|
الاسلام السياسي بين الفصام و الحيوية -(1)1
د حمزة رستناوي :
(كلنا شركاء ) 26/5/2006
إذا كان الإسلام هو طريقة تشكل لأفكار و مشاعر و مواقف و مصالح عبر صيرورة
تاريخية مستمرة إلى الآن ، و إذا كان الإسلام فاعلا و مؤثرا في حاضر العرب و
المسلمين و البشرية، و إذا كان الإسلام , أو بالأحرى طريقة نظر المسلمين إلى
أنفسهم و الآخرين، مؤثرا في صياغة مستقبلهم, و تحديد التوازنات المتحكمة في
مصيرنا في عصر العولمة و الحرب الشاملة على الإرهاب.
فلماذا نبخس الإسلام حقه, و نكتفي بالتعصب معه أو ضده؟!
هل الإسلام السياسي بمثابة انحراف عن الإسلام النبوي كما يزعم غالبية
المثقفين العرب من قومين و يساريين و ليبراليين؟
أم أن الإسلام السياسي- تحديدا- هو الإسلام الأكثر ظهورا، و المؤهل لكي يلعب
دورا مهما في صناعة المستقبل للشعوب العربية و الإسلامية، بغض النظر عن طبيعة
هذا الدور ايجابيا كان أم سلبيا؟
إنَّ تاريخ المجد العربي يرتبط بالإسلام، و وحدة الجماعة ترتبط بالخلافة
الإسلامية ، فالإمبراطورية العثمانية رغم تخلفها و استبدادها، كانت تحقق الحد
الأدنى من التوحيد و الحضور على المسرح الكوني .
و التفاعل الخلاق بين الإسلام و الثقافات المجاورة هيأ لظهور الخصب الحضاري
العربي اليتيم، فأسماء شوارعنا و حدائقنا و أسماء أبنائنا و ماركات بضائعنا
تنتمي إلى تلك الحقبة الفردوسية الخصيبة.
فلماذا لا نعيد اتصالنا مع هذا التراث بوصفه تراثنا؟!
و لكن الإسلام السياسي يشكو من اعتلالات و تأثيرات جانبية ليست طفيفة، بل قد
تكون كارثية ؟
ترى كيف تعامل الإسلام السياسي مع الأقليات الإسلامية و غير الإسلامية
ألم يحرض على الحروب الأهلية و الطائفية القذرة في أكثر من بلد عربي؟!
وكيف تعامل الإسلام السياسي مع الأنظمة الاستبدادية؟
ألم يتحالف معها في السودان " النميري" و مصر " السادات" و أفغانستان، و دخل
أحيانا أخرى في صراع دموي معها، صراع دفعت ثمنه أولا و أخيرا المجتمعات و
الناس البسطاء؟
كيف تعامل الإسلام السياسي مع الغرب، و هل النظر إلى الآخرين من خلال عقيدة
الولاء و البراء و منطق الكفر و الإيمان، يصلح ،و قابل للحياة؟
و كيف تعامل الإسلام السياسي مع مفهوم الحرية، و القيم المنبثقة عنه من
ديمقراطية و حقوق إنسان و حرية التعبير و حقوق المرأة و حق الاعتقاد؟!
و هل من بدائل فاعلة للإسلام السياسي؟!
و هل يشكل الإسلام السياسي خيارا يستحق الاهتمام؟!
و هل ثمة خيار خارج إطار المنهجية الغربية ، خارج الماركسية و القومية و
الليبرالية و البنيوية و الوجودية و الوضعية و الفرويدية...الخ
و هل استطاعت هذه المناهج أن تتحول إلى وعي نقدي سياسي جماهيري، أم أنَّ
معظمها باستثناء الماركسية و القومية و الليبرالية لا تكترث أساسا بالسياسي؟!
ما علاقة الإسلام السياسي بالإسلام؟
المثقفون الحداثيون يقولون : الإسلام السياسي بدعة من بدع العصر،
و ما كان ليزدهر و يفرِّخ خارج الحاضنة الغربية،
و سيقولون أن الإسلام السياسي هو استيلاء على الإسلام، و القضية بما فيها
أنَّ هناك متعصبين يستغلون العاطفة الدينية لتحقيق مآربهم الخاصة و المشبوهة؟
و لكن هل هناك إسلام منزوع السياسة؟
إسلام على الطراز المسيحي أو البوذي؟!
و إن وجد هذا الإسلام ما هو رصيده، و هل يحمل إمكانات مستقبلية تستحق
المراهنة؟
بعد كل هذه التساؤلات
كيف نخلص الإسلام السياسي من التأثيرات الجانبية الضارة و ربما القاتلة؟!
و نستثمر هذه الحالة، حيث أن تربته موجودة في مجتمعنا، و بذوره حاضرة لم تغب
لنستجلبها أصلاً.
كيف نحافظ على موضوع و شكل الإسلام السياسي و نفكك جوهر الذات العصابيَّة
المحتواة فيه ، و كيف نحل التناقض بين الشكل و الجوهر، الشكل الحضاري و
الجوهر التعصبي؟
الإسلام طريقة تشكل لأفكار و مشاعر و مواقف و مصالح عبر صيرورة تاريخية و
احتمالية.
طرق التشكل المختلفة و التعبيرات الملازمة لها على مدى القرن العشرين و حتى
الآن تعاني من خطأ جسيم، و اضطراب على أرضية مزمنة، جعلت من العرب و المسلمين
-أفراداً و جماعات- عاجزين عن إرادة شؤونهم و القيام بواجباتهم، و تحمُّل
مسؤولياتهم.
إننا أمام حالة فصام عن الواقع و تفكك بين مختلف مقومات هذه الشخصية
الإسلامية، فهناك توهمات و أفكار نحتضنها بحرارة و نجزم بصحتها و يقينيتها
رغم انحطاطها إلى مستوى التفاهة و إعاقتها الخطيرة لتكيف الفرد و الجماعة، و
قياساً على الفصام النفسي ، يمكن حصر هذه التوهمات في سبعة عناوين
توهمات الخطيئة:
لقد ارتكبنا إثماً بابتعادنا عن الإسلام النبوي و عن شريعة الله و سنة النبي
و سيرة الصحابة " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " ، و تخاذلنا عن
نصرة النبي ، أو تخاذلنا عن نصرة الحسين عند الأخوة في الطائفة الشيعية، أو
تخاذلنا عن نصرة فلسطين و العراق عند الأخوة في الطائفة القومية
الوساوس
هناك خراب وكوارث وشيكة ستصيبنا، سواء أكانت كوارثاً طبيعية ً" زلازل و
براكين و أعاصير و أوبئة" أو بتسلط قوى الهيمنة علينا، و يكمن ذلك الوسواس
بهاجس العدو الخارجي، و حضوره الدائم كجزء من آلية تفكيرنا.....
أنا مراقب دائما" الجدران لها آذان" و هناك من يتحين الفرصة للإيقاع بي و
الوشاية بي ،هاتفي تحركاتي مراقبة، يجب أن لا أثق بالآخرين .فيعيش الفرد و
الجماعة هاجس القلق الدائم و عدم الآمان مما يؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض
المر دودية الفكرية و الإنتاج الاقتصادي
توهمات العدمية
نحن حثالة الأمم، نحن أهون الناس، نحن الأكثر تخلفاً على الصعيد المعرفي و
الاقتصادي و السياسي، نحن لا شيء..." العرب جرب" و كأن جوهر العربي و المسلم
لا يقبل التغيير و التطوير؟!
توهمات الاضطهاد
الآخرون المختلفون عن ديني و طائفتي و عرقي من صهاينة و أمريكان و فرس و
أوربيين ، و المتواطئين معهم من الأقليات ، كلهم يضطهدونني.
فقط لأنني مسلم، و يريدون أن يطفئوا نوري، فالسلطة تضطهدني، و الأغلبية تضطهد
الأقلية ، و الأقلية ترد الاضطهاد باضطهاد مضاد، الكل يضطهد الكل
الرجل يضطهد المرأة، و البالغ يضطهد الطفل، و الغني يضطهد الفقير .الخ
توهمات الإسناد
العالم بأبواقه الإعلامية، يشوه صورتي كعربي و كمسلم، و دائما أنا محور
أحاديثهم و مؤامراتهم...
الناس يغتابونني و يكيدون لي، فقط لما أنعم الله عليَّ، و يتحينون الفرصة
للقضاء على سلطتي و أملاكي...
توهمات التأثير
الأعداء يجتاحون مجتمعاتنا ،و يجهزون الأساطيل من المستشرقين و مراكز البحوث
و المتأمركين من المثقفين العرب ،لغزو ثقافتنا و تدمير عقيدتنا، و نحن لا حول
لنا و لا قوة.
نحن ممثلين في مسرحية، ساحة المنصة فيها بلادنا و أرضنا،و الممثلين فيها
حكامنا ، و المخرج دائما يدير الأحداث من خاف الستار و من وراء البحار
توهمات العظمة
نحن أمة فذة ، نحن العرب و المسلمون أمة استثنائية، أنيط لها أن تنقذ البشرية
و تصلح الفساد الذي غمر الأرض،وكما أخرج الإسلام العرب و البشرية من الجاهلية
و الضلال إلى النور و الحضارة في زمن مضى، نستطيع نحن كذلك إنقاذ البشرية من
الفساد و الفجور و التلوث و الإباحية و الامبريالية و المادية...فنحن خير أمة
أخرجت للناس"....
أنا زعيم هذه الأمة، أنا ظاهرة فريدة في السياسة،أستطيع إيصال هذه الأمة إلى
شاطئ الأمان و المجد، و لكن على الشعب و الرعية أن يعترفوا بعظمتي، و يقدروني
حق قدري ، و لو أنهم فعلوا لأصبحنا أسياد العالم.....
أنا على صواب و الآخرون على باطل....
أنا جيد و أنا الأفضل و الآخرون سيئين...
أنا من يحبُّه الله، و أنا من اختاره الله إلى جانبه، و الآخرون غضب الله
عليهم لأنهم لم يؤمنوا بعقيدتي و أفكاري...
أنا من الفرقة الناجية و الآخرون في ضلال مبين...
أليست هذه التوهمات في جوهرها ، سوى إخراج منمق لآليات الأنا الدفاعية
للجماعة، و التي تهدف إلى إبعاد اللوم عن الذات و إسقاطه على سواها .
و بالمقابل و أمام هذا الكم الهائل من التوهمات و الفصام عن الواقع و
الاضطراب السياسي و الاجتماعي و الثقافي، ألسنا نحن العرب و المسلمون مؤهلين
لو قمنا بتفعيل طاقاتنا و إعادة تشكيلنا للإسلام و منظومته الفكرية، ألسنا
مؤهلين للعب دور دوله عظمى....
ماذا ينقصنا؟!
لدينا البترول و الموقع الاستراتيجي و الكتلة السكانية
و لدينا الكثير من الخبرات و التقنية و الإبداع ، و لكنها طاقات مهجَّرة و
مغتربة؟
ألا يمكن استردادهم و الاستفادة منهم
ماذا ينقصنا؟
لا ينقصنا سوى العقل، و التخلي عن التفكير الزوري؟!
يجب أن نكف عن تفصيل العالم على مقاسنا، و يجب أن نتأقلم مع العالم، و نتخلى
عن توهمات الحقيقة المُستملكة، فلسان حال المنطق الزوري يقول :
أنا عربي أنا مسلم ،
أنا عظيم ، و لكن الناس لا يعلمون أنني عظيم
الناس يخطئون ، و عليَّ أن أصحح لهم مسار حياتهم و أهديهم إلى جادة الصواب
أنا مسلم أنتمي إلى الحقيقة السماوية الوحيدة في تاريخ البشرية، الحقيقة
الوحيدة التي لم تمسها يد المزوِّرين، فالله قد وعدني بالنصر ووراثة الأرض ،
و إذا لم يتحقق هذا في حياتي، فبالتأكيد سيتحقق لأبنائي.
فالعقيدة الإسلامية وفق المنطق الزَوَري هذا ، ايدولوجيا تضحي بالإنسان في
سبيل الأفكار، إيديولوجيا مسلحة بسلطة النصوص المُستملكة من قبل رجال الدين و
السلطة الزمنية ,
|