|

الحيوية في مواجهة الفكر المادي
مجدي عبد الحافظ
أستاذ الفلسفة في جامعة حلوان
باسم الحيادية والعلمية تارةً وباسم التكنوقراطية تارةً أخرى، يُحارب الفكر
المادي، هكذا تخرج علينا في كل حين موضة فكرية جديدة يحاول مروجوها زعزعة
الفكر المادي في كل مسوياته المختلفة وشتى تخريجاته، بحيث تعود المثقفون على
استقبال، بل والتعامل مع هذه الموجات الموسمية التي تهل علينا تباعاً.
والحقيقة يتم التعامل مع هذه الموجات بسهولة ويسر، حيث أنها لا تقف على منطق
مقبول، ولا تستند على مبررات مقنعة، وسرعان ما تتهاوى تحت ضربات الحقيقة
الموجعة. إلا أننا نقف في هذه المرة أمام موجة من نوع مختلف، ولون مباين لكل
ما سيق من قبل، حيث أنها موجة تعبر عن حجة مقنعة – أو على الأقل تبدو مقنعة –
ذات منطق محكم ومتسق، وتستند على حقائق علمية لا يمكن للمرء سوى الإذعان لها
لتعليماتها ومصداقيتها خلال تجارب الإنسانية العلمية.
هذا النوع من الموجات لا يمكن مجابهته سوى بالفهم والتمثل ثم الكشف، أو بمعنى
أوفق ثم الضبط، ضبطها متلبسة بالتلاعب بالحقيقة لحساب آخر، إذ أن الهدف يتحدد
بتوجيه السهام أولاً إلى ما يمكن أن نعتبره أساسيات الفكر المادي.
إن نسف هذه الأساسيات على المستوى الإبستمولوجي الحجمي (المعرفي) بحجج تبدو
علمية هو أخطر ما يمكن أن يواجه الفكر ما بغر ض تقويضه وإهالة تراب الشك
والطعن في أهليته.
إن الموجة الجديدة والتي تصاعدت منذ فترة خرجت علينا هنا في باريس وفي هذه
المرة
باسم الحيوية،
لكن ننبه القارئ فهي حيوية أخرى غير حيوية برجسون ويترجم تعبيرها في الفرنسية
على الوجهة التالية
HAYWAYA
باعتبار أن المصطلح في اللغة العربية يعتبر أكثر غنى ويعبر عن أكثر ما يحتويه
المصطلح الفرنسي
VITALISME
(عن المذهب) أو
VITAITTE
(عن الصفة).
والحيوية يقدمها فيلسوف سوري شاب كفلسفة وممنهج للفكر، هذا وقد حصل برسالته
الجامعية عن الحيوية على درجة دكتوراه الدولة من جامعة السوربون، ومما يعطي
الأهمية لهذا الفكر أن الدكتور رائق النقري صاحب هذه الفلسفة يعمل بالتدريس
في جامعتي باريس 8 و 7 بالإضافة إلى أنه نال إعجاب وثناء أوساط أكاديمية
كثيرة في باريس.
وقد جمعتنا الصدفة البحتة حينما تم تكليفه بالمشاركة في مناقشة أحد أبحاثي
الجامعية، وربطتنا علاقة حوار وجدال طويلة، شارك في جانب منها الأخ
والصديق أنور مغيث،
والحق
أنها كانت لقاءات تتسم بالسخونة والحدة في كل مرة. إلا أنه كان يقابل
انتقاداتنا بصدر رحب وتفهم كامل، خاصة وهو ينجز كتاباً بالعربية في هذه
الأيام يتناول فيه أسس ومفاهيم فلسفة الحيوية،
والحق أيضاً انه نفسه الذي عرض علينا صياغة انتقاداتنا في مقالات للنشر وكان
نتيجة ذلك تلك المقالة والتي ستنشر في إحدى المجلات الصادرة هنا بباريس، وقد
قمت بالتركيز في هذه المقالة على هذه الدعاوى التي تتصل بمناقشة القوانين
العلمية المتصلة بالمادة والطاقة، وهي القوانين التي يستخدمها لنسف المادة،
وبالتالي إهالة التراب على فكرة الجوهر التي لعبت وتلعب دوراً كبيراً في
الفكر الفلسفي الإنساني منذ فجر التاريخ، هذه المحاولة ذاتها قصد منها
الاستعانة بفكرته الجديدة (الشكل)
لتحلّ محل فكرة (الجوهر).
الحيوية في موضع تساؤل:
تُقاس عافية الأمم وحيويتها، بقدر ما يظهر فيها من أفكار جديدة. وبمقدار ما
تستوعب هذه الأفكار الجديدة واقعيتها، وبمقدار تمثيلها لهذا الواقع، يحسب مدى
إبداعها ومدى أصالتها وخصوبتها.
وتظهر إبداعية هذه الآراء في مدى سبر غور بديهيات فكر أمتها وعصرها، ولتنفض
عنه غبار الزيف والكهانة، وترفع عن كاهل التعساء من أبناءها غبن التاريخ
وسطوة الوجهاء وزيف الحقيقة المقدسة.
صعود الأفكار إذن وتباينها كتعبير عن التباين والصراع الاجتماعي الدائر في
الواقع، يُنبئ بحركة وتوهج، صراع يؤدي إلى ولادة الأمة من جديد بخلاصة عصارات
فكر المخلصين من أبناءها.
لهذا وحده أجدني مغتبطاً مستبشراً مع كل فكرة جديدة، حتى ولو كان بي اعتراضات
أو تحفظات عليها، مؤمناً بأن الأفكار كفيلة بتوليد الأفكار، وبالتالي الحوار
بين الرجال والرجال الذين ما عمقت أمتنا حتى في أحلك سنواتها عن الجود بهم.
في ضوء هذه الحقيقة أجد أمتنا العربية، بل العالم الثالث بأمس الحاجة الآن
إلى جهود فكرية حقيقية حثيثة، تلمس كل الجوانب حياتنا تتخطى المسلمات
والبديهيات بالعمل على كشف بنيتها وسياقاتها ومحيطها الاقتصادي الاجتماعي
وقيمتها التي تشكلت عبر شحنات عاطفية عبر العصور التاريخية المختلفة.
في هذا السياق ننظر إلى كتابات رائق النقري عن منهجه الحيوي، وهو محاولة من
جانبه لإقامة بناء فكري محكم، يستطيع أن يستوعب كل شاردة وواردة، في التاريخ
الإنساني على الإطلاق، وهو لا يدعي هذا التفسير، بل يقوم علمياً بتلك
المحاولات مطبقاً لها على الفكر الإنساني عموماً، العربي الإسلامي، الفارسي،
واليوناني، والروماني،..... إلخ. بحيث بدا منهجه فضفاضاً يتسع بل ويفسر كل
شيء؟
والحق أنه قد بذل مجهوداً كبيراً يظهر على صفحات كتاباته والتي تنوعت فيها
قدرته على العطاء في الفلسفة والفقه والتاريخ والاجتماع والفيزياء .... إلخ.
والسؤال: هل استطاع الكاتب حقاً أن يقيم بناءه، كما أره منذ البداية محكماً
جداً؟
وهل نجح فعلاً في وضع أسس منهج جديد يمكن الاعتماد عليه كأداة للتحليل العلمي
والفهم العميق للظواهر؟
الحق أنه للإجابة على تساؤلنا هذا، ينبغي أن نصول ونجول داخل إطارات ضخمة
وأنساق متنوعة، تُعبر عما يسميه بالمبادئ الحيوية لمذهبه. إلا أننا سنقوم
بمحاولة أخرى متواضعة، وعلى الرغم من تواضعها ، إلا أنه يمكننا الاطمئنان
لنتائجها، وتتمثل في مناقشة الأسس التي قام عليها هذا المنهج، وبالتالي إذا
صحت الأسس فالأمل كبير في أن يكون البناء الضخم على الأقل قد أُقيم على أسس
واضحة غير قابلة للنقاش. وسوف نحدد هذه الأسس في مقولة "الشكل"
لديه.
بادئ ذي بدء، نجد أن المنهج الحيوي المبني على مقولة "الشكل"
لا يسلم من الانتقادات العنيفة والتي من الممكن أن تقوض فكرة "الشكل" من
أساسها، ولكيلا تكون هذه البداية مصادرة على المطلوب، تعالوا بنا نناقش فكرته
عن "الشكل".
لكي يُقيم النقري فكرته عن "الشكل"
كان لزاماً عليه تقويض فكرة الجوهر وبالتالي المادة، ليقيم على أنقاضهما معاً
فكرته عن "الشكل"، وهو يستند في عملية الهدم تلك على إثبات أن المادة ليست هي
المبدأ الأول للوجود وذلك عندما يستخدم الفيزياء الحديثة ويثبت عن طريق قانون
أينشتين في الطاقة إمكانية تحول المادة إلى طاقة، وبالتالي تنهار –في تصوره-
النظرة القديمة واتي تستند على أن المادة هي جوهر الوجود.
وبعد انهيار المادة وبالتالي
فكرة الجوهر،
يوضح
النقري
فكرته
في أن الكون منذ فجر الوجود قائم على "الشكل" ولا شيء آخر سواه، وأن كلمات
المادة والجوهر والروح تقضي في النهاية إلى "الشكل" الذي يعبر عنه كل فيلسوف
وكل مدرسة فكرية بطريقة مختلفة.
وهذا السرد لا يتم في كتاب النقري بهذه البساطة الشديدة التي نعرض بها، إذ
أنه لا يحل إشكالية إثبات "الشكل"
ودحر المادة، إلا بعد أن يُكيل للماركسيين وابلاً من الاتهامات والملاحقات في
سياق توضيحاته الفيزيائية،
والحق أنه قد صنع منذ البداية خصومة مفتعلة مع المادية الجدلية لم يكن لها
داع، إلا ما دعاه من الانتقام!! ممن؟ ولماذا؟!
لعل
السبب يعود لأنهم الوحيدون الذين غرروا بالبشر وبالإنسانية على مدى التاريخ،
فكل إسهاماتهم كانت مجرد تواطؤ ضد "الشكل"!!
وتآمر على الحقيقة التي غيَّبوها طيلة القرون الماضية!.
ولنترك هذا الجانب الذي لا يقدم شيئاً ذات قيمة لموضوعنا، ولننتقل إلى مناقشة
خطوات النقري الفكرية لهدم المادة. ماذا سنرى؟
لقد اعتمد النقري على أن المادة هي المرادف للكتلة وبالتالي حينما تتحول
الكتلة لطاقة بقانون أينشتين تكون المادة نفسها هي التي تحولت نتيجة عدم وجود
فارق في المعنى بين المادة والكتلة. ونحن نتساءل بدورنا هل فعلاً الكتلة هي
مرادف المادة؟
في الحقيقة أن هذه النقطة غير محسومة على الإطلاق حيث نرى أن الكتلة بُعد من
أبعاد المادة وليست مرادفاً لها، وهي فكرة أضيفت لكي تحل الإشكال الذي نشأ
عن عدم تحديد علمي للمادة، حيث ظلت المادة تعبيراً غامضاً وبالتالي بعيداً عن
التجربة العلمية، وهكذا استطاعت الكتلة أن تحل الإشكال العلمي – على الرغم من
الوقوع دائماً في مشاكل المنهج-فالصورة الأولى التي يمكن تكوينها عن الكتلة
في الواقعية الساذجة تتمثل في ما هو كبير الحجم، والخطأ يكمن في ربط الكتلة
بعلاقة ما مع الحجم، والواقع ليس أكبر الأشياء حجماً هو بالضرورة أكبرها كتلة
(ككيلو من الحديد وكيلو آخر من القطن).
كان هذا على المستوى الحسي البسيط أما على المستوى التجريبي فيبرز الوزن
كعامل جديد أتاح لنا أن نسيطر على الكتلة، وهذه السيطرة هي ما عُبر عنها
بقانون نيوتن الشهير والذي أدخل على فهمنا للكتلة مفهوم الحركة أو أنها في
حالة حركة، وخرجت الكتلة لأول مرة عن المفهوم التقليدي لها والذي كان يحصرها
فيما يحويه الجسم الثابت من مادة وقد صاغ نيوتن قانون على النحو التالي:
الكتلة = القوة × العجلة (اي السرعة)
وكان طبيعياً أن يزداد فهمنا أكثر للكتلة، بعد إدخال عنصر الحركة الدائمة ذات
السرعة المتغيرة، وبالتالي أصبح ربط هذه لسرعة المتغيرة باللحظة الزمنية من
أساسيات قانون نيوتن.
ويقفز أينشتين بالكتلة، حينما يلقي بها في آفاق أبعد، وحينما ترتبط سرعة
الكتلة لديه بسرعة الضوء وعلى هذا صاغ قانونه الشهير:
الكتلة = الطاقة × مربع سرعة الضوء.
وهو نفس القانون الذي اعتمد عليه النقري لتقويض مقولة المادة (وسوف نعود إليه
بعد قليل) غير أن رحلة الكتلة لم تنته بقانون أينشتين، فها هو ديراك
DIRAK،
الذي أضاف إلى جملة الأفكار السابقة فكرة هامة وهي فكرة انتشار الإلكترونات
في المجال المغناطيسي الكهربائي، ثم حساب قواعد هذا الانتشار().
هذه العجالة التاريخية لفكرة الكتلة، تؤكد أن الكتلة كمفهوم استطاعت على
المستوى التجريبي أن تحل المشكلة التاريخية للمادة، ولنقل كممثلة لها، إلا أن
هذا التمثيل لا يسبغ لها بأي حال من الأحوال أن تنتحل هوية المادة، حيث ما
عرضناه لا يدلنا على أن الكتلة مرادف للمادة.
ولنلق الضوء أيضاً على المادة علنا نخرج بشيء يفيد موضوعنا هذا:
والمادة كمصطلح لغوي تعني كل شيء يكون مدداً لغيره. وأول من وضع المصطلح
واستخدمه فلسفياً هو أرسطو، ولم تكن معرفته عن المادة مباشرة وإنما معرفة
بالمماثلة، نظراً لصعوبة هذه المعرفة والتي تعود في الأساس إلى وجودها خارج
إطار المعرفة، فليس ثمة شيء يبقى بعد نزع جميع كيفيات الوجود، ثم إن المادة
ليست من بين المقولات لأنها لا تحمل على شيء، ولكنها قوة كما أن الصورة فعل.
ويشبهها أرسطو بالجوهر، إلا أنه ينفي عنها أن تكون جوهراً وذلك لافتقادها
خاصيتي الجوهر الأساسيتين حيث أنها ليست موجوداً قائماً ذاته، كما أنها ليست
فرداً.
ويرى ابن سينا أن المادة وأية كان سبباً للجسم فإنها ليست بسبب يُعطى الوجود،
بل السبب يقبل الوجود، وفي موضع آخر بصفتها بأنها منبع الظلمة والشر والعدم.
بينما تصبح المادة لدى ديكارت هي عين الفضاء الهندسي. إلا أن المادة في
الفلسفة الماركسية تأخذ وجوداً موضوعها مستقل عن الوعي الإنساني، وترتبط
عضوياً بالحركة والزمان والمكان، كما أنها تطور ذاتها، وعلى ذلك توضع المادة
في مقابل الصورة().
إن ما سقناه من مفاهيم خاصة بالمادة لدى بعض الفلاسفة، نورده على عدم اتفاقهم
على تعريف واحد، وبالتالي عدم استطاعتهم حصر المادة حصراً دقيقاً، حيث رأيناه
مرة كقوة، ومرة أخرى كمنفصلة مرة ثالثة كفراغ هندسي. هذا الغموض ذاته هو ما
يستبعد أن يكون للمادة بُعداً واحداً فقط، وبالتالي فالكتلة ليست إلا إحدى
كيفيات المادة.
وكما قلنا من قبل استطاع العلم أن يستغل هذه الكيفية (الكتلة)أقصى درجات
الاستغلال ويحصل من خلالها على نتائج مذهلة، وإذا قيل ما دام اصطلاح المادة
هشاً لهذه الدرجة، ولا يقدم أي منفعة للعلم الحديث فلِمَ أتمسك؟؟ أليس اصطلاح
"الشكل" هنا يعبر عن حقيقة أكثر واقعية؟
نقول حتى ولو افترضنا صحة هذه الهشاشة في المصطلح، ونحن لا ندعي أن مفهوم
المادة واضح بذاته ومحدد، لأنه إذا صح هذا، فلم يعدُ هناك أدنى داعي لمناقشته
الآن، وكنا استرحنا واكتفينا بع عملية إحلاله إذن بمفهوم آخر، على الأقل
ينبغي أن يكون متمتعاً بحد أدنى من الوضوح، بل والعلمية، وافتراض إحلاله
"بالشكل" لن يحل إشكالية وضوحه، حيث أن "الشكل" تعبير أعرض وأوسع، بل ويحتمل
أكثر مما يحتمله تعبير المادة، وهو بلغة المناطقة تعريف غير جامع ولا مانع،
وبالتالي تعريفاً غير علمي، بحيث أننا لا يمكننا على الإطلاق استخدامه في
تجاربنا العلمية المعملية، أي لا يمكن قياسه ولا وزنه ولا توجد قاعدة يتحدد
على أساسها، مع غض الطرف عن إيحاءاته المبهمة والتي تشير بضبابية ما، وتؤدي
نهائياً إلى حال أتراكسيا لا تدفع ولا تعمل على ارتقاء الغيوم وتقدمها.
وهكذا من خلال كل من العرضين عن الكتلة والمادة لا نستطيع أن نقول بأننا كنا
نتحدث عن شيء واحد، كما أن القول بأننا قد تحدثنا عن شيء واحد ولكن أولهما في
سياقه العلمي (التجريبي) وثانيهما في سياقه (النظري) الفلسفي، فسيكون ضرباً
من الخلط الذي لا نستطيع تبريره إلا بحجج وأسباب واهية. إلا أننا سنسير من
النقري إلى نهاية المطاف وسنفترض أن المادة هي المرادف للكتلة، حتى هذا
التسليم من جانبنا لن يستطيع إنقاذ فكرته وسوف تفتقد لأساسيات كثيرة لكي
تكتمل ولنرى ذلك بأنفسنا:
نعود إلى قانون أينشتين في الطاقة – والذي أجلنا الحديث عنه منذ قليل:
الكتلة = الطاقة × مربع سرعة الضوء.
هذا القانون الذي يستنتج منه انتهاء أسطورة المادة إلى الأبد. فالنقري يستند
في نقده على أن تحول الكتلة لطاقة كفيل بجعل المادة تفقد المشروعية في أن تظل
هي المبدأ الأول كما يدعي الماديون، وإذا غضضنا النظر عن الفكرة التي تقول
بأن التحول الذي يحدث للمادة من صورة إلى أخرى، لا يغير من كونها مادة، بحيث
تصبح كل الصور التي تتحول إليها المادة صوراً جديدة لها، حتى ولو كانت الصورة
المتخذة والجديدة هي الطاقة، سنترك هذه الفكرة لنناقش أفكاره التي عرضها، فهو
يبني نقده على أن علامة = واضحة تماماً للعيان ولا تحتاج لبرهان في أن الكتلة
هي الطاقة.
والذي نعجب له أنه يفهم علامة التساوي هنا فهماً خاصاً به، فعلامة التساوي لا
تعني على الإطلاق إمكانية أن يكون طرفا المعادلة واحداً، وبمعنى آخر علامة
التساوي لا تعبر عن قانون الهوية الأرسطي في أن 1هي1، لأننا إذا قلنا بهذا
المعنى فإن ثلاثة كيلوات من التفاح = عشرين فرنكاً، فلا نستطيع على الإطلاق
أن نقول بأن التفاحات قد تحولت إلى فرنكات، وبهذا نفهم من علامة التساوي هنا
أنهما في علاقة تساوي في القيمة ليس أكثر.
إذن علامة التساوي تعبر دائماً عن علاقة توازن ما بين طرفي المعادلة من
الممكن أن يكون في القيمة كما رأينا، أو في الحجم، أو في الشكل().
وليس بالضرورة أن تكون هذه العلامة مرادفة للتحول. وحتى إذا سلمنا معه بأن
علاقة التساوي تلك تفيد التحول، فسنجد أنفسنا أمام معضلة أخرى ستبرز لنا وهي
أن صياغة القانون على النحو السابق:
الكتلة = الطاقة × مربع سرعة الضوء.
لا تعني على الإطلاق أن طرفي المعادلة هما الكتلة والطاقة وحدهما، لأننا إذا
افترضنا أن الكتلة تعني الرمز (أ) والطاقة الرمز (ب) فإن الضرب في مربع سرعة
الضوء سيعني رمزاً آخر وهو (جـ)، أي أننا لا نستطيع القول أن المعادلة تقول
(أ = ب) بل الصحيح أن (أ=ب) حينما تضرب (ب)× جـ2، ومن الممكن أن
يُقال أن ما أعطيناه الرمز (جـ) هو مُعامل ولا يدخل كطرف قائم بذاته في
المعادلة، كالحرارة مثلاً عند تسخين الماء لتحويله لبخار، ولكن المسألة ليست
ببساطة اعتباره معاملاً، فالحرارة يمكننا الإتيان بها معملياً على المستوى
التجريبي، ولكن الضرب في سرعة الضوء تربيع تظل معضلة العلم التجريبي حتى قرون
قادمة، لذا فاعتباره معاملاً يُجانب الحقيقة، ويعتمد على تشبيه غير جائز من
الناحية التجريبية.
وعلى الرغم من هذا كله لا تنتهي مشاكل القانون، حيث القول بأن الكتلة هي
الطاقة يثير قضية أخرى على قدر كبير من الأهمية، وهي أن الكتلة ترتبط في
علاقات مع الكتل الأخرى حولها، أي أن هناك نسقاً معقداً من العلاقات التي
تربطها بغيرها، هذا النسق يختلف تمام الاختلاف في حالة الطاقة، حيث أن الطاقة
أيضاً ترتبط بنسق معقد من العلاقات فيما بينها وبين ما حولها، وإذا أضفنا
أنهما يختلفان أيضاً في مجموع أنساق العلاقات الداخلية لكل منهما، وضعنا
أيدينا على التمايز التام بين الكتلة والطاقة. حتى في مجال الطاقة، مازال
العلماء يضعون أيديهم على حقائق جديدة ومذهلة، فقد كان من المعروف مثلاً أن
النيوترينو Neutrino
والفوتون Photon
، كلاهما ذو كتلة تساوي الصفر()،
ولكن التجارب الحديثة ترى أن هذه الكتلة لا تساوي الصفر تماماً وإن كانت
صغيرة جداً.
والدراسات حول تلاشي النواة، خاصة فيما يسمى بتلاشي بيتا
Beta
تؤكد هذا، فحينما يتحول النيوترون إلى بروتون وإلكترون ونيوترينو، ينطلق
الجسمان الأخيران من النواة بينما يظل البروتون المتولد في الداخل. ومن السهل
مشاهدة البروتون والإلكترون الناتجين عن عملية التلاشي، الأول الذي لا ينطبق
على النيوترينو، الذي تكاد تستحيل مشاهدته، وافتراض وجوده يتم على أساس قانون
الحفاظ على الطاقة والحفاظ على كمية الحركة.
إنه بدون وجود هذا الجسيم ، تبدو عملية التلاشي وكأنها تؤدي إلى اختفاء جزء
معين من الطاقة ومن كمية الحركة.
والتجارب المتقدمة التي أجريت مؤخراً في الاتحاد السوفييتي وعرضت نتائجها في
المؤتمر الذي خصص عن النيوترينو والذي عقد في 1980، في ولاية فلوريدا
بالولايات المتحدة ، هذه التجارب اعتمدت في الأساس على دراسة عملية تلاشي
نواة التريتيوم()،
الموجودة في جزيء الحامض الأميني فالين
(C5 H11 NO2)،
قد عرضت اثنتان من ذرات الهيدروجين في هذا الجزيء بذرتين من التريتيوم. وتطرأ
بين الحين والآخر على أحد النيوترينين الموجودين في التريتيوم عملية تلاشي
بيتا حيث يطلق إلكتروناً ونيوترينو، هذا وقد أجريت قياسات دقيقة ذات حساسية
عليا على الإلكترون، بغرض استنتاج خواص النيوترينو المرافق والذي تصعب
مشاهدته، وتوصلت المجموعة السوفيتية التي ترأسها دكتور أوليج إيجوروف في
المؤتمر المشار إليه إلى تحديد كتلة النيوترينو بحوالي 35 إلكترون فولت().
وقد توصل لنفس النتيجة العالم الكندي دكتور جون سيمبسون بعد تجارب اعتمدت على
تكنيك آخر()،
وبهذا يمكن لإنسان القرن الحادي والعشرين تخيل أن أعداداً هائلة من
النيوترينوات ذات الكتلة، كفيلة بخلق كتلة حقيقية خاصة بعد ثبوت أنها تحتفظ
فعلياً بكتلة، بل أكثر من هذا يمكنها توفير كتلة تعمل على تغيير الترابط
الجاذب لمجرات الكون.
كان هذا في مجال الكتلة والطاقة فماذا عن الشكل؟
وبالإضافة لما جاء عرضاً فيما سبق خاصاً بالشكل نضيف أن مفهوم الشكل يظهر
هُلامياً أمامنا ولا يعبر عن حقيقة موضوعية يمكن اختبار درجاتها بالعلم
التجريبي فمثلاً تتكون الذرة من شكل خارجي يعطيها اسم الذرة، لكنها تنطوي
داخلياً على ما يكون تشكيلها منقول أن هناك النواة والبروتون والنيترون....
إلخ، والتعامل معهما في هذه الحالة يتم بفهمنا لكل عنصر على حده، وبفهمنا
لطبيعة الذرة على المستوى الطبيعي، إلا أننا بإطلاق "الشكل"
على هذه المستويات جميعها، نخلط بين هذه المستويات ونغض النظر عن التمايز
الحاصل بينها والذي عن طريقه استطعنا أن نتعامل مع الظاهرة على المستوى
التجريبي العلمي، "فالشكل" في هذه الحالة يبدو وكأننا قد صممنا على التراجع
بالتطور العلمي القهقرى وذلك كما أسلفنا لاستحالة التجريب، صحيح أن النقري
يُقدم تفسيراً لأن يحتمل الشكل ما هو داخلي وخارجي، كالتفاحة التي قدم لونها
الأحمر من الخارج والأبيض من الداخل على أن كمية الضوء هي التي تغير من
اللونين.
هذا التفسير يمكن قبوله ميتافيزيقياً، إلا أنه يفقد أهم ما يستند عليه العلم
التجريبي وهو التحديد الدقيق الذي يمكننا من الوزن والقياس والتحكم الدقيق في
الظاهرة موضع البحث.
وعلى هذا فاعتبار القيمة والحجم وما إليهما من العلاقات هي تعبير عن الشكل،
نقول يمكننا القول بهذا، إلا أننا سنقول ذلك وينبغي أن نضحي في نفس الوقت
بالعلم الذي يستند أساساً على التصنيف، فحينما نقول مثلاً عن الوزن أنه شكل،
فنكون قد حولنا المصطلح العلمي وزن إلى مصطلح آخر تمتنع معه التجربة العلمية،
وإذا حولنا المصطلح حجم إلى الشكل فنكون أيضاً قد حرمنا الظاهرة مما يعطيها
مسوغاً علمياً عند التجربة، لأننا لن نفرق في الشكل إذا ما كان مكوناً من
حديد أو قطن أو أية خامات أخرى، مقولة الشكل إذاً ليست علمية، بل وتفرغ
المصطلحات العلمية من أهم مضامينها التي أتاحت لها من قبل الفرصة في الاختبار
التجريبي.
فالشكل مقولة غير علمية من حيث أنها لا تقدم شيئاً محدداً يمكن تجريبه علمياً
وهي في نفس الوقت لم تستطع أن تحل إشكال الكون بل على العكس قد أجلت حل
المشكلة لما شاء الله.
تلك هي بعض التساؤلات القليلة التي وجدنا أنفسنا إزاءها عند مناقشة كتابات
النقري،
وهي في حاجة إلى إجابات واضحة ومحددة، تستطيع أن تجيب وبعمق على ما أثرناه من
مشكلات عديدة.
ومرة أخرى هذا لا ينفي أهمية الموضوع المطروق من جانب
النقري،
خاصة وهو يحاول تقديم منهج وبناء ضخم، ولا تسلم مثل هذه الطموحات من النقد،
والنقد العنيف.
000000000000000000000000000
ملاحظة ثانية من ادارة الموقع :
يجدر الانتباه الى كون "أنور مغيث" اصبح
أيضا دكتور واستاذا للفلسفة في جامعة حلوان – ويلعب دورا قياديا في حزب
التجمع الديموقراطي في مصر
ملاحظة رابعة من ادارة الموقع :
يجدر الانتباه الى كون مستندات المقال غن
موضوعات الكتلة والطاقة كلها خاطئة لمن يعرف ابسط قواعد النسبية
وقد سبق وبرع في نشرمثل هذه
المغاطات بشكل مقصود روجيه غارودي لنيل شهادة الدكتوراه دولة في
الفلسفة من موسكو عام 1956 وقد اعتذر عنها بعد عام فقط , كما كرر
اعتذاره أما رائق اثناء مناقشته لاطروحاته في التفرير الرسمي , الذي
قدمه لدعم نيل الدكتور النقري لشهادة دكتورة دولة من جامعة باريس
يرحى العودة الى
تقرير الفيلسوف روجيه غارودي في الرابط التالي:
http://www.damascusschool.com/page/0_1.htm
|