الجماهيرية فيها وحولها.. ومن ثم إضعاف ما فيها من قدرة على النقد والتمحيص والبلورة والتطور، ومنعها من التعرض لنور الشمس، الذي يتكفل بتطهيرها من التشويشات العادية، والمتوقعة، في مثل هذه المهمات الكبيرة والبعيدة المدى، كما أن العلنية تؤدي إلى توسيع دائرة المشاركين للاتساق مع أنفسهم، والتذكير بأصالة توجهاتهم.. والاستمرار في الطريق.

بينما يؤدي العمل السري إلى ممارسات تجعل المشاركين في (المبادرة الحيوية) يصابون - بمختلف ألوان القلق والخوف والإحباط.. والبحث عن مبررات للتخلي عن الأمانة التي نهضوا لحملها.. عند أول إشارة توحي بمضايقات نفسية، أو مادية، فكيف الحال، إذا كانت ستؤدي إلى السجن؟ والتعذيب؟ وقطع سبل العمل؟!

ولهذه الأسباب فإن أية مبادرة حيوية عليها أن تتضمن أمن استمرارها، وفعاليتها، وهذا يرتبط بعلنية نشاطها بشكل أو آخر، ولا بأس من التذكير - هنا - بأن الحركات السرية تنتظر الفرصة للانطلاق نحو العلنية، والتذكير أيضاً أن الحركات السرية لا يمكن أن تنمو بشكل جماهيري، إلا إذا كانت تنطلق من مشاعر جاهزة، وصيغ وأهداف تقرها قطاعات جماهيرية كبرى سلفاً، بحيث تؤمن - لأفرادها - الدعم المعنوي والمادي، وحتى في هذه الحالة، فإن الذين يستطيعون تحمل مثل هذه المهام، لا بد أن يكونوا في عمر الشباب، أو من النوع الواثق بنفسه والمتحمس لقضيته، والذي لا يستطيع الخوف أن يشله، وهؤلاء هم القلة من الناس في كل المجتمعات.. وفي كل الأزمان - فكيف العمل؟ والمطلوب - أساساً - الكثرة، وليس القلة؟! والمطلوب تقوية مشاعر الثقة بالذات لدى الجماهير، وليس تعريضها للمزيد من اليأس والشك.. والشلل؟!

وهنا لا بأس من الإشارة إلى أن المبادرة الحيوية إذا لم يكن لها من سبيل للبدء دون نوع من السرية، ليكن، ولكن بصيغة تستهدف تجاوز الحاجة إلى السرية بأسرع وقت، وهنا - يجب التمييز - بدقة بين المبادرة الحيوية، ومجرد المبادرة السياسية، ونحن هنا - بصدد (المبادة الحيوية) التي - تتضمن بعداً سياسياً، ولكنها ليست سياسية فقط، بل هي فكرية أولاً وأساساً ومع ذلك فالمبادرة السياسية، قد تكون أيضاً، حيوية، وقد يكون استهداف العمل السياسي المباشر في مرحلة ما مقبولاً وحيوياً، وفي هذه الحالة، فإن صيغ التنظيم، قد تقتضي نوعاً، من السرية، ولكن مثل هذه الحالة، قد تكون فاعلة، فإنها يجب ألا تمتد إلى أكثر من سنوات - وإلا فإنها ستتحول إلى عصابات.. عاجزة بحكم طريقة وجودها وتاريخها، عن التخلي عن عقلية التآمر ويضعف منسوبها الحيوي وربما تصبح عقبة أمام أية مبادرة حيوية. فتتحول إلى عصابات إرهابية مغامرة للبحث عن أي طريق للسلطة ولو كان لخدمة أعدائها، كما أن السرية، تفرض نوعاً من الازدواجية لدى المشتركين، في العمل، تسمح لهم بإعلان مواقف متناقضة، بحجة الأمن، وتنمي لديهم سهولة النفاق، وعقلية التآمر، داخل التنظيم.. بحيث، يصبح مرتعاً للانشقاقات بسبب الإغراءات والتهديدات، التي يتعرض لها في هذا الظرف أو ذاك.

وإذا تعرض التنظيم السري للملاحقة، والاضطهاد فإن روح الاستسلام والهروب، والتخلي عن الاستمرار، تتفشى في كثير من أعضائه ويتصرفون تصرفات كثيرة، دافعها الخوف واليأس، والشلل.. وفي حين يعلن الشجعان (منهم) ذلك صراحة، فإن آخرين يعلنون، بصيغة مزاودات وانتقادات تصل إلى درجة الاتهام، والإدانة، لأتفه الأسباب، وقد تكون أكثر الأعمال بطولة، وشجاعة، وإخلاصاً، مصدراً أكثر للتشكك بهم، حين يذهبون للسؤال عن أي معلومة يراها المسؤول عنها سراً.. وبالتالي، يصاب كثير من أفضل الطاقات بالإحباط وردة الفعل السلبي فترد على الشك بالقرف وترتد عن أهدافها وتباشر بأكل نفسها وقتل طموحاتها.

ولكن أكثر مساوئ العمل السري، هو كون دائرة التفاعل العلني، بين المشاركين في التنظيم، تكون محددة لأسباب أمنية، وبالتالي، فإن تبلور هذا التفاعل لا يكون بالشمول والخصب نفسه كما في حالة العمل العلني العريض.

ولذلك فإننا - مجدداً - نصر على السعي لإنطلاقة علنية واضحة الأهداف والوسائل. مع العلم، بأن ضعف الفاعلية في الواقع المعيش، لا يشكل إدانة لأصحابه بل قدي كون وساماً لهم، ودلالة على الصدق والواقعية.

وأساساً، فإن الاعتقاد بأن (المبادرة الحيوية) قابلة لأن تصبح فعالة على المستوى الجماهيري، وبشكل فوري، فإن في ذلك الكثير من السذاجة والخيال، أكثر مما فيه من الخبرة والواقعية، كما أن الاعتقاد بأن نتائج سياسية مباشرة ممكنة التحقق من أية مبادرة حيوية هو ضرب من الوهم، واستسهال المهمة.

من أجل كل ذلك، فإن (المبادرة الحيوية) يجب أن تبحث في كل قطر من الأقطار العربية والإسلامية. عن صيغة تقربها الخاص إلى الجماهير، لتجاوز حالة الأزمات، والهزائم وللبحث عن سبل تجاوز الموروث الانحطاطي، وفتح سبل دخول العصر.

ولذلك، لا توجد وصفة جاهزة يمكنها أن تحل بشكل سحري وشامل، كل الصعوبات التي تحول دون نهوض المبادرة الحيوية، لتصبح فاعلية جماهيرياً، وقادرة على الوصول إلى مستوى السلطة السياسية.

وقد يعتقد بعضهم، أن أكثر عقبة أمام إزالة العقلية الأحادية، تبرز على مستوى السلطات السياسية الرسمية القائمة التي ترفض التخلي عن امتيازات الأحادية.. ومع أن احتمال سقوطها وعجزها عن تحقيق أهدافها قائم، إلا أن هذا الاحتمال يبقى أفضل لها من أن تعلن - هي نفسها - عن عجزها، وتجهيز أمر دفنها.. وإذا صرحت بأنها لا تحمل كل الأمل، وكل النصر! وكل الحقيقة!! فهذا يعني فتح الطريق لأعدائها لاستغلال الموقف والمزاودة عليها، بأنهم، هم يحملون كل القيم الوطنية، وكل الحقيقة، وهم - في واقع الأمر - ليسوا أفضل، وقد يكونوا أسوأ.

وأكثر من ذلك كله!! فإن القدرة على الحكم لا تتوقف حتى على الإدعاء بامتلاك كل الحقيقة، أو نصفها، أو بعضها، بل تتوقف على القوى التي تفرض بها نفسها وإعلامها.. ومعتقلاتها لمن لا يقتنعون بها!!؟ وكل القوى السياسية الحاكمة والمعارضة، والقابلة للوصول إلى السلطة، في العالم العربي والإسلامي تعيش العقلية نفسها!

والقوى المعارضة - هي الأخرى - تعرف أن السلطة تحتاج إلى لغة تفهمها وهي: لغة القوة!! وفي مواجهة سلطات دكتاتورية، سترفع قوى المعارضة شعار الديمقراطية!! بالتأكيد، وتجاه سلطة انفصالية، سترفع المعارضة شعارات وحدودية!. وتجاه سلطة طائفية سيكون شعار العلمانية هو الأنسب، كما أن شعار الكفاح المسلح، يمكن رفعه لمواجهة، سلطة تطالب بالسلام والحلول السياسية.

كل هذه الشعارات الذرائعية سهلة التحضير والرفع، ولكنها، لا تحمل - في ذاتها - أية مصداقية تضمن تطبيقها تلقائياً؟!. بل يمكن الاقتراض أن انتصار المعارضة، والذي لن يكون دون ضحايا ودماء.. سيطلب منها، إذا انتصرت أن لا تترك السلطة تتداول ديمقراطياً وستجد الأعذار الوطنية جداً والثورية جداً والديمقراطية جداً للاحتفاظ بالسلطة؟!!. وما دامت الكلمات موجودة!!؟ والمصلحة في الكذب موجودة؟؟. فإنه بالإمكان جعل السياسات الانفصالية عملاً وحدوياً، الاحتلال عملاً تحررياً، والطائفية عملاً علمانياً - والدكتاتورية عملاً ديمقراطياً جداً وثورياً جداً. والاستسلام سلام الشجعان!!

ومن يستطيع أن يكذبها، إذا وصفت المعتقلات بنوادي حقوق الإنسان.. ولكن لنعترف أن ظروفنا الحارقة تدفعنا إلى العنف والتطرف اليائس!! "رغم أن الإسلام يحرم الدم. الشيء نفسه يقال عن المسيحية الغربية!! التي تقدس السلام والمحبة، بينما على المستوى العملي، تعيش لتزهق الأرواح في معارك طاحنة لتهدر الدم أنهاراً باسم الإسلام!" وحالة الانجراف في تيار العنف ينشأ إما عن مشاعر القوة المتزايدة المغرورة!! أو عن مشاعر اليأس العميق!!. ويزداد وضوحاً في الهزائم المريرة! التي تجعل نفسية الانتحار قريبة إلى النفوس الأبية التي ترفض الذل والهوان!!؟.

وحالة الذل والهوان ترتبط - أولاً - بمسألة الشعور بالسيادة النفسية، والتحكم بالذات، والكرامة بالحياة.. وهذا الأمر، نحن محرومون منه، إلى درجة أننا نخجل من أنفسنا! في معظم الأحيان! أن يكون هؤلاء هم حكامنا؟ ونشعر بالعار، من تعلقهم المرضي بالسلطة، والبحث عن زخارفها وأمجادها التافهة.

يقودنا هذا التحليل إلى مشكلة السلطة عامة، حيث إن التاريخ البشري برمته - هو بشكل أو بآخر، تاريخ صبغ السلطات التي تظهر وتختفي بالدم إلى ما قبل تطور فكرة تداول السلطة ديمقراطياً.. والذي يزداد انتشار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولا بد أن يشملنا مع غيرنا. إذا قررنا دخول العصر والتعبير عن حيويتنا.. والمشكلة بالفعل ترقى إلى مشكلات الوجود الاجتماعي برمته، وهي ليست خارجة عن منطق الكينونة الاجتماعية، وقانونها الحيوي، ولسناهنا - هنا - بصدد التطرق إلى جوانب المشكلة كما عبر عنها المفكرون والمصلحون والأنبياء والقادة عبر التاريخ، إلا أننا نريد الإشارة إلى أن مشكلات السلطة - لدينا - ترتبط، بمشكلات السلطة باعتبارها بعداً سياسياً فئوياً وقيادياً ونفسياً للكينونة الاجتماعية عامة، بالإضافة إلى كل الأبعاد الدولية، والمحلية الراهنة، وظروفها المختلفة، التي تكرس فيها العقلية الأحادية على المستوى السياسي. ولكن بالتأكيد، فإن لدى الكثير منها إغراءات تعرضها على رعاياها، أكثر، بكثير، مما لدى قوى المعارضة التي لا يُعرف - بعد - قدرتها على الحكم ومدى صدقها في الوفاء بتعهداتها التي تلقى الدعم من أجلها!؟. ولا بمدى فائدتها. وأكثر من ذلك، لا يعرف بعد، مدى الأضرار التي يمكن أن تنجم عنها والقوى التي يمكن أن تظهر بشكل مفاجئ في المرحلة الأولى، بسعيها لتثبيت السلطة.

وهذا الأمر يجعل قوى المعارضة، حتى ولو أرادت تغيير السلطة، أضعف بكثير مما كان الأمر في الخمسينيات والستينيات!! وبالمقابل، فإن معظم السلطات القائمة، وصلت إلى ذروة الإفلاس في حل أي من المشاكل، التي تواجهها على المستوى الداخلي والخارجي.

ومعظم السلطات القائمة لم تعد مهددة بالسقوط لصالح قوى المعارضة، لكنها مهددة بالعجز الذاتي، والمطلوب.. هو دفع السلطات القائمة للتصريح بذلك، في الوقت نفسه، الذي يتم تصريح القوى الساقطة عن الحكم، أو المنطلقة إليه، بأنها لا تحمل بديلاً أفضل، يملك مصداقية التحقيق، ولا تستطيع تقديم أية ضمانات تكفل عدم تكرارها.

إن هذه الاعترافات والمصارحات، من شأنها فتح المجال أمام لغة جديدة، تزول فيها المزاودة. الشتائم والأحقاد، وتؤدي إلى توسيع إطار المسؤولية السياسية، والانطلاق لتطبيق المبادرة الحيوية بدءاً من السلطات القائمة، التي يتوفر فيها الحد الأدنى اللازم، من السيادة والاستقلال في قرارها السياسي، والإعلان، بشكل صريح وواضح، عن عدم جدوى العقلية التآمرية الانقلابية للتغيير السياسي، وهذا الإعلان، ليس مطلوباً لتطمين السلطات؟! ولا لتجنيب المعارضة خسائر وتضحيات بلا معنى؟!

بل لحرمان السلطات من مبررات اتباع سياسات حمقاء، بحجة البحث عن المتآمرين، وإجبارها على اتباع سياسة أكثر مرونة وانفراجاً، واحتراماً لشعوبها، ولحقوق الإنسان.. دون خوف.. هذا يؤدي - أيضاً - إلى حرمان المعارضة من البحث في انتصارات لا تؤدي في حال نجاحها إلا إلى تكرار الأزمات والهزائم، وتكريس العقلية الأحادية، في أحسن الأحوال.

وهذه، ليست نظرة تشاؤمية، بل واقعية وسهلة البرهنة، فمعظم القوى المعارضة هي إما ساقطة من سلطات، أو منشقة عن أحزاب، أو تجمع بين أطراف، لا يرتبط بينها غير العداء للسلطة، أو السعي للانفراد بالسلطة، إن أمكن، أما إذا كانت ذات اتجاه عنصري ديالكتيكي قومي، أو ديني فحالها معروف - كما يقال - من العنوان.

وهنا، قد يتساءل بعضهم: ولماذا لا نختصر الطريق؟ وننضم إلى القوى الحاكمة - نفسها -؟ للمباشرة بالإصلاح في القوى الحاكمة؟ نفسها؟ ودون عناء معارضة، وانتظار فرص الوصول إلى الحكم؟.. ويقول هؤلاء.. طالما أن القوى السياسية في معظمها متشابهة؟، وطالما أن قوى المعارضة، عندما تتسلم الحكم، لن تكون في حال أفضل بالضرورة، إذاً، لماذا لا نختصر الطريق؟ ونتقرب من سلطة الوضع الحالي؟!!.

أسئلة مشروعة جداً، ومن يستطيع - فعلاً - أن يجد موطئاً فاعلاً للبرمجة الحيوية، من موقع السلطة الحالية، فإنه، بالتأكيد يختصر الطريق، فالمطلوب (العنب وليس الناطور) على طريقة أمثالنا الشعبية.

وأكثر من ذلك، نقول إن السلطات الحاكمة، لا تخلو من قوى حيوية وأشخاص حيويين، يمارسون دورهم الحيوي بصمت، وبروح الجندي المجهول.

وأساساً ليس المطلوب أكثر من ذلك، ولكن المشكلة الرئيسية - هنا - هي أن من بريد العمل الحيوي ضمن السلطات والطواقم الحاكمة، يكون معرضاً للبلع والتجيير بسهولة، لأنه - هو نفسه - لم يُصلب إرادته ووعيه الحيوي، بشكل غير قابل للتراجع، أمام الضغوطات والإغراءات!!! وأكثر من هذا، وذلك، فإن مثل هؤلاء الأشخاص أو القوى الحيوية. إذا قررت العمل من ضمن طواقم السلطات الحاكمة، فإنها ستجد معارضة أشد، وقمعاً وتشويهاً أكثر.. يحول دون هذا الهدف الحيوي المشروع، وذلك، لأنها سوف تظهر بمظهر المنافس على مصالح السلطة، فإن لكل سلطة مصالحها و مرتزقتها، ومن هنا و بكل تأكيد، فإن هؤلاء الأشخاص أو القوى الحيوية، حتى في حال الوصول إلى السلطة ستبقى مهمشة ومعرضة لتهمة النوايا السيئة! بحيث يشار إلى أن التعاون هدفه التآمر.

ومن هنا نرى أن أفضل طريق، وليس أسهل طريق، هو إعلام مواقف واضحة علنية! تجاه السلطات الحاكمة، وإعلان إرادة المشاركة من موقع المعارضة الإيجابية، والبعد عن التهافت على موائد السلطة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع!!

ومثل هذه الحالة، وللأسف الشديد، لا يمكن أن تكون مقبولة عند شرائح عريضة، وهذا ليس سلبياً، بحد ذاته، فليس المطلوب الكم الجماهيري، بل الفاعلية بين الجماهير، والفاعلية عند السلطة، وهو أمر يبقى مرهوناً - أولاً وأخيراً - بقدرة الشخصيات والقوى الحيوية على انتزاع اعتراف - واقعي بجدارتها على التحقق كرموز تمتلك مصداقية المساهمة في تشكيل اتجاه حيوي، يعد العمل السياسي واجباً، وليس ارتزاقاً، ويعد المشاركة في الحكم أمانة ومسؤولية، وليس غنيمة شخصية، ويساهم في بلورة مفهوم العمل السياسي بشكل يتطابق مع مفهوم (الجهاد) السياسي الذي لا ينفي الآخر بل يسعى للاغتناء به وإقامة التوحيد على أساس مشروعية وضرورة التنوع الذي يتفوق في أهميته على العبادات و التقوس الفردية، مع أن هذه الصفة التطهيرية، العذرية للعمل الحيوي سياسياً، ستبقى قليلة النفوذ والفاعلية بين الجماهير. وربما محاصرة معنوياً، بحيث تبقى غير مفهومة،ومشبوهة، نقول: مع ذلك، فإن هذا الطريق هو الأقل تعرضاً للانهيار والتراجع.. والأكثر ديمومة في وجدان الجماهير بوصفه مرجعية سياسية.

ومع ذلك، فإننا نرى: أن سبل الخروج من صيغة العجز، والنفاق، والانتهازية السياسية السائدة، عند معظم القوى الحاكمة والمعارضة سيبقى في إيجاد ميثاق حيوي، تقره الغالبية من المواطنين، تؤكد الاتجاه الحيوي في ديار العرب والمسلمين باعتباره صيغة لأرضية مشتركة، تقر وجود الاختلاف، وضرورة التنوع وتجعل التنوع الحيوي العربي الإسلامي هوية مقبولة للغالبية، ونقول: الغالبية، لأننا يجب أن نقفل الأبواب، والنوافذ أمام منطلقات أخرى، قد تكون رافضة لأي شيء يمت للعروبة، ولا تقبل أي شيء يمت للإسلام.. مثل هذه الفئات، إذا كانت موجودة بيننا، وتمثل أقلية، تقبل العيش ضمن الميثاق الحيوي، الذي تقره الغالية، فلاشيء يضر، بل على العكس، فإن وجودها يمثل عاملاً إيجابياً لصيانة هذا الميثاق الحيوي، وجعله أقدر على تلبية الاحتياجات الحيوية، الأشمل والأكثر قدرة على إدخالنا العصر، ولكن يجب أن لا نطالب بالتطابق التام، وأن نرفض الأحادية، وتحث على الاختلاف الحيوي، حتى في حال وحدة الاتجاه والأهداف، فالتنوع يؤكد: الوحدة ويغنيها، ويجنبها الأحادية. وهذا هو طريق إرادة الحياة..الحرية.

 

 

 

حافظ الجمالي محمود استانبولي محمد الراشد جلال فاروق الشريف جودت سعيد روجيه غارودي
بيير تييه رنيه شيرر اوليفييه كاريه مفيد ابو مراد عادل العوا وهيب الغانم
اتصل بنا من نحن جميع الحقوق محفوظة لمدرسة دمشق المنطق الحيوي 1967 - 2004