|
رد الرستناوي على البرازي مقالات 1+ 2+3
يمكن الرد عليها من خلال النافذه المفتوحه للحوار في:
http://damascusschool.wordpress.com/
المقال الأول
ا
مملكة الجوهر القومي الأفلاطوني ؟ و جمهورية الشكل الحيوي
د.حمزة رستناوي : ( كلنا شركاء ) 22/7/2008
بداية أشكر المفكر القومي فائز البرازي لمشاركاته النقدية المتتالية لمدرسة
دمشق للمنطق الحيوي .. ومن المؤكد - لنا معا- أن غاية الحوار العلني في نشرة
"كلنا شركاء" هو مخاطبة النخبة السورية أولا .. للمشاركة معنا في توليد
الأفكار الجديدة و اختبار الأفكار القديمة بما يغني التجربة الفكرية و
السياسية .. التي تعاني من استعصاء واضح محليا و إقليميا وعالميا
وتعاني منها مختلف التيارات التي تتحوى مصالح جوهر ثابت أحادي نظريا أو عمليا
و من أجل تيسير هذا الحوار سأقدمه على عدة حلقات لتسهيل الاطلاع والمراجعة
أولا ً : حول الصراع , و جمهورية أفلاطون
لعله , من المفيد بداية التذكير بما قاله الأستاذ البرازي : اقتباس " أن
الكون قد أقام عمارته الله ، على أساس الصراع والتناقض .. لأن الصراع
والتناقض هو ( المحفز ) لاستمرارية الكون والإنسان ، في مواجهة الهمود
والسكينة والتطابق . – تجاذب السالب والموجب .. وتنافر السالب والسالب ،
الموجب والموجب " انتهاء الاقتباس
أقول إن المنطق الحيوي يتفهم وجود و ضرورة الصراع , و صلاحية المصالح التي
يعرضها , فالصراع ليس بالأهم أو الهامشي , بل هو قيمة جبرية من قيم محتواة في
مربع المصالح:
توحيد صراع
تعاون عزلة
فالزعم أن العالم يقوم على الصراع هو تعبير غير دقيق , فالعالم و الوجود هو
شكل /طريقة تشكل, يرتبط بمصالح و صلاحيات متعددة
الصراع قد يكون ذو صلاحية حيوية و ينتهي إلى التوحيد أو التعاون كشأن الحرب
الأهلية الأمريكية , و شأن الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي و المعسكر
الغربي و قيام الاتحاد الأوربي و توحيد ألمانيا
و قد يكون الصراع ذو صلاحية متدنية و مهدرة لحيوية المجتمعات كالصراع السني
الشيعي, و الصراع العربي الكردي, و الصراع الهندي الباكستاني , و الصراع بين
القبائل الأفغانية و الصراع العائلي في قريتي ..الخ.
فالصراع يعيد إنتاج الصراع ضمن دارة مغلقة, أو قد ينتهي الصراع إلى العزلة و
اليأس و السلبية , فالوجود لا يقوم على الصراع " الديالكتيك فقط " و صراع
الأضداد !
1. فما هو ضد الجذور ؟ هل هو الساق أم الأغصان أم الثمار؟
2. و ما هو ضد التفاح ؟ هل هو البرتقال أم الموز أم السفرجل ؟
3. و ما هو ضد الإسلام ؟ هل هي المسيحية أو اليهودية أو الإلحاد أم البوذية ؟
4. و هل صحيح أن الروح ضد الجسد؟ و هي في صراع أبدي معه ؟
فالذي يحدد صلاحية الصراع هو مقايسة الجذور المنطقية للمصالح المعروضة
فالصراع الذي ينضح من جذور منطق الجوهر " الكلي أم الجزئي " من شأنه إعادة
إنتاج الصراع .
أما الصراع الذي ينضح من جذور منطق الشكل " الكلي أم الجزئي" من شأنه حلحلة
الصراع و الاتفاق على صيغة توحيدية أو تعاونية ؟
و للاستزادة في فهم ذلك يمكن مراجعة خاتمة كتاب " أضاحي منطق الجوهر " قيد
النشر .
يتساءل الأستاذ البرازي : اقتباس " لِمَ وخلال أكثر من ثمانين ألف عام – عمر
الإنسان الافتراضي – لم تتحقق تلك المصالح الإيجابية وتستقر البشرية ضمن وحدة
مربع المصالح ؟ إلا بسبب وجود العنصر النافي / الجوهري .." انتهاء الاقتباس
و هو يطالب د رائق النقري ب : الاقتباس " إقناع الصهيونية العالمية ، ودول
الثماني الكبار ، بمنطقه الحيوي . و سأؤمن تماما " بدولة العولمة الحيوية " .
إذ من اللا جدوى أن يحاول إقناع المظلوم ، المُستَغل ، الرازح تحت الاحتلال
والقهر والقتل والفقر و الاستغلال والنفي .. بأن يقتنع بجدوى منطقه الحيوي
أولا .. " انتهاء الاقتباس
أقول : إن عدم تحقق المصالح الحيوية و هيمنة العنصر النافي الجوهري خلال
تاريخ البشرية الطويل يجب أن لا يقلل من حماسنا و عملنا – على الأقل على
الصعيد النظري- لإدانة هذا الجوهر العنصري النافي , و لا أقصد بالإدانة الشتم
و الرفض البلاغي الشعري
و لكن منطق الجوهر العنصري النافي و تحوياته العملية , تراجع و بشكل نسبي منذ
ما يزيد على النصف قرن , لصالح مفهوم الشكل الحيوي
و يعود ذلك إلى :
أولا ً: امتلاك الإنسان للقنبلة النووية و أسلحة التدمير الشامل , حيث أن
المجازفة باستخدامها بغية نفي الآخر, سيؤدي و لأول مرة ربما, إلى فناء
البشرية و هذا ما منع الحرب الباردة من التحول إلى حرب ساخنة لا تبقي و لا
تذر
و ثانيا ً : ثورة المعلومات و الاتصالات التي سرعت من إمكانية التواصل البشري
و بالتالي اقتراب الناس من مصالحهم و مناقشتها و التعرف على الآخر و النماذج
الأخرى من تجارب سياسية و اقتصادية و اجتماعية, و ضعف سيطرة الدولة باتجاه
فضاء العولمة – و هذا الفضاء ليس بالضرورة أن يكون إنساني حيوي بل قد تكون
باتجاه عولمة امبريالية متوحشة!
و للتدليل على التراجع النسبي لمنطق الجوهر العنصري النافي, يمكن ذكر بعض
الشواهد :
1- خلال ما يزيد عن نصف قرن لم تقم في أوربا – باستثناء البلقان – حرب واحدة
, إذا أخذنا بعين الاعتبار التاريخ الطويل من الحروب بين الأوربيين " حروب
نابليون – الحرب العالمية الأولى – عالمية ثانية ..الخ"
2- القضاء على ظاهرة العبودية حول العالم بشكلها القانوني المُشرعن
3- انتشار ثقافة حقوق الإنسان , و قيام منظمات دولية و محلية تعنى بشأن حقوق
الإنسان و فضح الانتهاكات و جعلها نصوصا ً و لوائحا ً قانونية ملزمة
4- تزايد الوعي و وضع قوانين ملزمة حول قضية التلوث البيئي و تقليل انبعاث
الغازات السامة..الخ
5- انحسار الأنظمة الديكتاتورية في بقع عديدة من العالم لصالح وجود أنظمة
ديمقراطية أقل سوءاً.
إن المَعني بكشف تحوّيات منطق الجوهر العنصري النافي , و قلة صلاحيته ليس
الصهيونية العالمية و الدول الثماني الكبار فقط
بل أولا ً و أساسا ً ضحايا منطق الجوهر من بلدان العالم المتخلفة , و على رأس
القائمة المجتمعات العربية و الإسلامية دولا ً و مجتمعات و قوى سياسية و
مثقفين ..الخ
لا أنكر دور الصهيونية العالمية و القوى الامبريالية في استثمار قصور هذه
الدول و المجتمعات بغية استغلالها و الهيمنة عليها , و لكن هذا القصور هو
أولا ً و أساسا ً قصور ذاتي و هو ظاهرة معقدة
فما زال منطق الجوهر النافي العنصري مهيمن و مسيطر في المجتمعات العربية و
الإسلامية سواءا أكان جوهرا ً دينيا ً أم طائفيا ً أم قوميا ً أم عشائريا ً
أم مناطقيا ً أم عائليا ً أم ذكوريا ً أم ليبراليا ً ..الخ
فما زال منطق الجوهر يتكاثر في العائلة والشارع و الجامعة و المؤسسة و الحزب
و السلطة
و من ثم يساهم بتدني المنسوب الحيوي لهذه المجتمعات و دخولها في حلقات متكررة
من الفوضى و الاستبداد و الاحتلال و الحروب الأهلية .
- ألم تقم الحرب العراقية الإيرانية على مبدأ النفي" القومي – المذهبي"
- هل الجيوش التي اجتاحت الكويت هي جيوش أمريكية و لوكسنبرغية؟
- أم أنها جيش عربي عراقي مسلم بجنوده و قياداته العسكرية و السياسية
- هل كفت القبائل الأفغانية عقب جلاء القوات السوفيتية عن الاقتتال فيما
بينها ؟
- أم أنها توّجت هذا الاقتتال بتنصيب نظام طالبان الشمولي , و من ثم تيسير
الاحتلال الأمريكي
- هل ما يجري في السودان و ما جرى في الصومال, إلا حصيلة لوجود مجتمعات هشّة
تؤمن بعقلية الجوهر النافي القبلي أو العرقي أو الديني
إن افتقاد مجتمعاتنا إلى المناعة الذاتية ,سهّل و يسهل و سيسهل طريق الغزاة
نحن يا صديقي فائز – نحن المتخلفون الضحايا , أصحاب المصلحة الحقيقية في تبني
منطق الشكل الحيوي , هذا المنطق الذي يكشف ازدواجية المعايير و سائر
تحوّياتها من الظلم و الاستبداد و الاحتلال و الاستغلال
و أما في الغرب فهناك قوى حيوية نجحت إلى حد كبير في تقليص فاعلية منطق
الجوهر النافي – على الأقل فيما بينهم.
المنطق الحيوي ليس ضد أحد, باستثناء من يبرر و يروج للظلم و ازدواجية
المعايير
المنطق الحيوي يتفهم القومية و الدين و سائر التحوّيات الفكرية و السياسية
الأخرى فليست الحيوية بفريق سياسي أحادي أو فريق فكري إقصائي يلغي الآخر ..
ولكنه في المقابل ليس من قبيل المجاملات الكاذبة , و توافقات أبو الزلف
اللبنانية الطائفية ..
المنطق الحيوي هو دعوة برهانيه للاحتكام إلى البداهة الكلية للمصالح المشتركة
المنطق الحيوي يقدم خدمة لمستخدميه في كشف العنصرية و ازدواجية المعايير
فالقومي العربي يبقي قومياً, و لكن بفهم جديد للقومية
و كذلك المسلم و كذلك الماركسي و كذلك الليبرالي ..الخ
إنه ليس طرف في خصومة إلا بمقدار ما يكشف و يعري و يجعل الناس يستبصرون
ذواتهم و مصالحهم كأفراد و مجتمعات .
ومن المستغرب حقا أن الأستاذ البرازي ينتقد المنطق الحيوي في أوضح وأفضل ما
فيه حيث يقول :
اقتباس :"يصحح لي الصديق العزيز / د. رائق النقري / بأنه لا ينفي وجود الصراع
و استمراريته ، بل أن المشكلات وعوامل النفي تُحَل : [ بمنطق عالمي بدهي
بدلالة المصالح المشتركة . توحيدي بدلالة التنوع . احتوائي بدلالة الشفافية .
تجديدي بدلالة الإبداع . يؤسس لمصالح عقدية فئوية لتحوي متطلبات " دولة
العولمة الحيوية "] .. هذا هو المنطق الحيوي .. انتهاء الاقتباس
ترى؟ ما الذي يضر الفكر القومي العربي عامة , و المفكر القومي "البرازي"
بصورة خاصة ؟ السعي إلى تحقيق المجتمع الحيوي بدءا ً من:
- بناء الوحدة العربية بدلالة التنوع .
- احتواء إشكالاتها المحلية و الاقليميه و العالمية بدلالة الشفافية ..
- تجديد مصادر وآفاق المصالح العربية و الاسلاميه بدلالة الإبداع ... وليس
الموتى؟
- رفع سقف المعاصرة العربية و الإسلامية بدلالة معطيات العصر ومخاطر المستقبل
,
- تطوير صلاحيات المصالح العقدية الفئوية العربية و الاسلاميه لتحوي متطلبات
" دول العولمة الحيوية" بدلالة حقوق الإنسان والشعوب , و البيئة..
في الواقع هو يؤيد ذلك , ولكنه اشترط منح هذا التأييد بطلب غريب جدا ؟؟ حتى
لا تقول مضحك؟؟ :
اقتباس من نص البرازي :"• ومهما كان هذا النص مثاليا ً يعود بنا بدءا ً من :
جمهورية أفلاطون بكل صراعاتها التحت نصية ، إلى : عودة المسيح وإقامة دولة
العدل على الأرض ، إلى ظهور المهدي المنتظر .. ، فإنني أؤيده إن استطاع :
إقناع الصهيونية العالمية ، ودول الثماني الكبار ، بمنطقه الحيوي . و سأؤمن
تماما ً " بدولة العولمة الحيوية " . إذ من اللا جدوى أن يحاول إقناع المظلوم
، المُستَغل ، الرازح تحت الاحتلال والقهر والقتل والفقر و الاستغلال والنفي
.. بأن يقتنع بجدوى منطقه الحيوي أولا ..
إقناعهم بأن الصراع لا يجب أن يكون نافيا ً للآخر و عنصريا ً ، بل عليهم
التعامل بمنطوق حل الصراع بدلالات " المصالح المشتركة " !! انتهاء الاقتباس
ترى ؟ لماذا لا يطلب ذلك من نفسه ولنفسه, ولمجتمعه أولا ً ؟
ثم هل تحقيق مثل تلك الطلبات هي مسؤولية الصهيونية ؟
بدون شك تتحمل قوى الهيمنة الدولية مسؤولية كبرى في قصورنا .. وعليهم
المساعدة .. ولكن لماذا نتوقع ذلك منهم قبل أن نقوم بما علينا ؟؟
ثم هل لنا تذكير الأستاذ البرازي أن الجوهر القومي هو جوهر أفلاطوني مثالي
خالد وما نحن إلا ظلال باهته له ؟؟
أما المنطق الحيوي يقول إن المصالح القومية هي طريقة تشكل مرهونة بحيوية من
يناضل بعيدا عن الأصنام التي حطمتها الثورة الإسلامية بقيادة النبي محمد ..
ومنها أصنام ازدواجية المعايير ..
ترى ؟ هل كان على الثورة الإسلامية مطالبة المجتمعات غير العربية بالتخلي عن
الأصنام حتى تتخلى هي عنها ؟
وهل كان على الثورة الفرنسية أن تتخلى عن الجمهورية , حتى تتخلى الأنظمة
الملكية عن ملوكها؟
أم أن الأستاذ البرازي سيطلب من العرب عدم تطوير أنظمتهم التعليمية و
الثقافية و السياسية مثلا ً حتى تقوم بذلك الصهيونية ..
أنني فعلا لم أصدق أن ذلك الاعتراض يمكن أن يصدر عن مفكر مثله..ألا إذا كان
عنده ما يوضح اللبس؟؟
المقال الثاني
|
مملكة الجوهر
القومي الأفلاطوني ؟ و جمهورية الشكل الحيوي ( 2 / 3 )
د.حمزة رستناوي: ( كلنا شركاء ) 25/7/2008
نتابع في هذه المقال الرد على المفكر القومي فائز البرازي حول مقاربة
الفكر القومي العربي, و هو موضوع لم يكن مطروحا بالأساس للبحث في المقالة
أو الكتاب " أضاحي منطق الجوهر" وهو تطبيق قياسات المنطق الحيوي على
عينات من الخطاب الإسلامي المعاصر
و لكن الأستاذ البرازي تناوله في رده.. ولذلك لا بأس من التوقف عند هذه
النقطة
ثانيا ً: العقيدة القومية العربية شكل, العقيدة
القومية العربية مصلحة
سوف أنطلق من مقولة العقيدة شكل العقيدة مصلحة , و العقيدة تعبير يشمل
العقائد الدينية و غير الدينية , و كل ماله علاقة بالقداسة من أفكار و
تصورات و مشاعر و طقوس , بحيث يصح الكلام عن عقيدة قومية عربية
العقيدة القومية العربية شكل, أي أنها طريقة تشكل و صيرورة حركية
احتمالية نسبية , قابلة للتشكل وفق طرائق و مسارات و اشتقاقات متعددة
متفاوتة في صلاحياتها
- فهناك طريقة تشكل قومية ناصرية , و أخرى بعثية " عراق – سوريا"
- و هناك قومية عربية متصالحة مع الإسلام, و أخرى علمانوية ماركسية
- و هناك قومية عربية انقلابية ثورية عسكراتيرية , و هناك قومية
ديمقراطية
- و هناك قومية ساطع الحصري, تختلف عن قومية الأرسوزي,
- و هذه بدورها تختلف عن قومية عفلق, أو قسطنتين زريق, أو عصمت سيف
الدين, أو عزمي بشارة ..الخ
فالفكر القومي كعقيدة هو شكل قابل للتحوّي وفق طرائق تشكل مختلفة, و إن
كان البعد السياسي للتجربة القومية و المد القومي يرتبط أساسا ً بتجارب
عبد الناصر و صدام حسين و حافظ أسد, و هي طرائق تشكل يمكن دراستها وفق و
ضمن شروط الصيرورة التاريخية و الشرط السياسي و الاجتماعي و الإقليمي و
الدولي و الاقتصادي
و بالتالي فإن زعم الأستاذ البرازي بأن وجهة نظر المنطق الحيوي تجاه
القومية العربية غير دقيقة لا بل و خاطئة
لاحظ قوله:
" وببعض من الرؤية العامة للمنطق الحيوي ، فإنه يقوم ويستند فيما يستند
إليه على نقطتين تهمنا هنا :
1. حسمه الأساس لفرضية ( الجوهر القومي العنصري النافي ) .
2. حسمه الأساس لكون " الشكل " هو الشرط الحاكم الوحيد للمجرى الكوني .
وأن " الجوهر" يجب أن يتحوى ضمن الشكل "
ففي مقالتي و الكتاب بأسرة لم ترد كلمة قومية أو جوهر قومي عنصري نافي
و أعتقد أن هذا من آثار حوار طويل للسيد البرازي مع د. رائق النقري.
و لكن هذا لا يعني عدم وجود الجوهر القومي النافي العنصري, و لكن يعني
إمكانية وجود طرائق تشكل أخرى قد تكون مستقبلية للفكر القومي العربي.
ليست الفرضية الأساس في المنطق الحيوي هي " الجوهر القومي العنصري
النافي" بل إن أحد فرضياته هي " مقولة الجوهر العنصري النافي " و قد يكون
هذا الجوهر قومي عربي , أو قومي سوري , أو إسلامي, أو طائفي, أو ماركسي
,أو امبريالي, أو ذكوري أو صهيوني ...الخ
فالمنطق الحيوي لا يناصب الفكر القومي العداء لأنه فكر قومي ,و لا يؤيده
كذلكّ!
و لكنه يتفهم وجود فكر قومي وفق طرائق تشكل مختلفة منها الأكثر أو الأقل
صلاحية .
و لكن ما هي شروط و حيثيات توصيف الفكر القومي بأنه " الجوهر القومي
العنصري النافي "؟
و متى نطلق حكم وجود على مصالح فكر ما بأنه جوهر عنصري نافي؟
و هنا أحيل القارئ إلى هذا الاقتباس من مقدمة كتابي" أضاحي منطق الجوهر"
"و السؤال الذي يفرض نفسه : ما هو منطق الجوهر؟
للإجابة نقول :
أولا ً: هو المنطق الذي يدعى حقا ً لا يقبله لغيره ؟؟
ثانيا ً: و هو الذي يميز بين الكائنات, والناس تمييزا عنصريا ثابتا ..
وهو الذي يخول أصحابه ادعاء امتلاكهم للحقيقة المطلقة دون غيرهم؟
إن منطق الجوهر بادعائه الثبات فإنه ينافي البرهان.. فكل الكائنات تتغير,
وتتحرك.. فتظهر وتتنوع وتزول تبعا لطرائق تشكلها..
ثالثا ً: إن منطق الجوهر بادعائه التمايز الكلي , والنهائي بين البشر
ينافي البداهة, فالبشر جميعا من رحم واحد- و ليس المقصود هنا بالضرورة
المعنى العضوي لكلمة رحم؟
رابعا ً: :إن منطق الجوهر بادعائه التمايز العنصري بين البشر فإنه ينافي
الأخوة الإنسانية .
خامسا ً: إن منطق الجوهر بادعائه التمايز, يبرر ازدواجية المعايير ,
والعبودية .. و الاحتلال , والاستغلال, والاستبداد ..ويضحي بالحرية
بوصفها رمزا ً الكرامة الإنسانية .. وتعبيرا ً أسمى عن إرادة الحياة.."
و بوسع القارئ و الأستاذ البرازي – وفق هذه المعايير- الحكم على مصالح أي
فكر, هل هو جوهر عنصري نافي أم لا؟
و لا أعتقد أن مفكرا ً و مثقفا ً حرا ً و حقيقيا ً , يسوّغ أيا ً من
تبعات منطق الجوهر و تداعياته السلبية , و كل ظني أن الأستاذ البرازي
منهم
فالمنطق الحيوي يتيح إمكانية لتفهم الخطاب القومي العربي, و مقايسة
صلاحيته و حيويته بالاستناد إلى البداهة الكلية للمصالح المشتركة, بما
يسهم في تطويره, و إعادة تقيم التجربة النظرية و العملية السياسية
للقومية العربية .
• فتعريب أسماء المدن و الأمكنة هو ازدواجية معايير؟
• و التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء القومي هو ازدواجية معايير؟
• و فرض حضر على تعلم لغات القوميات الأخرى و الكتابة بها هو ازدواجية
معايير؟
• و عدم الالتزام باحترام حرية التعبير و انتهاك حقوق الإنسان هي
ازدواجية معايير ؟
• ولذلك , على المثقفين و المفكرين القوميين و الموالين للفكر القومي قبل
غيرهم , واجب أخلاقي و معرفي يلزمهم بإدانة سياسات التمييز التي تمارسها
و مارستها الأنظمة القومية الشمولية, و كل ظني أن الأستاذ البرازي سيكون
في عدادهم, و بذلك يثبت الفكر القومي جدارته و يكتسب مصداقية مفقودة منذ
زمن ليس بالقريب.
[السابق
|
مملكة الجوهر القومي
الأفلاطوني ؟ و جمهورية الشكل الحيوي ( 3 / 3 )المقال
الثالث
د حمزة رستناوي: ( كلنا شركاء ) 26/7/2008
نتابع في هذه المقال الرد على المفكر القومي فائز البرازي حول مفهوم الشكل
بالمقارنة مع المضمون الجوهراني الثابت الخالد أفلاطونيا و أرسطيا .. قوميا
ودينيا وماركسيا ..الخ
ومن المناسب التذكير هنا بأن قياس الجذور المنطقية لمصالح الشكل , والشكل
الجوهراني يؤلف خلفية قياسات مكعب المصالح التي سنتعرف عليها في كتاب لي تحت
الطبع بعنوان " أضاحي منطق الجوهر" وهو تطبيق قياسات المنطق الحيوي على عينات
من الخطاب الإسلامي المعاصر
ثالثا ً:
حول الشكل, المضمون , مفهوم الشكل
بداية : المنطق الحيوي لا ينفي وجود مضمون ؟ سواء أكان قابلا للرؤية أو لا
..؟ ولكن المنطق الحيوي, يعد منافيا للبرهان والبداهة القول بمضمون جوهراني
ثابت خالد؟ سواء أكان ماديا أو روحيا
كما أن المنطق الحيوي لا ينفي وجود مظهر يغطي مضامين معينه ؟ أو وجود قشره
تغلف مضامين محدده ..
ولكن المنطق الحيوي.. يعد منافيا للبرهان والبداهة القول بجوهر صوري ثابت
وقبل ذلك , المنطق الحيوي لا يرى المضمون , أو الشكل مجرد لب , أو قشرة, حسية
بالضرورة ؟؟ فالمضمون الفكري على سبيل المثال..ليس له رائحة؟؟
والشكل الرياضي ..ليس شيئا غير مضمونه ؟؟
إذا المضمون هو طريقة تشكل , والشكل أيضا هو طريقة تشكل
والشكل الحيوي يحتويهما معا
إذا إن القول بالشكل الحيوي لا يعني القول بالقشر , والقول بالمضمون الحيوي
يعي طريقة تحوي المصالح
ولذلك إذا وافقنا القول بداية: أن الكينونة المادية تتألف من شكل و مضمون ,
فهذا لا يعني أية جوهرانية ثابتة.. و المادة في أصغر جزئياتها ليس لها جوهر
أو مضمون مادي ثابت .؟ طالما أن الكتلة المادية قابلة للتحول إلى طاقه..
كما لا يجوز القول أن الشكل الطاقي هو شكل جوهراني ثابت ؟؟ طالما أن الشكل
الطاقي قابل أن يتحول إلى كتله ماديه..؟
وإذا صح القول أن كل شكل يتضمن مضمون.. فأنه يتوجب فهم المضمون نفسه بوصفه
طريقة تشكل
فشكل قطعة الجليد –على سبيل المثال - كما هو مضمونها المائي الجامد ليس جوهرا
ثابتا .. بل طرائق تشكل تتحوى تحولات جزئياتها الكيماوية و الفيزيائية بأشكال
مختلفة .. من شكل غازي إلى سائل ؟؟إلى جليد جامد
وهذه الأشكال المختلفة هي ما نعنيه بطريقة التشكل المائي..
و لذلك لا يصح القول أن كل شكل هو مظهر مرئي أو محسوس ..أو كتله .. فجزيئات
الماء من الأكسجين والهدروجين قابلة للتحول إلى ذرات أخرى.. ليسن أكسجينا ً
ولا هيدروجينا ً؟ فقط بتغيير صيغتها الذرية .. ؟؟ كما أنها قابلة للتحول إلى
طاقة حيث لا كتله .. بل أشكال موجية .. مضمونها هو شكلها .. ولا نقصد هنا
المضمون والشكل الرياضي فقط ؟؟

فالعلاقة بين الشكل و المضمون بالصورة التقليدية لا تعبّر عن مفهوم الشكل
الحيوي لكونه يحتويهما معا في علاقات معياريه يمكن قياسها من خلال مربع
المصالح ؟؟ وهو قياس غير ثنائي .. بل متعدد القيم الحيوية
ولذلك , لادعي للتحدث عن علاقة ثنائيه بين ما يسمى الشكل والمضمون ..
حيث أن كل شكل حولنا وفينا سواء أكان مرئيا أم غير مرئي , حسيا أم غير حسي ,
رياضيا أم غير رياضي , هو شكل يحوى شكلا ً ومُحتوى في شكل؟ بحسب حيوية كل
منها لتحويها لنفسها ولغيرها ..
ولا يجوز وصف هذه التحوّيات بكلمات حصرية أحاديه مثل الصراع, أو الجدل, أو
الاستعلاء ..أو الإخفاء .. أو التقليد .. التعاون , والتكامل , أو التوحيد,
أو الاحتواء الخ .. بل يجب استخدام القيم الحيوية الجبرية لمختلف صيغ مربع
المصالح الممكنة
ولهذا فأنا اعتقد أن الأستاذ البراري لم يطلع كفاية على حيثيات مفهوم الشكل
.. وإلا لما كان سيتوقف عند ما هو مشاهد في التجربة الفيزيائية .. ولا كان
سيتوقف عند تغير سلوك الإلكترونات أثناء قياس سرعتها
فالشكل ليس ما هو مشاهد فقط ؟؟ وليس ما هو قابل للقياس فقط ؟
بل الشكل هو أيضا مالا يشاهد ؟ ولا يوجد أيضا ..؟ فالعدم هو في المنطق الحيوي
شكل أيضا ؟؟
و لكن كيف يكون العدم شكلاً؟
إن الشكل ليس مظهرا ً بل هو حالة للوجود, فعدم وجود الكرسي , هو شكل نافي و
سلبي للكرسي و هو إمكانية وجود
و العدم في صيغته المجردة هو شكل
و إلا ما هو الصفر , و ما هي المجموعة الخالية في الرياضيات؟؟؟
و إذا كانت الأعداد مجرد أشكال, أليس الصفر عدد و من ثم شكل!
و لذلك فإن المنطق الحيوي يعلمنا عدم جدوى نقاش حول شكل بدون مضمون !
أو العكس .. بل يعلمنا كون المضمون هو أيضا طريقة تشكل وان كان ماديا أو
طاقيا ً , رياضيا أم منطقيا
والأستاذ البرازي- مع غيره - معذور في عدم الفهم لكون الموضوع تجريدي جدا
بالفعل ..
والعودة إلى التاريخ الفلسفي يمكنها أن تفيدنا :
فالهيولى الأرسطية , كما هي فكرة الأثير ؟؟ ليس لوجودها أي برهان .. أين هي
الهيولى؟؟ و أين هو الأثير ؟
أين مكانهما في المنظومة المعرفية للفيزياء الحديثة؟ فقد كانا مجرد افتراضات
بدول دليل؟؟ و هي كذلك الآن
و لادعي للقول بشكل بلا مضمون؟؟ بل القول بعدم وجود مضمون هو ليس طريقة تشكل
, وعدم ودود شكل هو ليس طريقة تشكل أيضا
مفهوم الشكل الحيوي هو مفهوم رياضي منطقي ويمكن تمثيله بأي طريقة تشكل
فيزيائيه أو ميتافيزيائية
ولذلك فحديث الأستاذ البرازي عن علاقة تبعية أحدهما إلى الآخر هو حديث عن
تمايز جوهراني بين طرائق التشكل.. وهو أمر ينافي البرهان والبداهة
وألا هل يستطيع أن يدلنا هو أو غيره عن مضمون هو ليس بطريقة تشكل حركي حيوي
احتمالي نسبي؟
وربما هنا يكمن سبب القصور في فهم الأستاذ البرازي لمفهوم الشكل الحيوي حيث
يصرح : الاقتباس " فالجوهر / المضمون هو الذي بدأ " بتشكيل الشكل " انتهاء
الاقتباس
ويحاول تبرير ذلك بلغه ثنائيه من قبيل القول بكونها:
الاقتباس " تكاملية - جدلية " انتهاء الاقتباس ؟؟؟
لماذا استبعد التحوّيات الأخرى؟
ولماذا, وهو المفكر القومي لم يقل أن الفكر القومي وهو طريقة تشكل مصالح
فئوية ليس لها مضمون فئوي واحد .. فقد تكون فئوية عربيه..؟؟ أو صهيونيه؟؟
لاحظ قوله :
" الشكل " لابد أن يكون مؤثرا ً في "الجوهر / المضمون " . وأن الجوهر لابد أن
يكون مؤثرا ً في الشكل . أي : حسب زعمي .. أنه هناك علاقة جدلية متبادلة بين
الشكل والجوهر ، خاصة مع إدخال ( عامل المشاهدة ) .. كيف ؟؟ لنأخذ الجسد
الإنساني مثلا .. " انتهى الاقتباس
هذه المقارنات الثنائية –ليست قاصرة وحسب - بل أيضا ليس لها علاقة بمفهوم
الشكل الحيوي لكونه يتحوّاهما معا , كلحظات في الصيرورة الحيوية – راجع كتاب
" المنطق الحيوي: عقل العقل " تأليف الدكتور رائق النقري
و هذا ما أحببت أن أوضحه للأستاذ البراري لاحظ لكي يعيد النظر في قوله :
الاقتباس " إلا أن الاختلاف يبدأ عند نقطة المواجهة بين الشكل والجوهر /
المضمون . وبالعموم فإن المنطق الحيوي لا يعتد كثيرا بالجوهر إلا بكونه جزءا
تابعا للشكل و سلبيا ً . وأكاد أرى في نقطة الاختلاف بيننا هنا ، تغييب للجدل
و للديالكتيك حسب ما أدّعي ." انتهاء الاقتباس
وذلك لكون مقولة مفهوم الشكل التي يقوم عليها المنطق الحيوي" الشكل الحيوي"
هي تجاوز لثنائية شكل /مضمون , إلى تعددية طرائق التشكل التي تبرهن الوحدة من
خلال التنوع .. ليس مجرد الثنائية ..
لاحظ ما ورد في مقالتي:" فالتطابق بين الكائنات مجرد وهم , و الاختلاف هو
بداهة وجودها كأشكال , لا نقصد بالشكل هنا نقيض المضمون أو الجوهر أو المادة,
بل نقصد مفهوم الشكل "
وهنا , قد يجوز أنّي أتحمل جزئيا ما يسبب الالتباس في فهم الشكل الحيوي..
لكون ما ورد في بداية عرضي لمفهوم الشكل ركز على الشكل الخارجي أكثر من طريقة
التشكل ..وهو أمر لم أقصد منه مخالفة ما يبرهنه المنطق الحيوي .. ويمكن
للأستاذ البرازي وغيره التأكد من بداهيته في نفسه ومحيطه ..؟ ولكن من أجل
الاستفادة من مفهوم الشكل التقليدي للوصول إلى مفهوم الشكل الحيوي
وسبب الالتباس ربما جاء في سياقين:
1- سياق تمهيدي لتذكير القارئ بأهمية الشكل مقابل هيمنة المضمون
2- شرعنة بداهة الاختلاف بين الكائنات و نفي التطابق بينها ,
وكان عليّ التركيز أكثر على أهمية تجاوز ثنائية شكل مضمون؟ و لماذا يجب أن
نتجاوز الصلاحيات المتدنية لهذه الثنائية ؟
أقول بداية إن النظر إلى الوجود عبر منظور الثنائيات هو أمر شائع و مهيمن في
التاريخ الإنساني, و هو منظور لا ينفي وجود مناظير أخرى للوجود و الأشياء
فالقول أن الكينونة تتألف من شكل و مضمون هو صحيح من زاوية معينة
و يحقق صلاحية معينة صلاحية توصيفية تعريفية تعليمية.
ولكن ما هو أصح القول بشكل حيوي يتحوى طرائق تشكل مختلفة حيث ظروفها
وحيثياتها متماثلة من حيث كونها طريقة تشكل و صيرورة حركية احتمالية نسبية
إن مفهوم الشكل الحيوي يعبر عن الوجود و الأشياء بأنها طريقة تشكل , أو عمران
و طريقة التشكل هذه صيرورة حركية احتمالية نسبية كما ذكرت.
و في مثال
الكتاب:
بدل من النظر إليه وفق منطق الثنائيات كشكل خارجي : غلاف و صفحات, و كمضمون :
أي موضوع الكتاب و ما يريد قوله .
يمكن النظر إلى الكتاب – وفق مفهوم الشكل الحيوي كطريقة تشكل مادية
" ورق – حبر – أبعاد – عدد الصفحات.."
و طريقة تشكل فكرية " كتاب رواية – شعر – فلسفة – فن الطبخ- و كذلك طبيعة ما
يريد قوله و الرسالة التي يقدمها,
و طريقة تشكل تجارية " دار نشر – توزيع – سعر – ترويج..الخ",
و طريقة تشكل اجتماعية " المثقف و عادات القراءة ,و ما يضيفه سلبا أم إيجابا
الكتاب للقارئ و المقتني"
و طريقة تشكل جمالية " طريقة إخراج الكتاب و لونه و طريقة عرضه.."
و طريقة تشكل ثبوتية " اسم الكاتب- تاريخ النشر – دار النشر – هل هو متوافر
أم أنه فقد أو أتلف" ..الخ
و المثال القصيدة الذي يعرضه البرازي عن الجسد يصلح كقرينة على ما قلته
" تقول الكنيسة : الجسد خطيئة .
يقول العلم : الجسد آلة .
تقول الإعلانات : الجسد مشروع تجاري .
يقول الجسد : أنا مهرجان .. " انتهى الاقتباس
فبلغة المنطق الحيوي الجسد طريقة تشكل مادية نفسية تجارية استعراضية اجتماعية
..الخ
رابعا ً: حول الجوهر و العرض, مفهوم الشكل
إذا كان الكرسي بدون إضافة هو شكل كرسي, فما الذي يجمع عموم الكراسي في
الوجود, بغض النظر عن مضمون و المادة التي صنع منها الكرسي؟
المنهج الأرسطي يخبرنا بأن الكرسي هو مقولة جوهر
و الكرسي له أعراض متغيرة و مختلفة فقد يكون خشبي حديدي بلاستيكي
و قد يكون صغير كبير , و قد يكون مريح مزعج , و قد يكون كرسي ملك أو كرسي حما
..الخ
إذن الجوهر هو الكرسي و هو ثابت, و بغض النضر عن الأعراض المتعلقة بالكرسي
فمقولة الجوهر " الكرسي" هي تجريد للشكل الخارجي , و هي استنبطت من الشكل
وليس من المضمون, فالكرسي هو كرسي بغض النظر عن مضمون أي مادة و أعراض
الكرسي.
إن مقولة الجوهر و في مثالنا هي مقولة غير حقيقية ,فلا وجود لكرسي على
الإطلاق في الوجود
و هي موجودة بمقدار ما يوجد رقم واحد مثلا ً
فرقم واحد قد يكون واحد تفاحة أو واحد إنسان أو واحد ملائكة ..الخ
و الكرسي قد يكون كرسيا ً خشبيا ً أو بلاستيكيا ً, أو كرسي ملك أو كرسي
حمام..الخ
إن مقولة الجوهر سواء أكانت كرسي أم الرقم واحد تستند إلى مرجعية افتراضية,
وليست تجريبية ..
و لكن حتى الآن ما المشكلة ؟
أتريد إلغاء كلمة كرسي من المعجم أم تريد التشكيك في علم الحساب؟؟؟؟
إن ثنائية جوهر /عرض ما هي إلا منظور لرؤية الموجودات مفيد في توصيفها و
يتمتع بصلاحية معينة
و لكنه منظور قائم على الثنائية , إنه يستقطب و يفرق بين شيء جوهري ثابت عالي
القيمة و بين أشياء عرضية متغيرة متبدلة قد تزول و لكن جوهر الكرسي لا يزول
و هذا إسقاط فكري لفكرة الفصل بين الجوهر /عرض
و كذلك إسقاط فكري يبرر تمايز الموجودات و توصيفاتها تمايزا تفضيليا ً على
أساس عرضيتها أو جوهريتها
فالجوهر الذي لا يتغير هو غير موجود إلا في ذهن من يراه هو , إنه في أحسن
الأحوال افتراضي.
باختصار مقولة الجوهر /عرض
هي أولا ً: مقولة تحليلية تقوم على فصل تعسفي بين جوهر الشيء و أوصافه؟
ثانيا : هي مقولة تميزية عنصرية, فالجوهر هو الأفضل و الأرقى و الثابت , و
دلالة الجوهر اللغوية من الجواهر و المجوهرات و هذه دلالات تفيد ذلك
أما العرض فهو الأدنى و المتغير و الذي قد يزول
و لكن هل هذه القضية تحتاج إلى كل هذا اللف و الدوران؟
من الملاحظ أن كل المناقشات السابقة كانت تخص الموجودات المادية " كرسي –
كتاب – قلم – خشب..الخ"
و لكن هل تقف فعالية منظور الثنائيات و مقولة جوهر /عرض عند حدود العالم
المادي
الخبرة البشرية عبر التاريخ تقول غير ذلك
لنلاحظ هذه دلالة هذه العبارات :
1- جوهر الدين – الدين الحقيقي- جوهر الإنسانية – الوطنية الحقيقية
2- الماركسية بجوهرها غير ذلك لاكما طبقها الاتحاد السوفيتي – الإسلام
الحقيقي هو إسلام الصحابة و الخلفاء الراشدين لا إسلامنا اليوم
3- علم الكلام و الجدل اللاهوتي حول طبيعة الإلوهية و الجدل حول الذات و
الصفات , و هل هي قديمة أم محدثة ..الخ
4- الروح الخالدة و الجوهر الإلهي للإنسان, و الجسد العرضي و المدنس.
فثنائية جوهر/ عرض , و منظور الثنائيات ما زال يشكل أس تصورنا و فهمنا
للظواهر الاجتماعية و العقائدية و السياسية
و هو منطق كارثي يؤسس لوجود تمايز جوهري بين الكائنات, و يبرر ازدواجية
المعايير و من ثم العنصرية و الإلغاء.
كيف ذلك؟
- عندما أنظر إلى الإسلام على سبيل المثال كجوهر, و كونه الدين الحقيقي
الوحيد الصحيح, هذا يؤسس لازدواجية معايير تجاه أتباع الأديان الأخرى
- عندما أنظر إلى الإسلام النبوي كإسلام حقيقي , و النماذج التاريخية الأخرى
كنماذج عرضية مجرد أخطاء و انحرافات عندها أمهد لتصور جوهراني فوق تاريخي
يبرر لازدواجية معايير تجاه من يخالفني الرأي من المسلمين, و سأختلف كما
اختلف المسلمون كثيرا ً حول ماهية الإسلام النبوي و مقولة الفرقة الناجية
- عندما أنظر إلى الروح كجوهر و إلى الجسد كعرض زائل, عندها أجد مبرر لإزالة
هذا العرض و قتل الجسد أو ممارسة العنف ضده تحت حجج مختلفة طالما أنه عرض
تافه ..الخ
ملاحظة أنا هنا لا أدافع عن الجسد ضد الروح أو العكس , و لكن أسلط الضوء حول
ما يعتري مقولة جوهر عرض من تهافت و سوء فهم بين البشر .
ولذلك فإن مقاربة ثانيه لمجمل مقالات الأستاذ البرازي قد تكون مفيدة على
الأقل من أجل التساؤل عن مصالحها في الدفاع عن الجوهر؟؟
ترى ؟ هل هو
الجوهر القومي الأفلاطوني الأرسطي ثانية .. يعود من جديد!!!
|