مجلة المستقبل السنه الثامنه-العدد:272-

7 نيسان-1984-باريس

الحيوية تدخل القاموس الفرنسي

منهج نقدي جديد للفكر والسياسة

عندما وصل رائق النقري إلى باريس قادماً من دمشق قبل حوالي خمس سنوات كان يحمل مجموعة من الأبحاث الفلسفية التي قام بها في سوريا . وكمثل أي مثقف أو طالب عربي، توجه إلى جامعة باريس بهدف إعداد دكتوراه دولة في الفلسفة . وهناك عرض على أحد الأساتذة أبحاثه الفلسفية في ميدان معين طالباً أن يستمر فيها على أساس أن تكون موضوع لأطروحته .

          قبل فترة قصيرة حمل رائق النقري مجلداً ضخماً هو حصيلة عمله الصعب وتوجه إلى الجامعة حيث واجه لجنة من الأساتذة الجامعيين بهدف الدفاع عن أبحاثه .

" المبادئ الحيوية في الفكر العربي المعاصر ، تطبيق المنهج الحيوي للدراسات الاجتماعية " ، هو عنوان المجلد الضخم ( الأطروحة ) الذي نال النقري على أساسه شهادة دكتوراه دولة في الفلسفة .

          ولأن الموضوع الذي يطرحه هذا الباحث الشاب هو جديد كل الجدة، بشهادة اللجنة التي ناقشته ، فقد التقته ( المستقبل ) في حوار قد يكون جزء منه وقفاً على الأخصائيين فقط .

       " المستقبل " : متى بدأت تعد هذا المشروع الفلسفي ؟ وما هي الدوافع لذلك ؟

   النقري : بعد هزيمة حزيران ( يونيو) 1967 كان لا بد من إنجاز عمل لكشف جذور الهزيمة في الواقع الاجتماعي المعاش وفي أيديولوجياته المهزومة نظرياً وعلمياً . ومنذ ذلك الوقت وعلى امتداد 16 عاماً من العمل المتواصل والجماعي ، مع مجموعة البحث الفكري والسياسي الحيوي التي تألفت لهذه الغاية ، استطعت نشر مجموعة من الكتب والدراسات في الفكر الحيوي كانت محوراً للعديد من المناقشات الأكاديمية .

وعندما توفرت لي فرصة الوصول إلى باريس عمدت إلى صياغة أسس الفكر الحيوي بصيغة أكاديمية أبرهن فيها على جدارة هذا الفكر وجدّته وقدرته على التطبيق كمنهج نقدي للظواهر الفكرية والسياسية بآن واحد وعلى مستوى المجتمع العربي وغير العربي .

       " المستقبل " ما معنى الحيوية ، وما هي مبادئها ؟

   ـ النقري : الحيوية لا تتطابق كما يتبادر إلى الذهن مع مفهوم برغسون . وكلمة الحيوية وغيرها من الكلمات والمصطلحات الخاصة بالمنهج الحيوي أدخلتها الفرنسية بأصلها العربي . وهكذا فإن كلمات مثل الحيوية ، والتفرد ، والتشخص ، والقصور ، والشكل  ليست بعيدة عن أن تدخل القاموس الفرنسي بأصلها ولفظها العربي . وهذا ينهي المرحلة التي كان ينظر فيها إلى اللغة العربية بأنها لغة شعرية وليست فلسفية.

أما المبادئ الحيوية فإنها ليست من قبيل الأهداف أو المثل ، بل هي من قبيل المؤشرات القانونية التي تجيب عن ماهية الكائن وحركته وصيرورته . وتشكل ما أصبح يعرف بالقانون الحيوي الذي يجد تطبيقاً له على المستوى الكوني والاجتماعي والمعرفي .

والمبدأ الأول لهذا القانون ينبع من مفهوم كلمة حيوية العربية التي تعني الحياة الفعّالة والمبدعة ، الضرورة المجددة, .. الخ .. وهي لا تدل على أن ذلك يخص الكائنات البيولوجية فقط, بل يشمل الكون . ولذلك يقال الله حي . وعن هذا المفهوم الشامل فإن المبدأ الأول للقانون الحيوي هو أن الكون شكل وهذا المبدأ ينفي وجود أية صفات جوهرية تميز الكائنات عن بعضها. وبذلك فإن الحيوية لا تعترف بجوهر مادي أو جوهر مثالي، بل بشكل قد يكون مادياً أو صافياً والحدود بينهما ليست جوهرية .. بل يمكن أن يتحول أحدهما إلى الآخر.

       " المستقبل ": وكن انعدام الجوهر، هل يعني أن الكون ساكن؟

   ـ النقري :بالعكس ، فانعدام الجوهر يعني أن الكائن طريقة وجود . أي حركة . وهذا هو المبدأ الثاني الذي ينفي وجود محرك متمايز جوهرياً عن المتحرك.

       " المستقبل" : وكيف تفسر المعادلة الكونية في غياب وجود جوهر محرك؟

   ـ النقري : المعادلة الكونية في القانون الحيوي تقوم على تبادل التأثير والتأثر بين الكائنات . فليس ثمة مؤثر لا يتأثر . ولذلك فإن النتيجة متضمنة في مقدماتها كما أن المقدمة تتضمن نتائجها . وهذا هو المبدأ الحيوي الثالث إذ أن الكائن في صيرورة حيوية.

       " المستقبل" : ولكن ألا يقودنا ذلك إلى العدمية ؟

   ـ النقري : المبدأ الرابع يكفل عدم الوقوع بالعدمية لأنه يقوم على أن حيوية الكائن احتمالية وهذه الاحتمالية على المستويين التكويني والحيوي . وهي من تأثير تعدد أبعدا صيرورة تشكل الكائن ، ومن خلال خضوع الكائن الجزئي للقصور الذي يمليه المبدأ الثاني للترموديناميك على المستوى الفيزيائي إذ أن الساخن يبرد تلقائياً ولإعادة التسخين لا بد من بذل طاقة جديدة .والظواهر الكونية كلها والاجتماعية ضمناً عرضة للقصور إذا لم يجر إعادة شحنها الحيوي.

وفي الكينونة الاجتماعية فإن القوى الحيوية هي التي تعمل على تجديد المجتمع وتوسيع آفاقه الإنسانية والإبداعية . أما قوى القصور فهي تعمل على الانغلاق والتحجر حتى تصاب بالتفسخ والموت .

       " المستقبل": هذه المبادئ وهذا القانون الحيوي ، من عبّر عنها للمرة الأولى ؟

   ـ النقري : بهذا الشكل وبهذا الترابط أنا أول من عبّر عنها في التاريخ النظري . ولكن هذه الأفكار جرى التعبير عنها بمقارنات مختلفة وفي مختلف المجتمعات . ومن ذلك يمكن القول أن ابن عربي وسبينوزا هما من آباء المنهج الحيوي . ولكن التعبير الأساسي من المبادئ الحيوية ليس هو التعبير النظري بل التعبير العملي ، فكل من يعمل لتغيير الواقع ليصبح أكثر عدالة وإنسانية وحري فهو يعمل على أساس أنه لا وجود لجواهر اجتماعية متمايزة بعضها يستحق الحياة والآخر القتل وبالتالي يؤمن بمبدأ الشك والحركة ويطبق الصيرورة الحيوية .

أما الذي يطبق الاستغلال والعنصرية والظلم فإنه يضع نفسه موضعاً مختلفاً من حيث الجوهر .. ولا بد أن يبرر عنصريته بجوهر مادي أو روحي ، يرى أنه يمثله ويحكم باسمه. ومن هذا الأساس يمكن أن نصنف كل المناضلين للإنسانية والعدالة والحرية بأنهم من التيار الحيوي ، حتى ولو كان تعبيرهم النظري لا حيوياً ، لأن التعبير النظري ليس له أهمية التعبير العملي .

       " المستقبل" :إذا ما هي قيمة الفلسفة والفلاسفة ؟

       ـ النقري : لا قيمة حقيقية لها بمعزل عن ارتباطها بالمصالح الاجتماعية التي تعبر عنها .

       " المستقبل" : كيف ترى وضعية الفلسفة في العالم العربي ؟

   ـ النقري : لا يوجد قبل المشروع الذي أقدمه أية مبادرة تطرح منظومة فكرية لتفسير الكون والتاريخ وتستنبط منها دليلاً للعمل والقيم وغير مستمدة من أحد . والإسهامات التي قام بها البعض لتعريب الفكر الماركسي لم تمتد لتطرح بديلاً عن أسس المادية أو الديالكتيك . ولذلك بقيت أعمال ياسين الحافظ والياس مرقص ضمن دائرة الاجتهادات السياسية التي لا ترقى إلى مستوى مبادرة أو مشروع فلسفي شامل .

والأمر نفسه ينطبق على الذين طرحوا الوجودية ، مثل عبد الرحمن بدوي . لأن الوجودية أساساً ليست مشروعاً فلسفياً بل ممارسة لها بعد نظري يفسره كل على هواه ولذلك يوجد وجودية متدينة وأخرى ملحدة ، وأخرى اشتراكية ، الخ ...

أما على صعيد الفكر القومي ، فإن ما طرحه زكي الأرسوزي وأنطوان سعادة لا يختلف عما طرح في أوروبا القرن التاسع عشر. ومن كتب بعدهم في هذا الإطار كان ينظر لمرحلة تاريخية متلاشية ، كما هو حال نديم بيطار وقسطنطين زريق وعصمت سيف الدولة .

أما بالنسبة للفكر الديني فإن معظم ما كتب يدور في نطاق الشرح والتأويل والمماحكة . وهذا يعود إلى أن العقل الديني المعاش هو عقل ضد الفلسفة لأنه يضع المقدسات موضع التساؤل . ولذلك لا يوجد لدينا ما يعادل بيار دي شاردان ، ومع ذلك يمكن العثور على كتابات جيدة عند ندرة يازجي في الفكر المسيحي وهو مغمور للأسف رغم كثرة إنتاجه . كما أن ثمة كتابات إسلامية متقدمة كالتي يقدمها حسن حنفي الذي يبدو أنه يحظى بتقدير خاص عند الباحثين في فرنسا نظراً لأصالة طروحاته .

       " المستقبل ": هل تعتبر أن للفلسفة ، عامة ، مستقبلاً في العالم العربي؟

   ـ النقري : نعم فالعالم العربي كجزء من العالم الثالث ، يعيش واقعاً متخلفاً يدفعه للتساؤل ومحاولة البناء. وهذا واقع محرض على وجود مبادرات فلسفية ، بينما يختلف الحال في أوروبا حيث البناء أصبح شاملاً وسجناً بآن واحد لا يمكن تغييره . ويعيش تحت الرعب النووي . ولذلك فإن الفلسفة التي يمكن أن تنتشر عن مثل حضارة كهذه هي التيارات العدمية والوجودية ولكن حتى هذه لم تستطع أن ترقى إلى مستوى المبادرة الفلسفية الشاملة .

ومن المعروف أنه منذ عشرات السنين لم نعد نسمع عن فلاسفة في الغرب ( ! ) كما أن الدراسات النظرية تدور جميعاً في إطار الدراسات الميدانية الجزئية التوثيقية التي تحزم طرح وبحث الأسئلة الكبرى بحجة أنها عامة . وفي هذا خطر على مستقبل الدراسات الفلسفية في العالم الثالث والعالم العربي ضمناً ، إذ أن معظم الذين درسوا الفلسفة تحولوا إلى وكلاء للفلسفة الأوروبية ، الغربية الشرقية وهي فلسفة ميتة في بلادها .

       " المستقبل ":كيف ترى علاقة الفكر العربي ، أو القومي حالياً ، بالإسلام؟

   ـ النقري : لقد تحول المشروع القومي واقعياً إلى كيانات وقوى طائفية ، مع أن مبرر الفكر القومي هو تجاوز الفكر الديني. والإخفاق ليس غريباً لأن الفكر القومي العربي قام على عقدة تجاه تخلف الفكر الإسلامي الذي كانت تمثله العقلية العثمانية الاستبدادية التي حولت العالم الإسلامي  إلى مستنقع للتخلف والانحطاط بالمقارنة مع نهوض أوروبا. هذه الحساسية تجاه هذا الإسلام الموروث من قرون الانحطاط لها ما يبررها ولكنها حساسية غير مسؤولة بل سطحية لم يسعَ الفكر القومي لبحثها جدياً ، بل اتبع أسلوب المراوغة والمجاملة وتجاوز التحدث عن الموضوعات الدينية وتغطيتها بشعارات جوفاء .. ولذلك فإنه سقط مرتين : الأولى عندما لم يقدم للجماهير بديلاً عن العقلية العثمانية للإسلام .. إذ بقيت هي المنتشرة جماهيرياً وما تزال عقبة أمام التطور .

ومن جهة ثانية لم يقدم لنفسه ما يميزه عن هذه العقلية ، ولذلك فإن القوى القومية كانت عرضة للصراعات الطائفية أكثر من غيرها الأمر الذي يكشف هشاشة بنيتها .

والحل يكمن بإعادة اكتشاف الإسلام وتمييز الفكر الإسلامي الانحطاطي الموروث والمعاش جماهيرياً عن إسلام القرون الأولى ، وتفسير أسباب الانحطاط وتدهور العقلية والنظم الاجتماعية الإسلامية . وهذا النقد لا يتم إلا من خلال لغة تفهمها الجماهير . وبما أن الجماهير لا تفهم إلا اللغة المحسوسة التي تلبي مصالحها المشروعة ، لذلك فإن إيجاد أوضاع سياسية تلبي مصالح الجماهير وربط هذه التغيرات بعملية نقد الفكر الإسلامي الانحطاطي المعاش والذي يتمثل بالتخلف والتجزئة والعبودية .. من شأنها أن تعيد للإسلام لغته الحيوية ، لغة التوحيد والعدل التي تقدسها جماهير المسلمين. ومشكلة التيار القومي أنه أراد الانتصار بالشعارات العامة في ظل هزائم مريرة بدأت بشكل واضح عام 1967 الأمر الذي أفسح المجال لصعود اللغة الإسلامية الموروثة من جديد كممثل للوطنية وللعروبة .

       " المستقبل " : هل تعتبر أن فتح باب الاجتهاد ربما يؤدي إلى تجديد الفكر العربي ؟

   ـ النقري : بالتأكيد، فإن فتح باب الاجتهاد يعني فوراً الانقلاب على العقلية الإسلامية الانحطاطية وفتح المجال أمام الإسلام الحيوي، إسلام المساواة والعدل. ولكن الاجتهاد لا يفتح بابه بأمر إداري بل تفرضه أوضاع سياسية يمكنها إقناع الجماهير المسلمة بأنها بدأت تستعيد القيم الأصلية التي تقدسها .

        "المستقبل":الإسلام والماركسية نقيضان أم ماذا ؟

   ـ النقري : لا يمكن وضع الماركسية مع الإسلام على مستوى واحد من المقارنة . في الماركسية رد فعل على ظروف أوروبية مسيحية لا يتجاوز عمرها أكثر من قرن . والماركسية وصلت إلى الإخفاق والإفلاس الكلي تطبيقياً ونظرياً .أما الإسلام فهو المكون النفسي والحضاري لمجموعة كبرى من الناس على امتداد 14 قرناً . وعلى الرغم من انحطاط الإسلام المعاش حالياً ، فإن الجماهير ترى ، وهي على حق ، أن الإسلام ليس المسؤول عن انحطاط الواقع الاجتماعي ، بل أن الواقع الاجتماعي المنحط هو الذي أفقد الإسلام زخمه الحيوي الإنساني ، كما عُبر عنه وطبق في عهد عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب على الأقل .. وهي مراحل حية في أذهان الجماهير وترفض بشدة أية محاولة لتشويه هذه الصورة ، وبدون نقاش وهو موقف لا عقلاني ولكنه أفضل من موقف المثقفين المتمركسين الذين تؤدي بهم عقليتهم وثقافتهم إلى العقم والعزلة .ولتجاوز ذلك يكتفون بالقول بأن الآخرين ليس لهم مستقبل لأنهم ضد التاريخ .. بينما هم الماركسيون مع التاريخ ، وهنا المهزلة و المأســـــاة .

الصفحة الاولى معجزة ام بداهة هندسة وإدارة المعرفه منظومات منطقية وفئوية  الذات والآخر مواجهة الهيمنة  نحو المستقبل أعمال آكاديمية انتقادات ووثائق من نحن اتصل بنا

 

| | روجيه غارودي | |  اوليفييه كاريه  | | بييرتييه | | رنيه شيرر| | وهيب الغانم  | |حودت سعيد

   | |حودت سعيد | | محمود استانبولي    | | مفيد أبو مراد | | جلال فاروق الشريف| | حافظ الحمالي | | محمد الراشد| |